كيف سارت المُفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة في إسلام آباد؟ ما هي أبرز الخلافات بين الوفدَين؟ هل تُعقد جلسة تفاوض ثانية بعد فشل التّوصّل إلى اتّفاق في الجلسة الأولى؟
لا تنفصل خطوة الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لفرض حصارٍ بحريّ على إيران عن تداعيات الجلسة الأولى للمفاوضات التي استضافتها العاصمة الباكستانيّة إسلام آباد يوم السّبت الماضي. لا ينفصل هذا الحصار بدوره عن إمكانيّة التحضير لجلسة مفاوضات جديدة يعمل الوسطاء على عقدِها قريباً إذا أمكنَ ذلك.
يؤكّد مصدر دبلوماسيّ تركيّ لـ”أساس” أنّ أنقرة وإسلام آباد تعملان بشكلٍ حثيثٍ على دفع واشنطن وطهران إلى عقد جلسة تفاوض في وقتٍ قريب، وذلكَ بعد تبادل عدّة أفكار للوصول إلى حلولٍ وسطٍ في ما يخصّ المسائل الخلافيّة، وأبرزها تخصيب اليوارنيوم ومخزون اليورانيوم المُخصّب ومضيق هرمز.
روسيا على الخطّ
يكشف المصدر أنّ الرّئيس الرّوسيّ فلاديمير بوتين دخلَ على خطّ الوساطة أخيراً وأجرى أكثر من اتّصالٍ مع الرّئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان والرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، واقترح أن تستضيف موسكو جلسة التّفاوض الثّانية، ولم يجد المقترح معارضةً إيرانيّة، لكنّ واشنطن لم تردّ بعد على المقترح الرّوسيّ لاستضافة المفاوضات.
يشمل المُقترح الرّوسيّ الآتي:
1- أن تعترِف واشنطن بحقّ إيران بتخصيب اليورانيوم للأنشطة النوويّة المدنيّة حصراً.
2- تُؤكّد إيران حقّها في ذلكَ على أن يُشرفَ خبراء أميركيّون وروس على تخصيب اليورانيوم على مستوى 3.67% على الأراضي الإيرانيّة وفي منشآت مُحدّدة.
3- تُزوّد روسيا إيران باحتياجاتها المحدودة من اليورانيوم المُخصّب على مستويات أعلى من 3.67%، أي 20% وبعض الكميّات المحدودة بنسبة 60 %.
4- تُسلّم إيران روسيا كميّة اليورانيوم العالي التخصيب على أن تبقى في روسيا “وديعةً”، وتضمن روسيا سلامة هذه الموادّ من دون أن تعودَ إلى الأراضي الإيرانيّة.
5- رفع كامل العقوبات الأميركيّة عن إيران عند تسلّم روسيا لليورانيوم المُخصّب.
6- إخضاع المنشآت النّوويّة الإيرانيّة لرقابة من الوكالة الدّوليّة للطاقة الذّرّيّة وخبراء أميركيّين وروس.
واشنطن لم تردّ بعد على المقترح الرّوسيّ لاستضافة المفاوضات
7- تُعلن إيران فتح حركة السّفن بشكلٍ كاملٍ في منطقة مضيق هرمز من دون أن يتضمّن ذلكَ أيّ رسوم على النّاقلات والسّفن التي تعبر المضيق.
8- تُشرف لجنة إقليميّة على أمن المضيق تضمّ الدّول المُشرفة عليه.
9- وقف إطلاق النّار على جميع الجبهات، وإطلاق مسارٍ سياسيٍّ لكلّ جبهة بشكلٍ مُنفصلٍ بما يتلاءَم مع ظروفها السّياسيّة.
10- تضمن روسيا والصّين وتركيا وباكستان ومصر الاتّفاق.
يدرس المعنيّون أيضاً إمكانيّة أن تستضيف تركيا الجولة الثّانية، خاصّة أنّ وزير خارجيّتها حقّان فيدان أجرى أكثر من اتّصالٍ مع رئيس البرلمان الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف ومسؤولين من مجلس الأمن القوميّ الأميركيّ لدفع المفاوضات قدماً، بالتّنسيق مع المسؤولين الباكستانيّين.
Take it or leave it
لم تكن جلسة إسلام آباد الأولى جلسةَ تفاوضٍ حقيقيّة بقدر ما كانت جلسة “اختبار نوايا” من وفدَيْ واشنطن وطهران. هذا ما يُفسّر تمسّك كلّ طرفٍ بمطالبه، حتّى إنّ نائب الرّئيس الأميركيّ جي.دي. فانس قدّم المُقترح الأميركيّ لإيران على طريقةِ “Take it or leave it”.

