برّي: هذه المرّة غير كلّ المرّات

مدة القراءة 6 د

قُضي الأمر. ربح برلمان 2022 عامين إضافيَّين، والحبل على الجرّار. فعلت الحرب ما خجلت القوى السياسيّة من فعله بتقديم الأسباب الموجبة لتأجيل الاستحقاق النيابيّ، فكان التمديد على طبق الوضع الأمنيّ والعسكريّ المتدهور، الذي يفتح الباب أمام مشاهد قاتمة وسيناريوات سوداويّة تجعل من احترام المواعيد الدستوريّة تفصيلاً هامشيّاً إذا ما تجاوزتها المسألة الوجوديّة. لبنان برمّته صار على المحكّ!

 

من تسنّت له زيارة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي خلال الساعات الماضية، خرج بانطباعات متشائمة للغاية. هذه الحرب لا تشبه أبداً ما سبقها من جولات عسكريّة انتهت باتّفاقات ربط نزاع. الظروف الدوليّة مغايرة تماماً، ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو مصمّم على استثمار هذه الظروف بقساوة استثنائيّة. سقطت الروادع التي كانت تتحكّم بروزنامة الأعمال العسكريّة، والأمور مفتوحة على مشهديّات من خارج المألوف بعدما عجز المجتمع الدوليّ ومعه السلطة اللبنانيّة عن معالجة ملفّ السلاح طوال أكثر من عام ونصف عام.

تُنذر اتّصالات الأيّام الأخيرة التي قادها الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، الوحيد من بين قادة العالم المهتمّ بمحاصرة التوسّع العسكريّ في لبنان، بأنّ الأفق مسدود. لا آذان صاغية في واشنطن، وبطبيعة الحال في إسرائيل وفي إيران، واستطراداً لدى قيادة “الحزب”. الكلمة للميدان وحده، مهما كانت الأكلاف، التي يصعب تقديرها هذه المرّة ما دام الاشتباك وجوديّاً.

تخوض إيران معركة حياة أو موت نظامها. كذلك “الحزب”. إنّها جولته الأخيرة. إمّا يجلس بعدها طرفاً إلى الطاولة، أو يضع سلاحه تسليماً على الطاولة. صار التعايش في المنطقة الرماديّة مستحيلاً. لهذا لا بحث عن تسويات وسطيّة، أشبه بمهدّئات. المطلوب حلّ جذريّ، نهائيّ. وحلول كهذه تُستبطن عادة “خارج الصندوق”.

قضي الأمر. ربح برلمان 2022 عامين إضافيَّين، والحبل على الجرّار. فعلت الحرب ما خجلت القوى السياسيّة من فعله بتقديم الأسباب الموجبة لتأجيل الاستحقاق النيابيّ

الفرصة الأخيرة

تدلّ كلّ المؤشّرات على أنّ في جيب نتنياهو “كارتاً أبيض” أميركيّاً يسمح له بفعل ما يشاء في لبنان. إنّها فرصته الأخيرة قبل أن يعيد الهدوء التامّ والمستدام إلى مستوطناته الشماليّة. فرضت إيران توحيد المسارين العسكريَّين بين طهران وبيروت، لكنّ التقديرات تشير إلى أنّ بإمكان إسرائيل الفصل. بمعنى أنّ التوصّل إلى اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ لا يُعفي نتنياهو من استكمال حربه ليتأكّد بنفسه أنّه أنهى مسألة السلاح.

من هنا، يرى زوّار برّي أنّ الذهاب إلى التمديد ليس ترفاً أو كسباً لسنتين من السلطة، بل صار ضرورة ملحّة ما دام الفراغ هو البديل. وهذه المرّة ليس فراغاً بريئاً يمكن ملؤه بمبادرات سياسيّة وببعض المسكّنات والتوليفات القانونيّة التي تشتري الوقت والشرعيّة المؤقّتة، بل يخشى أن يُحشر في عنق العدوان العسكريّ الذي تشنّه إسرائيل على لبنان ليصير باباً لفوضى دستوريّة تفجّر هيكل الدولة من أساساته.

يستعيد برّي في لقاءاته مع زوّاره حديث الموفد الأميركيّ توم بارّاك عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط و”العودة إلى بلاد الشام”، ليستدعي احتمالات تشظٍّ يُخشى أن تكون وُضعت على النار لترافق استعداد الإسرائيليّين لتوغّل برّيّ أو لتوسيع نطاق وجودهم جنوب الليطاني.

بهذا المعنى، تُفهم مخاوف برّي من مغامرات الفراغ بأنّها وجوديّة لا سلطويّة ترمي إلى كسب سنتين أو أكثر، وتتجاوز حسابات المزايدة التي تقودها الأحزاب المسيحيّة باقتراح التمديد لأربعة أو ستّة أشهر. لا بل يرى رئيس المجلس أنّ لبنان أمام مفترق مفصليّ، ما بعده يختلف كليّاً عمّا قبله. لهذا يفترض أن يكون التمديد فرصة لإعادة تكوين عقد سياسيّ جديد غير انتخابيّ.

لهذا كان اقتراح التمديد لسنتين، خصوصاً إذا صدقت المخاوف وتأكّد أنّ أثمان الحرب ستكون قاسية جدّاً، مهولة، يصعب التعافي منها بسهولة. أضف إلى ذلك رغبة المجتمع الدوليّ، التي جرى تسريب أجوائها من اجتماع سفراء “الخماسيّة” (كان مخصّصاً لمناقشة التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنيّة)، بتأجيل الانتخابات للحفاظ على حكومة نوّاف سلام ذات التوازن السياسيّ الاستثنائيّ والصعب تكراره من جديد، ولتمكين مجلس النوّاب من إنهاء السلّة التشريعيّة الإصلاحيّة، ولتعديل قانون الانتخابات بشكل يسمح باقتراع المغتربين في الخارج للنوّاب الـ128 وإنشاء الميغاسنتر.

