الحرب وما بعدها

مدة القراءة 4 د

لم يكن المرشد علي خامنئي رأس النظام في إيران، بل كان أساسه ومركزه.

كما لم يكن القادة السياسيون والعسكريون الذين تمّت تصفيتهم في الساعة الأولى من بدء الحرب، مجرد موظفين رفيعي المستوى، يتم تسمية من يأتون بعدهم، فجميعهم إن لم يكونوا كل النظام، فقد كانوا أهم أعمدته ورموز قوته.

من حق متابعي الصراع الإيراني مع أمريكا مثلما هو من حق من تابعوا الحرب على حماس وحزب الله أن يتساءلوا، لماذا تتم تصفيات القادة كأولوية عند الجانب الإسرائيلي دون استبعاد تبني ذلك من الجانب الأمريكي.

ثم لماذا تتمكن الآلة الحربية الاستخبارية الإسرائيلية من النيل منهم، مع أن الشهداء القادة يعرفون أنهم مستهدفون، بل إن إسرائيل وأمريكا كانتا تعلنان استهدافهم قبل فترةٍ من التنفيذ، ما يُفترض أن يوفّر مساحةً من الوقت لاتخاذ تدابير للنجاة من التصفية.

صحيحٌ أن قداسة الاستشهاد في التراث الديني والتاريخي أمرٌ يعتنقه المجاهدون الذين يؤمنون بقول الحق جلّ وعلا، بأن الشهداء أحياءٌ عند ربهم يرزقون، وصحيح كذلك أن استشهاد القادة في غمار الحرب مبعث فخرٍ واعتزاز لمن يتقدمون الصفوف في المعارك، والذي قيل فيهم بحق، الأفضل منا جميعا.

غير أن هذه الميزة المعنوية والتراثية المتعمقة في النفوس، لا تُعفي من لزوم الحيطة والحذر، ليس من أجل النجاة الشخصية كالاختباء، وإنما لما يخلّفه اغتيال القادة من أثرٍ معنويٍ على من يقاتلون تحت قيادتهم، وهم أصحاب الخبرات التي تلزم لمواصلة الحرب، وتوفير أسباب كسبها.

الذين قتلوا المرشد وكبار القادة الذين هم من أعمدة النظام ورموز قوته، يدركون وفق عقيدتهم العسكرية مغزى قتل القادة، خصوصاً إذا ما تمّ ذلك في بداية الحرب، وكما قلنا فهم لا يقتلون موظفين رفيعي المستوى، يتم تعيين خلفاء لهم في دقائق أو ساعات، بل إنهم يقتلون خبرةً مميزةً قد لا تحسم الحرب، ولكن ضررها الميداني لا يصح إنكاره أو تجاهله.

هذه الحرب التي يكاد يُجمع العالم على أنه كان بالإمكان تجنبها، تثير سؤالاً جوهرياً هو… ليس كم قتلت ودمّرت، ومن الذي قتل أكثر وإنما كيف سيعالج العالم الأذى الذي يلحق بمصالحه جرّائها؟

من السذاجة المفرطة اعتبار اغتيال المرشد ونخبة من كبار معاونيه، خطوةً حاسمةً نحو استبدال نظامٍ عمره نصف قرن، وله حاضنةٌ عقائديةٌ أتت به وتحميه، بنظامٍ مختلفٍ يوجد في ذهن ترمب وخيالاته، كما لو أنه وجبةٌ جاهزةٌ يمكن استدعائها وقتما يشاء!

لم يكن النظام الإيراني الذي نُكثر من استخدام مفردة الملالي في وصفه، نظاماً عصرياً أو نموذجياً بالمواصفات الغربية، وحتى بمواصفات كثيرٍ من نُظم الإقليم وجزءٍ وازنٍ من مكونات الشعب الإيراني، إلا أن طريقة ترمب في استبداله بفعل عمليةٍ جراحيةٍ، لابد وأن تنتج وضعاً مريراً من فراغٍ مدمر، وربما اقتتالٍ داخلي، لا يولّد نظاماً جديداً واستقراراً في بلدٍ كبيرٍ وشعبٍ تكتظّ في نسيجه اختلافاتٌ قوميةٌ وعرقيةٌ ومذهبيةٌ وثقافيةٌ وسياسية، فضلاً عمّا يحيط به من دولٍ وقوىٍ لا تستطيع عزل نفسها عن تدخلها في شؤونه كرد فعلٍ بديهيٍ على تدخله في شؤونها.

الرئيس ترمب الذي لم يجد في العالم كله توأماً له سوى بنيامين نتنياهو، يتجاهل حقيقة أن أكثر من نصف الشعب الأمريكي لا يعتبره رئيس نظامٍ ديموقراطي، ولا مؤسساتيٍ ونموذجي، تماماً مثلما يعتبر جزءٌ كبيرٌ من الإسرائيليين نتنياهو كزعيمٍ فردٍ يشكّل خطراً على الحياة الديموقراطية والقضائية، وينتظرون بفارغ الصبر سانحةً للإطاحة به، والتخلص من أنانيته وشخصنته المفرطة للسياسات والقرارات.

فهل هذان الاثنان يملكان مؤهلاً حقيقياً لتعيين نظامٍ سياسيٍ لبلدٍ بحجم إيران، وعلى شعبٍ كشعب إيران؟

إن الحفاظ على النظم وكذلك تغييرها لا يمكن أن يتم بتدخلٍ خارجي، خصوصاً وأن هذا التدخل ينتج قتلاً ودماراً لا يُنسى.

الرئيس ترمب أغلق باب الحل السياسي الذي كان متاحاً وأقل كلفةً من حله العسكري الذي نصحه عقلاء المنطقة والعالم بتجنبه، وها هو يعود ثانيةً وفي اليوم التالي للحرب للحديث عن حلٍ سياسي، قال إنه صار أسهل!… كيف؟

ترمب لا يعرف من سيفاوض أثناء الحرب أو بعد توقفها، أو لمن سيرسل إلى الرجل المجهول ويتكوف وكوشنير، ليتحدثا معه عن ريفييرا إيران بعد ريفييرا غزة، وريفييرات التدخلات الأمريكية الجراحية في كل مكان.

مواضيع ذات صلة

ترامب يخوض حرب وجود نظام إيران

بدأت الحرب. تبدو سابقة في ظروفها وتفاصيلها إذا ما قورنت بحروب سابقة. ليست مفاجئة. جرى التحضير لها منذ أشهر على نحو مباشر وشفّاف. دفع البنتاغون…

إيران… وخيار ألمانيا واليابان!

لو كانت الأمور طبيعيّة بين أميركا وإسرائيل من جهة و”الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانيّة من جهة أخرى، لما كانت الحاجة إلى حرب تستهدف اقتلاع النظام الإيرانيّ. لا…

هل قرّر ترامب تغيير النّظام في طهران؟

مع بدء “عمليّات قتاليّة كبرى” أميركيّة بالتنسيق مع إسرائيل ضدّ إيران، حاول الرئيس دونالد ترامب أن يُمسك العصا من منتصفها: يُعلن هدفاً عسكريّاً محدّداً (“إزالة…

المهمّة الدينيّة للسّفير الأميركيّ في إسرائيل

على الرغم من أنّ دستور الولايات المتّحدة الأميركيّة ينصّ على فصل الدين عن الدولة، لم يغِب دور الدين عن اتّخاذ القرار السياسيّ الأميركيّ، خاصّة عندما…