بينما ينهمك اللبنانيون باليوميات التي يُعاد تدويرها، يتفرد وليد جنبلاط في قراءة مشهد إقليمي متسارع الوتيرة، وقد شد رحاله نحو الارتصاف في الجانب المشرق من التاريخ، ليس باعتباره زعيمًا درزيًا عزّ نظيره، بل شخصية سياسية معتبرة، حاله العروبي في ذلك حال صناع القرار الذين ينسجون تحالفًا استراتيجيًا متماسكًا، يمتد من أنقرة إلى الرياض، مرورًا بالقاهرة وإسلام آباد.
وليد جنبلاط يخوض المعركة القاتلة. هو يدرك تمامًا أن الأمور باتت في عنق الزجاجة. وقد عبّر عنها بنيامين نتنياهو بكل صلافة وكل وضوح: نواجه المحور الشيعي المنهار، والمحور السني المتشكل، ونحن محور أيضًا، يمتد من تل أبيب إلى نيودلهي، وبينهما دول وجماعات وكيانات وانفصاليون.
محور عربي واقليمي تتقدمه دول وازنة، في مواجهة محور إسرائيلي يصل إلى الهند، مرورًا باليونان وقبرص وإمارات عربية صغيرة. وهنا تمامًا يحضر الدور التاريخي الكبير الذي يتصدره وليد جنبلاط بشجاعة منقطعة النظير، إن لجهة الإصرار على التمسك بهوية الدروز العربية والإسلامية، أو لجهة الرفض المطلق لكل مشاريع التقسيم والتفتيت والأسرلة.
تداعيات مدمرة
محورية هذا الدور لا تقل عن خطورته، لأن وليد جنبلاط لا يقف في مواجهة موفق طريف أو حكمت الهجري وحسب، بل في وجه بنيامين نتنياهو وذراعه الضاربة في اليمين الإسرائيلي المتطرف، أي في مواجهة الدولة الإسرائيلية العميقة. وفي مواجهة إسرائيل الكبرى. التي لن تتوانى عن شطبه، وقد هددته بالفعل، عبر رسائل مباشرة او مواربة وصلته بالتواتر.
بينما ينهمك اللبنانيون باليوميات التي يُعاد تدويرها، يتفرد وليد جنبلاط في قراءة مشهد إقليمي متسارع الوتيرة، وقد شد رحاله نحو الارتصاف في الجانب المشرق من التاريخ
لكل ذلك وأكثر، تكتسب مواقفه في القضية الدرزية بعدًا استراتيجيًا يتخطى اليوميات والصغائر. فهو يسعى بالحكمة والحنكة، وبالتصويب والتراكم، إلى تثبيت وترسيخ معادلة قوامها أن دروز سوريا هم مواطنون سوريون أولاً، وأن هويتهم العربية والإسلامية تشكل ضمانة اندماجهم الطبيعي في محيطهم، لا سيما في ظل التحولات العميقة التي تعصف بالمنطقة برمتها، لأن هذا هو خيارهم الوحيد لاستقرار طويل الأمد، بعيدًا من أي مغامرات مجنونة ستحمل في طياتها قطعًا تداعيات هائلة ومدمرة على سوريا وعلى لبنان، وعلى العرب عمومًا، وعلى الدروز أنفسهم.
يقول وليد جنبلاط بكل وضوح إن كل التجارب التاريخية خلصت إلى أن الجماعات الصغيرة تكون أكثر أمنًا عندما تكون جزءًا من مشروع وطني جامع، لا عندما تُدفع إلى زوايا جغرافية أو سياسية ضيقة. ولذلك فإن الزجّ بدروز سوريا في صراع محاور، أو تقديمهم كأداة في مشروع إقليمي مناهض لمحيطهم العربي، سيجعلهم حتمًا في موقع الارتطام والتصادم، والرهان على الحماية الإسرائيلية الظرفية قد يبدو مغريًا في لحظة اضطراب، لكنه سيقوّض كل شيء في نهاية المطاف.
إقرأ أيضاً: يا حامل المطرقة: لا تسمح للشيعة بالانتحار
في عين العاصفة
هو كباش محتدم يسعى كل طرف لحسمه. قلة قليلة من دروز جبل العرب بجانب إسرائيل. في موازاة كثرة كاثرة من الدروز الأقحاح. معركة بالغة الخطورة. يخوضها وليد جنبلاط عند حافة الهاوية بصلابة وإقدام، تمامًا كما لو أنها آخر معاركه. يدرك أنه في واحدة من أدق مراحله السياسية والشخصية على الإطلاق، وأنه قد يكون مُعرّضاً لاغتيال موصوف، لكنه يُدرك أيضًا، كما تُدرك إسرائيل، أن ثمن دمه الثقيل سيصب حتمًا في غير صالحهم، وسيشكل الشرارة لأفول مشروعهم التاريخي في إقامة دولة درزية، تكون بمثابة درة التاج في مشروع الحلف الأقلوي العابر للحدود والخرائط.
وليد جنبلاط لا يتعب من المعارك. يقف الآن في عين العاصفة وهو في شتاء العمر. وقد ظل يُردد على الدوام أن أعمدة المختارة لا يقضون عادة في فراشهم، ولا يتجاوزون الستين، فالموت في الحالتين سيّان، وإذا لم يكن منه بدٌ، فليكن وعلى كتفيه كوفية فلسطين العربية!
لمتابعة الكاتب على X:
