رحل عاشق بيروت فوزي زيدان

مدة القراءة 3 د

عند وفاة البروفسور وفيق سنّو في 18 شباط 2022، روى الدكتور فوزي زيدان قصّة له مع الفقيد الكبير فقال: “كنت في السنة الجامعيّة الأولى أدرس الطبّ، فقصدت ووالدي عيادته التي تقع في الشارع الذي يواجه مبنى ستاركو. دخلنا العيادة وكانت مزدحمة. خرج الدكتور سنّو وطلب منّا الدخول فوراً. بعد معاينتي، رفض أن ندفع بدل المعاينة، ونظر إليّ قائلاً: “أنت زميلي في المستقبل، كيف آخذ منك معاينة؟”. أضاف الدكتور زيدان: “أصبحت زميله في الطبّ، زميله في اتّحاد العائلات البيروتيّة، وزميله في عشق بيروت”.

 

رحل بالأمس الدكتور فوزي زيدان، أحد عشّاق بيروت الأصيلين. عندما زار مكاتب موقع “أساس”، سألته، وهو خير من يُسأل عن اتّحاد العائلات البيروتيّة: “لماذا أنشأتم هذا الاتّحاد؟”، فأجابني من دون تردّد: “أردنا أن يكون لرفيق الحريري حزب في بيروت، والبيارتة يكرهون الأحزاب، فقرّرنا إنشاء اتّحاد العائلات البيروتيّة”.

بعد وفاة البروفسور سنّو، تسلّم فوزي زيدان رئاسة الاتّحاد، بتشجيع من المستشار نهاد المشنوق في ذاك الزمان، وكان ذلك في عزّ أيّام رفيق الحريري والحريريّة الوطنيّة. كان الاتّحاد كما أراد زيدان وسنّو ورفاقهما من آل العيتاني وشاتيلا وشهاب ومسالخي والمصري ومنيمنة، حزباً لرفيق الحريري أو حزباً للحريريّة الوطنيّة.

لم يكن فوزي زيدان بيروتيّاً أصيلاً فحسب، بل كان، كما كلّ أقرانه البيارتة، عروبيّاً حتّى العظم، إنسانيّ الهوى، لم يطرق مريضٌ باب عيادته إلّا واستقبله، وبقي حتّى الرمق الأخير يناضل رئيساً لملتقى بيروت، حاضراً دائماً في مجموعة الملتقى على تطبيق واتساب، يردّ على هذا، ويصحّح كلام ذاك، ويحذف ما يراه غير مقبول في كذا مجموعة يرأسها.

شيّع رفاق فوزي زيدان نعشه بالأمس بعد صلاة العصر في مسجد البسطا التحتا، وووري الثرى في مدافن الباشورة

إلى موعد قريب

لم يقلّل تقدّمه بالسنّ من نشاطه العامّ، فقد كان يتابع حضور كلّ المدعوّين إلى الندوات التي يعقدها الملتقى، ويتّصل مرّة واثنتين وثلاث مرّات كي يؤكّد الحضور. كان آخر موعد له مع أهله البيارتة في إفطار رمضانيّ للملتقى، إلّا أنّ الأحداث الأمنيّة الأخيرة دفعته لإلغاء الإفطار قائلاً بكلّ تهذيب: “لأسباب قاهرة نلغي إفطارنا، لكنّنا سنلتقي في موعد قريب”.

لم يخلف فوزي زيدان وعداً قطعه لأهله وناسه في يوم من الأيّام ما عدا وعده الأخير بأنّ لنا معه موعداً قريباً لم يلتزم به، إذ عاجلته المنيّة في مستشفى كليمنصو، وخانه قلبه، فأسلم الروح في ليلة القدر، وهي ليلة كما يقول الرحمن في كتابه الكريم: “خير من ألف شهر”.

رحل فوزي زيدان، وهو بيروتيّ بحجم ألف رجل. مرّة جديدة نفقد رجلاً من بقيّة الرجالات الأوفياء من بيروت العاصمة الولّادة التي تعرف كيف تصنع الرجال.

شيّع رفاق فوزي زيدان نعشه بالأمس بعد صلاة العصر في مسجد البسطا التحتا، وووري الثرى في مدافن الباشورة، إلى جانب علماء بيروت، وبالقرب من ضريح الوالي العثمانيّ، وليس بعيداً عن قبر العالم الروحانيّ إبراهيم النبهاني.

إقرأ أيضاً: رحل محسن دلّول.. ناقل بريد السّياسيّين

يستحقّ فوزي زيدان هذا المقام العابق بروحانيّة الإسلام وتاريخ سلطنة افتخر بها البيارتة في كلّ زمان وآن.

من موقع “أساس ميديا”، ناشراً وزملاء، نعزّي أنفسنا كما نعزّي بيروت برحيل ابنها فوزي زيدان.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

وليد الخالدي… مؤرّخ فلسطين وحارس ذاكرتها

في زمنٍ تتعرّض فيه الذاكرة للتآكل، وتُعاد فيه كتابة التاريخ على إيقاع موازين القوى، يكتسب رحيل المؤرّخ الفلسطينيّ وليد الخالدي (1925–2026) معنى يتجاوز غياب شخصيّة…

لطفية الدليمي.. أيقونه تودّع خيبات جيلنا

صباح اليوم الأحد ٨ اذار 2026  لطفية الدليمي، في لحظة فقدان توشح بالحسرة على عراق لم ينصف  قامات زهت الدنيا بها وما أشاعته من قيم وخلق إبداعي في…

سلمى مرشاق: حين يُهزم العنف أخلاقياً

لم تكن سلمى مرشاق، في الوعي العام، مجرد “والدة” لقمان سليم. منذ لحظة اغتياله في 4 شباط من العام 2021، تحوّلت إلى صوت موازٍ لصوته،…

محسن دلّول… رجلُ الممرّات الخلفيّة في تاريخٍ صاخب

ليس سهلاً اختصار حياة محسن دلول الذي رحل عن ثلاثة وتسعين عاماً، في توصيف سياسيّ مباشر، ولا في سيرة تقليديّة تُعدّد المناصب والسنوات. الرجل الذي…