تدلّ كلّ المؤشّرات على أنّ في جيب نتنياهو “كارتاً أبيض” أميركيّاً يسمح له بفعل ما يشاء في لبنان

تلاقي الرّغبات والمقتضيات

هكذا تلاقت رغبة المجتمع الدوليّ، وتحديداً واشنطن والرياض، مع مقتضيات الحرب، و”استماتة” مجلس النوّاب لتمديد ولايته، حتّى لو ادّعى عكس ذلك… لتأجيل الانتخابات سنتين بعدهما يخلق الله ما لا تعلمون.

تقنيّاً، سيناقش يوم غدٍ الإثنين مجلس النوّاب ثلاثة اقتراحات مقدّمة من الكتل النيابيّة، هي:

– اقتراح موقّع من 10 نوّاب من كُتل مختلفة: نعمة إفرام ومروان حمادة وميشال ضاهر وسجيع عطيّة وسيمون أبي رميا وفراس حمدان وعلي حسن خليل وبلال حشيمي وكميل شمعون ومحمّد سليمان، يقضي بالتمديد عامين كاملين، و”يفسح في المجال للتوصّل إلى قانون انتخابيّ جديد، في ظروف غير استثنائيّة، يحقّق صحّة التمثيل للجميع وفق أحكام الدستور”.

– اقتراح مقدّم من “التيّار الوطنيّ الحرّ” ينصّ على التمديد أربعة أشهر أولى، وأربعة أشهر ثانية في حال استمرار الظروف القاهرة التي تحول دون إجراء الانتخابات، وأربعة أشهر ثالثة إذا استمرّت الموانع نفسها، “وذلك بموجب قرار يتّخذه مجلس الوزراء”.

– اقتراح مُقدّم من حزب “القوّات اللبنانيّة” ينصّ على التمديد ستّة أشهر تنتهي في 21 تشرين الثاني 2026، “على أن تتمّ مباشرة الإعداد لإجراء الانتخابات النيابيّة فور انتهاء العمليّات العسكريّة وقبل انتهاء الولاية الممدّدة، وفق وضمن المهل والتواريخ الجديدة، الواجب تطبيقها والمعمول بها من نشر اللوائح الانتخابيّة ودعوة الهيئات الناخبة وتحديد مهل الترشّح وسحب الترشيحات وغيرها من الإجراءات السابقة والمتمّمة لإجراء الانتخابات في الموعد الجديد”.

 إقرأ أيضاً: واشنطن: لا وساطة ولا تدخّل بـ”بنك أهداف” إسرائيل

أكثر من سبعين نائباً

وفق المتابعين، سيتجاوز نصاب الجلسة مئة نائب، فيما اقتراح التمديد لسنتين سينال أغلبيّة مؤيِّدة من أكثر من سبعين صوتاً من مختلف الطوائف تكون فيها أكثريّة شيعيّة طبعاً، وسنّيّة، ودرزيّة، فيما الأصوات المسيحيّة ستتوزّع بين الاقتراحات الثلاثة. هذا مع العلم أنّ اقتراح “القوّات” القاضي بالتمديد لستّة أشهر غير عمليّ لأنّه يفرض إجراء الانتخابات على أبواب الشتاء، فيما الحرب قد تسفر عن نتائج كارثيّة يستحيل معها التصرّف وكأنّ شيئاً لم يكن. أمّا اقتراح “التيّار” فيقضي بالتمديد لأربعة أشهر قابلة للتمديد، لكن بقرار من مجلس الوزراء، وهو أمر لن يصوّت عليه مجلس النوّاب لأنّه يمنح الحكومة صلاحيّات ليست لها. فضلاً عن رفض الرئيس نواف سلام السابق واللاحق أن تقوم الحكومة باتخاذ قرار التمديد للمجلس النيابي.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@clairechakar

مواضيع ذات صلة

حفيد الخمينيّ أوّل المرشحين لخلافة المرشد

من سيخلف علي خامنئي على كُرسيّ الإرشاد والقيادة في إيران؟ سُؤال وتبحثُ دائر القرار عن جوابه. إذ سيُحدّد المسار الذي ستنتهجه إيران بعد تعرّضها لأقسى…

واشنطن: لا وساطة ولا تدخّل بـ”بنك أهداف” إسرائيل

تتقاطع موجة التهجير الجماعيّ غير المسبوقة في مسار الحروب مع إسرائيل، مع تسجيل الجيش الإسرائيلي مزيداً من عمليّات التوغّل البرّي وتثبيت نقاط عسكريّة جديدة توسّع…

الجيش جنوباً: بين مطرقة إسرائيل وسندان “الحزب”

أعلنَ الجيش اللبنانيّ في شهر كانون الثّاني الماضي بسط السيطرة العملانيّة على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني. لكن في الأيّام الأخيرة…

متى ستُفتح الجبهة الكرديّة على طهران؟

بين 4 و5 آذار 2026، ارتفع منسوب الحديث عن “دخول الأكراد” في المواجهة ضدّ طهران، إلى درجةٍ بدا معها كأنّ جبهة جديدة فُتحت تلقائيّاً على…