من طهران إلى بيروت: حروب بلا نهاية..

مدة القراءة 6 د

تطرح الحرب الدائرة في الشرق الأوسط سلسلة من الأسئلة الثقيلة: إلى أي مدى يمكن أن تمتد؟ وكيف يفكر كل من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟ وما الذي ينتظر أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية إذا طال أمد الصراع؟

 

في الظاهر، تبدو الأطراف الرئيسية وكأنها مصممة على الاستمرار: الإيرانيون يعلنون الصمود، والإسرائيليون يبدون إصرارًا على متابعة المواجهة، بينما يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في موقف متقلّب بين التهديد والتردد. غير أن وقف هذا المسار التصاعدي يتطلب أمرين: أن يتجاوز ترامب حسابات بنيامين نتنياهو، وأن يظهر وسيط دولي قادر على المبادرة والشجاعة. أما بالنسبة للبنان وحزب الله، فلا تبدو في الأفق أي مؤشرات على تهدئة، بل العكس تمامًا، إذ يتجه الوضع نحو مزيد من الاحتدام بما يهدد المجتمع والدولة معًا.

العالم منشغل بالحرب الكبرى بين إيران وإسرائيل، لكن لبنان يكاد يكون خارج الاهتمام الدولي، رغم أن خسائره البشرية والمادية ليست أقل خطورة

ارتباك أميركي وتناقضات في القرار

من يتابع تصريحات ترامب اليومية يلاحظ بسهولة مقدار التناقض بينها. فالرئيس الأميركي يبدو أحيانًا وكأنه لم يتوقع أن تطول الحرب؛ إذ كان يتصور في بدايتها أنها لن تستمر أكثر من بضعة أيام.
وفي نظر الإسرائيليين على الأقل، يتأرجح موقفه بين خيارين متطرفين: إما توسيع المواجهة إلى حد التفكير في عملية برية ضخمة ضد إيران عبر العراق، أو الانسحاب من الحرب وترك إسرائيل تواجه مصيرها وحدها.

كما يواجه ترامب معضلة أخرى تتعلق بمآلات الحرب. فإذا تحقق انتصار عسكري واضح، هل يسعى إلى تغيير النظام الإيراني بالكامل؟ أم يكتفي بإضعافه والسماح ببقاء نظام معدل أو “مرمم” يمكن التعامل معه لاحقًا، كما حدث في تجارب أخرى في العالم؟

وقد بدا الارتباك واضحًا في الأوساط الإسرائيلية عندما أكد ترامب مرارًا أن هدفه ليس إسقاط النظام الإيراني. فبالنسبة لكثيرين في إسرائيل، يشكل تغيير النظام أحد الأهداف الرئيسية للحرب، بينما يظل البيت الأبيض مترددًا في تبني هذا الخيار بشكل صريح.

صدمة متبادلة

مرّ أكثر من أسبوع على توقف المفاوضات واندلاع المواجهة العسكرية. وفي حين بدت القيادة الإيرانية وأذرعها الإقليمية في حالة ذهول نتيجة الضربات القاسية والخسائر الكبيرة، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل فوجئتا بدورهما بقدرة إيران على الصمود.

فالهجمات الإيرانية لم تتوقف رغم الضربات الجوية المكثفة، وقد شملت آلاف المسيّرات ومئات الصواريخ الباليستية التي استهدفت إسرائيل وبعض دول الخليج. وحتى الآن، لا تظهر مؤشرات واضحة على أن مخزون إيران من هذه الأسلحة قد نفد.

مع ذلك، يراهن الطرف المهاجم على عاملين رئيسيين:
– أولاً، أن يؤدي الاستنزاف التدريجي إلى تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية.
– ثانيًا، أن تنجح الضربات الجوية في تدمير منصات الإطلاق أو تعطيل جزء كبير منها.

تشير بعض التقديرات إلى أن وتيرة الإطلاقات تراجعت بالفعل بشكل كبير، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء القدرة الإيرانية على الرد.

لا تبدو الأزمة مجرد حرب واحدة، ولا حتى حربين منفصلتين، بل سلسلة من الصراعات المتشابكة

تناقضات داخل المعسكر الإيراني

في الداخل الإيراني، تظهر مؤشرات على تباينات في إدارة الحرب. فقد أعلن الرئيس مسعود بزشكيان وقف استهداف دول الخليج وقدم اعتذارًا لها، بينما بدا أن الحرس الثوري غير متحمس لهذا الموقف، واستمرت الهجمات بوتيرة مختلفة.

