الضّفّة أوّلاً.. هناك تُدفن الدّولة الفلسطينيّة

مدة القراءة 7 د

ليست غزّة، على فداحة الكارثة الإنسانيّة التي تعيشها، المكان الذي يُحسم فيه مستقبل القضيّة الفلسطينيّة. تجري المعركة الحقيقيّة في مكان آخر: في الضفّة الغربيّة، حيث لا تُدار حرب عسكريّة فحسب، بل تُنفّذ عمليّة سياسيّة وجغرافيّة صامتة هدفها إغلاق الباب نهائيّاً أمام قيام دولة فلسطينيّة.

 

في غزّة حرب تنتهي بهدنة، وهدنة تُستأنف بعدها الحرب. أمّا في الضفّة فمسار آخر لا هدنة فيه لأنّه لا يُقدَّم بوصفه حرباً أصلاً، بل باعتباره إجراءات إداريّة وقانونيّة وتنظيميّة. لكنّ جوهره في الحقيقة هو الضمّ التدريجيّ المنهجيّ والذي وصل إلى 61 بالمئة من أراضي الضفة، وتحويل الاحتلال من وضع مؤقّت إلى سيادة دائمة.

واشنطن: قيود في غزّة… وغطاء في الضّفّة

القيود الشكليّة التي تفرضها واشنطن على العمليّات العسكريّة في غزّة، الحديث الأميركيّ عن “اليوم التالي”، خطط إعادة الإعمار، ومشاريع الاستثمار ليست سوى واجهة تخفي ما يجري في قلب فلسطين التاريخيّة. هناك، حيث تُعاد صياغة الجغرافيا والديمغرافيا والقانون معاً، بطريقة تجعل قيام دولة فلسطينيّة أمراً مستحيلاً، ليس سياسيّاً فقط، بل مادّيّاً أيضاً.

ما يجري في الضفّة ليس توسّعاً استيطانيّاً فقط، بل إعادة رسم نهائيّة للخريطة السياسيّة لفلسطين

تدّعي واشنطن شكلاً أنّها ضدّ تهجير أهل الضفّة، لكنّها تتعامى عن القضم الاستيطانيّ المنهجيّ والتفكيك المبرمج للسلطة الفلسطينيّة وإفلاسها مادّيّاً وسياسيّاً ومعنويّاً، وكأنّها بذلك تقول لنتنياهو وزمرته: افعلوا ما شئتم في قلب فلسطين التاريخيّة وعاصمتها، واتركوا لنا مشاريعنا الخاصّة ببناء “ريفييرا ترامب” على الرمال الذهبيّة للقطاع المنكوب. فمَن اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركيّة إليها، وجعل الدولة الفلسطينيّة في خاتمة مسار طويل ومعقّد ومشروط في خطّته، لا يعير اهتماماً لما يحدث من اقترافات فظيعة وزحف استيطانيّ في الخليل ونابلس ورام الله وقلقيلية وجنين وطولكرم والأغوار. ويكفي ما يدلي به سفيره مايك هاكابي في القدس من تصريحات عن إسرائيل الكبرى وحقّ اليهود في العودة إلى “وطن الأجداد في يهودا والسامرة”، بما يعكس جوهر المشروع القائم.

لولا الاطمئنان إلى حقيقة الموقف الأميركيّ، لما جرؤت حكومة المتطرّفين على إلغاء قوانين الأراضي الأردنيّة، تدمير أسس اتّفاق أوسلو وخرائطه، ضرب عرض الحائط ببروتوكول الخليل، توسيع الحدود الإداريّة لبلديّة القدس الإسرائيليّة لتصل إلى الأغوار، الاستيلاء على ما تسمّيه “أملاك الغائب” و”الأراضي الأميريّة” والمواقع التراثيّة والدينيّة، وجعل “الإدارة المدنيّة” مرجعاً بديلاً عن السلطة الفلسطينيّة في تسجيل الأراضي والعقارات.

