يحذّر الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان من أنّ أخطر ما في هذه الحرب التي أطلقها كلٌّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ضدّ إيران ليس فقط آثارها العسكريّة، بل افتقارها إلى رؤية واضحة لكيفيّة إنهائها أو لما سيحدث بعدها.
بعد أكثر من أسبوع على اندلاع هذه الحرب، يطرح فريدمان سؤالاً أساسيّاً: ماذا لو كان الهدف الضروريّ، أي تغيير النظام الإيرانيّ، مستحيلاً عمليّاً؟ ماذا لو كان تغيير إيران أكثر أهميّةً بكثير ممّا يُقرّ به منتقدو الحرب، لكنّه في الوقت نفسه أكثر صعوبةً بكثير ممّا يُدركه مُخطّطوها؟
يعتبر فريدمان أنّ إزالة النظام الإسلاميّ في إيران قد تكون أفضل ما يمكن أن يحدث لشعوب المنطقة، بما في ذلك إيران ولبنان والعراق وسوريا وغزّة واليمن وحتّى إسرائيل، ويشير إلى أنّ هذا النظام متغلغل في كلّ مفاصل الدولة والمجتمع: البلديّات، المدارس، الشرطة، الوظائف الحكوميّة، النظام المصرفيّ، الجيش، حتّى الميليشيات المحليّة، بحيث إنّه على الرغم من عدم شعبيّته لدى غالبيّة الإيرانيّين، لا يُمكن إزاحته دون إغراق كامل الأراضي الإيرانيّة، التي تُعادل سدس مساحة الولايات المتّحدة تقريباً، ويقطنها 90 مليون نسمة، في فوضى عارمة؟ ماذا لو كان البديل السريع الوحيد للاستبداد الإسلاميّ في إيران ليس الديمقراطيّة، بل فوضى عارمة؟
يعتبر فريدمان أنّ إزالة النظام الإسلاميّ في إيران قد تكون أفضل ما يمكن أن يحدث لشعوب المنطقة، بما في ذلك إيران ولبنان والعراق وسوريا وغزّة واليمن وحتّى إسرائيل
مواقف متناقضة
في رأي فريدمان “لا شيء يُبرز رسوخ هذا النظام أكثر من حقيقة أنّ إيران استبدلت مرشدها الأعلى، علي خامنئي، الذي قُتل في بداية الحرب، بابنه مجتبى خامنئي، الذي يُقال إنّه متشدّد آخر. يُظهر هذا التطوّر أنّ النظام يمتلك آليّات داخليّة للبقاء والاستمرار حتّى في ظروف الحرب”.
في سياق تأكيده رسوخ عداء النظام الإيرانيّ لأميركا، يروي فريدمان أنّه عندما زار طهران عام 1996 وأقام في فندق هوما الذي كان سابقاً فندق شيراتون، لاحظ لافتة مثبتة فوق باب الفندق كتب عليها باللغة الإنكليزيّة: “الموت لأميركا”. ما لفت انتباهه ليس الشعار نفسه، بل كونه مثبتاً بشكل دائم في البناء وليس كتابة عابرة على الجدران. بالنسبة له، كان ذلك رمزاً لمدى ترسّخ العداء بين النظام الإيرانيّ والولايات المتّحدة. ويوضح أنّه “في تلك الفترة كان هناك شعور نسبيّ بالانفتاح في إيران الذي مكّنني من الحصول على تأشيرة. وكنتُ آمل أن ينتصر سعي العديد من شباب إيران آنذاك للانضمام إلى الاقتصاد العالميّ في نهاية المطاف على قادتهم الذين ثبّتوا تلك الكلمات على الجدار. لكنّ ذلك لم يحدث. كانت بنية النظام كما تلك الكلمات راسخة جدّاً”.