هذا التباين يطرح عدة تفسيرات محتملة: قد يكون مجرد مناورة سياسية لإرباك الخصوم، أو تعبيرًا عن خلاف حقيقي بين القيادة السياسية والعسكرية، أو جزءًا من استراتيجية “الزيك زاك” التي تجمع بين التصعيد والتهدئة بهدف فتح باب للتفاوض لاحقًا.

في موازاة التطورات العسكرية، تتصاعد أزمة الطاقة والممرات البحرية العالمية. فاستهداف طرق الملاحة أو التهديد بإغلاق المضائق البحرية يضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر جدية.

الصين، التي تمتلك استثمارات ضخمة في إيران وتعتمد بشدة على نفط المنطقة، تبدو حذرة بشكل لافت. أما الأوروبيون فيخشون بدورهم أن يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد.

هكذا تتزايد الضغوط على واشنطن من جهتين:
– من جهة أولى، غياب هدف سياسي واضح للحرب.
– من جهة ثانية، صعوبة تحمل تبعات أزمة الطاقة لفترة طويلة.

يضاف إلى ذلك القلق داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يخشى كثيرون أن تتحول المواجهة إلى حرب طويلة تستعيد ذكريات العراق وأفغانستان، حين حققت واشنطن تفوقًا عسكريًا لكنها تكبدت خسائر سياسية واستراتيجية كبيرة.

من يبادر بوقف الحرب؟

في المدى القريب، لا يبدو أن إيران مستعدة للاستسلام، كما أن ترامب لا يستطيع التراجع بسهولة حتى لا يُتهم بالهزيمة. أما إسرائيل فتفضّل استمرار الضغط العسكري رغم تراجع الزخم الأولي للحرب.

لكن الأزمة باتت كبيرة إلى حد يصعب على العالم تحمّلها طويلاً. ولذلك يبرز السؤال: هل يجرؤ أحد الأطراف على طلب وقف إطلاق النار والعودة إلى التفاوض؟ وربما عبر مبادرة تقودها أوروبا أو سلطنة عُمان.

تشير بعض التقديرات إلى أن وتيرة الإطلاقات تراجعت بالفعل بشكل كبير، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء القدرة الإيرانية على الرد

بالنسبة للبنانيين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نحن أمام حرب واحدة أم سلسلة من الحروب المتداخلة؟

العالم منشغل بالحرب الكبرى بين إيران وإسرائيل، لكن لبنان يكاد يكون خارج الاهتمام الدولي، رغم أن خسائره البشرية والمادية ليست أقل خطورة.

حتى لو توقفت المواجهة مع إيران، لا يوجد ما يضمن أن يشمل الاتفاق الجبهة اللبنانية. فالمطلب الإسرائيلي واضح: نزع سلاح الحزب.

في المقابل، لا يبدو الحزب مستعدًا للقبول بذلك تحت ضغط الحرب أو استجابة لقرار الحكومة اللبنانية.

وبين هذين الموقفين المتصلبين، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا استمرار الضربات الإسرائيلية وما يرافقها من تدهور في الوضع الداخلي اللبناني، بما يهدد المجتمع والنظام والدولة.

إقرأ أيضاً: موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

حروب متداخلة

من هذه الزاوية، لا تبدو الأزمة مجرد حرب واحدة، ولا حتى حربين منفصلتين، بل سلسلة من الصراعات المتشابكة: حرب على إيران، وأخرى في لبنان، وأزمات تمتد آثارها إلى الخليج والبحر الأحمر وأسواق الطاقة العالمية.

لهذا قد تجد إسرائيل نفسها أمام ما تعتبره “فرصة استراتيجية نادرة” لن تتكرر بسهولة، سواء في مواجهة إيران أو في التعامل مع الحزب في لبنان. لكن هذه الفرصة، بالنسبة للمنطقة، قد تعني شيئًا آخر: اتساع دائرة الحروب وتفاقم المخاطر، في مشهد يبدو مفتوحًا على احتمالات كثيرة، كلها مقلقة.

مواضيع ذات صلة

شرق أوسط جديد بلا دور عربيّ؟

سألني صديق أحترم عمق تفكيره ورجاحة تحليلاته: ألا تعتقد أنّ الحرب الإقليميّة التي نشهدها الآن ستكون خاتمة الصراعات الإقليميّة المسلّحة في المنطقة؟ سؤال عميق يصعب…

سؤال الخليج: ما العمل؟

كان بإمكان إيران أن تلعب على وتر التعدّد الذي عُرف داخل مجلس التعاون الخليجيّ منذ قيامه عام 1981. كان بإمكانها أن تنتهز تباينات ظهرت أخيراً…

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…