الضّمّ الصّامت: من احتلال مؤقّت إلى سيادة دائمة

يوميّاً، تتوالى القرارات الحكوميّة الإسرائيليّة التي تسرّع وتيرة الاستيطان وتعمّق مسار الضمّ الفعليّ، الذي انطلق منذ زمن مع جدار الفصل العنصريّ الهادف إلى دمج المستوطنات وعزل القرى الفلسطينيّة بعضها عن بعض. ومن أبرز الخطوات نقل صلاحيّات أساسيّة في إدارة الاستيطان والمنطقة “ج” من الإدارة المدنيّة التابعة للجيش الإسرائيليّ إلى إدارة الاستيطان التابعة للوزير بتسلئيل سموتريتش. وبذلك انتزع سموتريتش إدارة الشؤون المدنيّة من الجيش، ناقلاً السيطرة من صفة مؤقّتة إلى صفة دائمة، ومنهياً عمليّاً مرحلة الإدارة العسكريّة الخالصة الممتدّة منذ عام 1967. وقد سرّعت هذه الخطوة التوسّع الاستيطانيّ، وأضعفت تطبيق قوانين البناء على المستوطنين، فيما تصاعدت عمليّات هدم منازل الفلسطينيّين.

ترافق ذلك مع فتح بازار تملُّك الأراضي للإسرائيليّين في الضفّة، عبر رفع القيود عن بيع أملاك فلسطينيّة لهم، ونقل صلاحيّات التخطيط في مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيميّ وبيت لحم إلى إسرائيل، في تغيير واضح للواقع القانونيّ والمدنيّ في الأراضي المحتلّة.

سيكون وجود ملكيّات خاصّة إسرائيليّة ذريعةً للمطالبة بحماية أمنيّة من الجيش أو تسليح المستوطنين، مع ما يستتبعه ذلك من مصادرة أراضٍ إضافيّة لبناء ثكنات

لتسهيل تملُّك الأراضي، ألغى الاحتلال تشريعات تعود للعهد الأردنيّ كانت تحظر بيع الأراضي لغير العرب وتفرض السريّة على سجلّات الملكيّة. ومع إلغاء هذه القوانين، أصبحت أسماء المالكين متاحة، وهو ما مكّن الإسرائيليّين من تحديد أصحاب الأراضي والتواصل معهم مباشرة أو استهدافهم بذريعة السفر أو الاعتقال.

بطبيعة الحال، سيكون وجود ملكيّات خاصّة إسرائيليّة ذريعةً للمطالبة بحماية أمنيّة من الجيش أو تسليح المستوطنين، مع ما يستتبعه ذلك من مصادرة أراضٍ إضافيّة لبناء ثكنات وفتح طرق التفافيّة وممرّات خاصّة.

تأتي هذه الإجراءات بعد خنق اقتصاديّ وماليّ للفلسطينيّين يفتح الباب أمام المستوطنين والأثرياء لشراء الأراضي مباشرة أو عبر وسطاء، ويساهم في تفريغها من سكّانها وتسهيل الاستيلاء عليها وتقليل الكلفة السياسيّة والقانونيّة للمصادرة المباشرة.

في مدينة الخليل، نُقلت صلاحيّات الترخيص والبناء من البلديّة الفلسطينيّة إلى الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة، التي ستتولّى أيضاً الخدمات البلديّة، فيما تقرّر إنشاء كيان بلديّ مستقلّ للتجمّع اليهوديّ لتعزيز الفصل المؤسّسيّ والقانونيّ.

في مقابل هذه التسهيلات، يُتوقّع رفض طلبات البناء الفلسطينيّة وهدم أيّ منشآت جديدة، واستخدام الخدمات وسيلة ضغط لجعل الواقع الفلسطينيّ غير قابل للحياة، على أن تكون الخليل نموذجاً لتطبيق مماثل في القدس.

ثمّة تقصير فلسطينيّ واضح، ولا سيما من السلطة الفلسطينيّة التي بات هاجسها الأساسيّ البقاء والمحافظة على امتيازاتها

“ثورة الاستيطان” واستثمار ولاية ترامب

تسعى هذه الخطوات إلى “حسم” الصراع على الضفّة عبر ما يسمّيه سموتريتش “ثورة الاستيطان”، الذي يشكّل دفناً عمليّاً لفكرة الدولة الفلسطينيّة التي حظيت باعترافات مهمّة في الأمم المتّحدة بعد “طوفان الأقصى”. ولا يهدّد ضمّ الضفّة الفلسطينيّين وحدهم، بل يهدّد أيضاً استقرار الأردن، سواء عبر التهجير أو عبر تمدّد السيطرة الإسرائيليّة نحو نهر الأردن.

ما يجري في الضفّة ليس توسّعاً استيطانيّاً فقط، بل إعادة رسم نهائيّة للخريطة السياسيّة لفلسطين

يمكن استشراف مستقبل الضفّة من خلال تصريحات الوزير نفسه، الذي دعا إلى استثمار ما بقيذ من ولاية ترامب لإسقاط فكرة الدولة الفلسطينيّة وإلغاء اتّفاق أوسلو، والانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه عبر توسيع الاستيطان وترسيخ السيطرة الدائمة.

في الواقع، لا يقتصر هدف إحباط إقامة الدولة الفلسطينيّة على اليمين الإسرائيليّ، بل يشكّل قاسماً مشتركاً بين معظم التيّارات السياسيّة الإسرائيليّة، التي سعت بطرق مختلفة إلى فصل غزّة عن الضفّة باعتباره شرطاً ضروريّاً لإفشال قيام الدولة.

إقرأ أيضاً: قراءة في مسودة الدستور الفلسطيني:غياب المرجعيّة السياسيّة والشرعية

في المقابل، ثمّة تقصير فلسطينيّ واضح، ولا سيما من السلطة الفلسطينيّة التي بات هاجسها الأساسيّ البقاء والمحافظة على امتيازاتها، وتقصير مماثل في الأردن الذي يواجه تهديدات مباشرة تمسّ سيادته واستقراره. طبعاً لا تُستثنى من ذلك جامعة الدول العربيّة ومنظّمة المؤتمر الإسلاميّ والأمم المتّحدة التي يُفترض أنّها خطّ الدفاع الأوّل عن المواثيق الدوليّة.

ما يجري في الضفّة ليس توسّعاً استيطانيّاً فقط، بل إعادة رسم نهائيّة للخريطة السياسيّة لفلسطين. وعندما يكتمل هذا المسار، لن تكون الدولة الفلسطينيّة قد فشلت، بل ستكون قد أُلغيت عمداً. عندئذٍ لن يكون السؤال لماذا فشلت، بل كيف سُمح بإلغائها أمام أعين العالم.

مواضيع ذات صلة

في جنيف “إبداع” بالتنازلات وفي بيروت ضياع بالانتخابات

تفرض الأجواء المشدودة بين أميركا وإيران نفسها على الاستحقاقات اللبنانيّة، مثلما هي الحال في سائر دول المنطقة. ما يعتبره دبلوماسيّون غربيّون “لامبالاة” أميركيّة حيال دور…

التموضع بديل الانتشار: تركيا تُعيد ترتيب أوراقها في سوريا؟

قلّصت تركيا عديد قوّاتها في سوريا من خمسة ألوية إلى ثلاثة خلال الأشهر الأخيرة، في خطوة لم تُعلن رسميّاً، لكنّها تعكس انتقالاً مدروساً من مرحلة…

وليد جنبلاط يخوض المعركة القاتلة

بينما ينهمك اللبنانيون باليوميات التي يُعاد تدويرها، يتفرد وليد جنبلاط في قراءة مشهد إقليمي متسارع الوتيرة، وقد شد رحاله نحو الارتصاف في الجانب المشرق من…

طهران تروي عطش ترامب: سرّ حبّة المِسك الاقتصادية

في يوم ربيعيّ من شهر أيّار من عام 2003، وبينما كانت واشنطن تعيش نشوة إسقاط بغداد، وصل إلى فاكس السفير السويسريّ لدى إيران، تيم غولديمان،…