يعتقد فريدمان أنّ أكبر مشكلة في هذه الحرب هي أنّ قادتها بدؤوها دون خطّة واضحة لما سيحدث بعدها. ويكتب: من الواضح أنّ ترامب ونتنياهو قد شنّا هذه الحرب دون أيّ هدف نهائيّ واضح في أذهانهما. وقد يكون نتنياهو راضياً عن تحويل إيران إلى ساحة صراع دائم شبيهة بما حدث في غزّة، أي القيام بعمليّات عسكريّة دوريّة لإضعاف الخصوم دون إنهاء الصراع فعليّاً. هذا النوع من الصراع الدائم قد يخدم أيضاً مصالحه السياسيّة الداخليّة لأنّه يتيح له تأجيل مشكلاته القضائيّة وتجنّب التحقيق في فشل حكومته في منع هجوم “حماس” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023.
أمّا ترامب، يضيف فريدمان، فمواقفه تجاه مستقبل إيران متناقضة وغير متماسكة. ففي بعض الأيّام يتحدّث عن تغيير النظام، وفي أيّام أخرى يقول إنّه لا يهتمّ بمن سيحكم إيران. أحياناً يدعو إلى التفاوض، وأحياناً يطالب باستسلام غير مشروط. يعكس هذا التذبذب غياب استراتيجية حقيقيّة لدى القيادة الأميركيّة. ويقتبس من المحلّل السياسيّ حسين إيبيش وصفاً ساخراً للاستراتيجية الأميركيّة في إيران: “الفكرة ببساطة هي أن تقوم الولايات المتّحدة وإسرائيل بقصف الأهداف العسكريّة، ثمّ يُترك فراغ في الخطّة، على أمل أن يقوم الإيرانيّون بطريقة ما بإحداث تغيير سياسيّ يحقّق أهداف الحرب”.
يشبّه فريدمان هذه السياسة بشركة يقرّر مديرها فجأة تغيير استراتيجية العمل بالكامل، ثمّ يشرح أهدافها بطريقة مختلفة كلّ يوم. بالنسبة له، هذا مؤشّر خطير إلى غياب التخطيط. مع ذلك، يعترف بأنّ العمليّات العسكريّة قد تكون نجحت في توجيه ضربات كبيرة لقدرات إيران النوويّة والعسكريّة، بما في ذلك قوّاتها البحريّة والجويّة وبرنامجها الصاروخيّ. ويرى أنّ هذا قد يقلّل من قدرة النظام الإيرانيّ على تهديد جيرانه أو قمع شعبه.
فريدمان: لا شيء يُبرز رسوخ هذا النظام أكثر من حقيقة أنّ إيران استبدلت مرشدها الأعلى، علي خامنئي، الذي قُتل في بداية الحرب، بابنه مجتبى خامنئي، الذي يُقال إنّه متشدّد آخر
ماذا عن اليوم التّالي؟
يعتقد فريدمان أنّ “الخطوة الأكثر حكمة الآن هي وقف العمليّات العسكريّة مؤقّتاً ومراقبة تطوّرات الوضع في “اليوم التالي”.
هنا، في رأيه، تبدأ السياسة الحقيقيّة. فلو أعلنت الولايات المتّحدة وإسرائيل، بعد تحقيق معظم أهدافهما العسكريّة، استعدادهما لوقف هجماتهما شريطة أن تفعل إيران الشيء نفسه، ستعلن القيادة الإيرانيّة الباقية للعالم وشعوبه في صباح اليوم التالي: “لقد أريناهم. لقد تحدّينا القوّة المشتركة للشيطان الأكبر والشيطان الأصغر”. لكن في صباح اليوم التالي، سيحدث جدل حادّ وصراع داخليّ بين النخبة الحاكمة في طهران. ستُعلن أصوات كثيرة من الشعب والتجّار والإصلاحيّين في النظام قائلةً للمتشدّدين الإيرانيّين: “انظروا إلى الكارثة التي جلبتموها علينا. إذا كان هذا نصراً عظيماً لإيران، فكيف تبدو الهزيمة؟ لقد خسرنا مدّخراتنا واقتصادنا وبيئتنا وجزءاً كبيراً من جيشنا وصداقة جميع جيراننا المباشرين. أيّ مستقبل ينتظرنا؟”.
يشير فريدمان أيضاً إلى الصراع الداخليّ بين الرئيس الإيرانيّ والفصائل العسكريّة المتشدّدة بسبب الخلاف على جدوى مهاجمة إيران لجيرانها العرب على أمل الضغط على واشنطن لوقف الحرب. ويرى أنّ مثل هذه الخلافات قد تتفاقم بعد توقّف القتال عندما يبدأ الإيرانيّون مواجهة التكلفة الحقيقيّة لسياسات النظام.
يكتب: بالتأكيد، لا أحد يستطيع ضمان أن تنتهي هذه المناورات السياسيّة، التي تُشبه ردّة فعل ما بعد الحرب، بتغيير النظام أو إزاحته. لكنّ احتماليّة حدوث ذلك لا تقلّ عن احتماليّة قصف طهران وبيروت حتّى تحويلهما إلى ركام، على أمل اندلاع انتفاضة شعبيّة.
يحذّر الكاتب أيضاً من أنّ استمرار الحرب قد يؤدّي إلى كارثة بيئيّة وإنسانيّة كبرى. فقد تمّ بالفعل قصف محطّة لتحلية المياه في إيران، وردّت طهران بقصف محطّة مشابهة في البحرين. وإذا توسّع هذا النوع من الهجمات، فقد تواجه المنطقة أزمة مياه حادّة. قد يجعل تدمير البنية التحتيّة إيران بلداً غير قابل للحكم، وهو سيناريو أخطر بكثير من بقاء النظام الحاليّ.
يشير فريدمان أيضاً إلى الحالة النفسيّة السائدة في طهران بسبب الحرب. ويستعيد حديث رائد أعمال رقميّ في طهران، يدعى بيمان، للصحيفة يعبّر فيه عن قلقه من أنّ ثمن الحرب أصبح مرتفعاً جدّاً. بات الكثير من الإيرانيّين عاجزين عن العمل يقضون أيّامهم في منازلهم يشاهدون الدمار بخوفٍ وقلقٍ متزايدَين. ويتساءل كيف يمكن للسكّان المحلّيّين منع الجرائم حتّى البسيطة منها في ظلّ تدمير مراكز الشرطة، علاوة على كيفيّة تولّي أيّ حكومة إدارة شؤون البلاد بعد كلّ هذا الدمار. ويقول إنّه لو تغيّر النظام ستبقى المؤسّسات ضروريّة لبقاء الدولة.
إقرأ أيضاً: انتخاب مجتبى حارس “بوابة” والده
يؤكّد فريدمان أنّ “النظام الإيرانيّ يشكّل خطراً على شعبه وعلى المنطقة”. ويقول إنّه يأمل زواله يوماً ما بطريقة لا تؤدّي إلى دمار شامل. لكنّ الاعتماد على القصف المستمرّ وتدمير البنية التحتيّة على أمل أن ينتفض الشعب الإيرانيّ تلقائيّاً لإسقاط النظام ليس استراتيجية واقعيّة، إذ لا يوجد مثال تاريخيّ واضح على نجاح مثل هذا السيناريو.
يخلص إلى القول إنّ “أيّ تغيير حقيقيّ في إيران سيأتي من داخل النظام نفسه، عبر صراعات في قمّة السلطة، وهو أمر قد يبدأ فقط بعد وقف إطلاق النار. وبالتالي أفضل ما يمكن أن تحقّقه الحرب الحاليّة هو إضعاف النظام ودفعه نحو تغيير تدريجيّ. أمّا أسوأ سيناريو فهو أن تؤدّي الضربات العسكريّة المستمرّة إلى تحويل إيران إلى دولة منهارة لا يستطيع أحد حكمها، وهو ما سيكون كارثة إقليميّة وعالميّة هائلة”.
لقراءة المقال بلغته الأصلية اضغط هنا
