“الريس زكور”..عطر الشهامة الذي عبر من أرصفة بيروت إلى خلود الذاكرة

مدة القراءة 3 د

حين تغيب شمس “الريس زكور” (زكريا الحلبي)، لا تغيب مجرد ملامح رجل، بل ينكسر غصنٌ من شجرة الصنوبر العتيقة، وتفقد “الشهامة” البيروتية وقع خطىً كانت تُطرب الأرصفة عزّة وعنفوانا. غاب الريس، فرحل معه ذاك الطراز الفريد من “قبضايات” بيروت الذين لم تكن الرجولة عندهم استعراضاً للقوة، بل كانت انحناءة حبٍّ أمام حاجة الضعيف، ووقفة عزٍّ في وجه كل من يحاول النيل من كرامة “سيدة العواصم”.

 

يا وجع بيروت على رجالاتها! أولئك الذين تفوح من ثيابهم رائحة بحر بيروت الممزوجة بعرق التعب وصوت الأذان وأجراس الكنائس. “الريس زكور” لم يكن عابراً في تاريخ المدينة، بل كان جاراً لكل البيوت، وأخاً لكل المكلومين. كان ذاك “الريس” الذي إذا نادته بيروت في ملمّة، وجدته قبل أن يرتدّ إليك طرفك، في الصفوف الأمامية، يتقدم الجمع بصدرٍ مفعم بالغيرة، وعينين لا تنامان على ضيم.

كان زكريا الحلبي، رحمه الله، كتلة من النار والنور؛ ناراً تشتعل نشاطاً وحيوية واندفاعاً في كل استحقاق بيروتي، ونوراً يهتدي به أصحاب الحاجات الذين وجدوا فيه ملاذاً ونصيراً. لم يكن يعرف التعب سبيلاً إلى قلبه ما دام الأمر يتعلق بحقٍّ مسلوب أو بدورٍ وطني يراد تهميشه. تراه في الميدان “إعصاراً” من الحركة، يجمع الشمل، ويشدّ الأزر، ويحول الضعف إلى قوة بكلمةٍ طيبة أو بوقفةٍ صلبة لا تعرف الانكسار.

كيف لبيروت أن تنسى ذاك الحضور الطاغي؟ في كل زاوية من زواياها، وفي كل ساحة شهدت على صولاته وجولاته، سيظل صدى صوته يتردد. كان المدافع الشرس عن هوية بيروت الوطنية، ذاك الموقع الذي لم يقبل يوماً أن يُساوم عليه. بالنسبة للريس زكور، كانت بيروت هي البوصلة والمنتهى، هي العِرض الذي يُصان، والبيت الذي لا يُغلق بابه في وجه قاصد.

برحيله، تسقط ورقة توت أخرى عن غصن “الأصالة” البيروتية التي باتت عملة نادرة في زمن الزيف. نحن لا نرثي اليوم رجلاً فحسب، بل نرثي قيماً كانت تمشي على قدمين. نرثي “النخوة” التي كانت تدفعه ليكون أول الحاضرين في الأفراح وأول المعزين في الأتراح، والمحامي الأول عن حقوق أهل مدينته دون صخب الكاميرات أو زيف الادعاءات. كان يعمل بصمت الأتقياء، ويغضب بصدق الأوفياء.

“الريس زكور” لم يكن عابراً في تاريخ المدينة، بل كان جاراً لكل البيوت، وأخاً لكل المكلومين

يا ريس زكور، ستفتقدك المقاعد التي كنت تشغلها بهيبتك، وستحنّ إليك الساحات التي كنت تملأها صخباً جميلاً يفيض حيوية. ستفتقد بيروت ذاك “القبضاي” الذي كان يرى في خدمة الناس عبادة، وفي الدفاع عن المدينة قداسة. رحلت يا أبا العز، وتركت في قلوبنا غصة، وفي تاريخ المدينة صفحة بيضاء ناصعة، مكتوبة بمداد الوفاء والغيرة.

بيروت اليوم حزينة، فيما تودع واحداً من أغلى أبنائها. ولكن، ومثلما تبقى رائحة البحر عالقة في مسام المدينة، ستبقى ذكرى “الريس زكور” عابقة في بال أهلها. سيتحدث الصغار عن ذاك الرجل الذي كان يسبق الجميع إلى فعل الخير، وسيذكر الكبار رفيق دربٍ لم يخذلهم يوماً.

نم قرير العين يا ابن بيروت البار، فمن زرع النخوة حصد الخلود في الذاكرة، ومن كان للناس ظلاً، لن تشرق شمس النسيان على قبره. بيروت لن تنسى “الريس زكور”، وستبقى حكايته تُروى كفصلٍ مشرق من فصول الكرامة البيروتية التي لا تموت.

رحم الله “الريس زكور” وأسكنه فسيح جناته.

مواضيع ذات صلة

هذا هو قاتل الرّشيد

تسعة وثلاثون عاماً على اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وكأنّ الطائرة المروحيّة تقلع في هذه اللحظات من معرض الرشيد باتّجاه المسبح العسكريّ في بيروت. تسعة وثلاثون…

هذا فيصل بن عمر

هذا الذي تعرف الفيحاء وطأته، وتعرفه ساحات المدينة وأسواقها وبحرها. هذا ابن عمر، “قبضاي” المدينة كلّها، من رمى استقالته من رئاسة الحكومة نصرةً لدم رفيق…

عزّ الدين الحدّاد: آخر “جنرالات الأنفاق”

لم تكُن الرّصاصة الأخيرة ليل الجمعة مُجرّد تصفية حسابٍ مع مطلوبٍ غابَ طويلاً في الظّلّ، بل كانت هَدماً للجدار الأخير في مُجمّع قيادة الرّعيل الأوّل….

37  عاماً.. ونحن ما نزال ننتظر “مفدينا” الشّهيد

أترانا لم ندفن “مفدينا” شهيدنا حتّى اليوم؟ أترانا لم نجرؤ على نعيه؟ لم نعد من جنازته؟ أتراه لم يُستشهد في ذاك الانفجار؟ أم رحلنا معه…