من جانبهم كان الإيرانيّون يُصرّون على رفع الحظرِ عن الأرصدة الإيرانيّة في بنوك دولة قطر واليابان وكوريا الجنوبيّة باعتبارها، إن حصلت، بادرة “حُسن نيّة” من الجانب الأميركيّ. لكنّ معلومات “أساس” تؤكّد أنّ الوفد الأميركيّ نقل للوفد الإيرانيّ أنّ رفعَ العقوبات مُرتبطٌ بالتّوصّل إلى اتّفاق، ولن يكونَ قبله، بناءً على توجيهات الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب للوفد المفاوض.
يؤكّد المصدر أنّ حجمَ الوفدَين الأميركيّ والإيرانيّ يدلّ على جدّيّتهما في خوض المفاوضات، وأنّ المحادثات دخلت في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل على مستوى الخبراء النّوويّين والدّبلوماسيّين، لكنّ تمسّك الوفدَين بمطالبهما المُتعلّقة بالبرنامج النّوويّ ومضيق هرمز أدّى إلى فشل الجلسة الأولى.
يؤكّد المصدر أنّ حجمَ الوفدَين الأميركيّ والإيرانيّ يدلّ على جدّيّتهما في خوض المفاوضات، وأنّ المحادثات دخلت في التفاصيل
هذا لا يعني أنّ المفاوضات انهارت، لكنّها مسارٌ مُعقّد نظراً لحجم الخلافات والمشاكل بين الجانبَين التي يعودُ تاريخها إلى يوم سقطَ نظام الشّاه وبدأ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في 1979.
حصار الحصار.. ابحث عن الصّين
بقيت مسألتا “اليورانيوم وتخصيبه” و”مضيق هرمز” من دون حلّ في الجلسة الأولى. إذ إنّ الجانب الأميركيّ يعتبر أنّه لو كانت إيران فعلاً لا تريد صنع قنبلة نوويّة واستخدام البرنامج النّوويّ للأغراض العسكريّة، لكانت قبلت بالتخصيب خارج أراضيها. لكنّ تمسّك وفدها بتخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانيّة، على الرّغم من كلّ ما شهدته إيران من قصف واغتيالات، يُثير قلق الجانب الأميركيّ.
قد يدفع إصرار إيران على التّحكّم بمضيق هرمز دولاً أخرى تُشرف على مضائق مائيّة إلى فرضِ رسوم وقيود على حركة السّفن والنّفط، فتنتشر في البحار فوضى لم يشهدها العالم منذ الحرب العالميّة الثّانية.
دفع هذا الواقع الرّئيس الأميركيّ إلى إعلان الحصار البحريّ على إيران، في محاولةٍ لانتزاع ورقة هرمز منها. لكنّ بعض القوى الإقليميّة تعتقد أنّ خطوة ترامب يُراد منها أن يكونَ شريكاً لإيران في إدارة المضيق، وبالتّالي تدفّق النّفط إلى الأسواق تماماً كما فعل في فنزويلّا لكن مع اختلاف العنوان والطّريقة.
يؤكّد المصدر أنّ حجمَ الوفدَين الأميركيّ والإيرانيّ يدلّ على جدّيّتهما في خوض المفاوضات، وأنّ المحادثات دخلت في التفاصيل
بكلامٍ آخر، يسعى ترامب إلى حصار “الحصار الإيرانيّ”، ليُفاوض على دخولهِ على خطّ “إدارة هرمز”، وما يعنيه ذلكَ من تحكّم بالنّفط المُصدَّر إلى الصّين، التي دائماً ما يذكرها نائبه فانس لجهة أنّ على الولايات المتّحدة أن تعتمدَ سياسة انعزاليّة عن حروب العالم للتفرّغ للصّراع التجاريّ مع بكّين، الذي من المُتوقّع أن يمتدّ للـ40 سنة المُقبلة.
إقرأ أيضاً: لبنان في إسلام آباد: تحييد بيروت.. والضّاحية؟
هنا بيت القصيد في كلّ الأحداث التي مرّ ويمرّ بها الشّرق الأوسط منذ عمليّة السّابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 التي جاءَت بعد شهرٍ من إعلان خطّ التجارة الهنديّ الذي يُنافس طريق الحرير الصّينيّ، وما تلاها من حروب وتغييرات سياسيّة وفرض وقائع أمنيّة جديدة طالت الشّريك الأساسيّ للصّين في المنطقة، أي إيران. هذا ما يُفسّر أيضاً دخول باكستان على خطّ الحلّ، وهي واحدة من الشّركاء الأساسيّين للصّين في مواجهة الهندِ حليفة إسرائيل السّياسيّة – الاقتصاديّة – التجاريّة.
لمتابعة الكاتب على X:
