السّراي عن التّعديل الوزاريّ: “بعد بكّير”

مدة القراءة 6 د

لم يسبق أن تلاقت الإرادتان الخارجيّة والداخليّة، بهذا الوضوح، على تأجيل الانتخابات النيابيّة. المفارقة أنّ “الخارج” كان أكثر تقدّماً في التعبير عن هذا المسار من مرجعيّات الداخل التي فضّلت تقاذف كرة التأجيل فيما بينها. آخر الكلام الذي يُقال في الكواليس محاولة إيجاد التخريجة الملائمة للتمديد: في مجلس النوّاب أو الحكومة. لكنّ الأمر اللافت أكثر تسريب معطيات عن حصول تعديل وزاري محتمل!

 

 

تختلف منطلقات الرغبة “الصامتة” بالتمديد لدى القوى السياسيّة، لكنّ النتيجة واحدة: التمديد يريح كثيرين، وسيزعج قلّة قليلة لن تستطيع التأثير في مجرى الأحداث. رئيس الجمهوريّة جوزف عون من ضمن هذه القلّة لسببين أساسيَّين:

– صورة عهده “بالدق”، فهو أوّل استحقاق نيابيّ يحين أوانه في ثاني أعوام الولاية، والثاني ضمن الاستحقاقات الدستوريّة بعد الانتخابات البلديّة في أيّار العام الفائت.

– أيّ كتلة نيابيّة موالية للعهد قد تنشأ بفعل الاستحقاق النيابيّ، توقيتها المثاليّ هو في أوّل أو ثاني أعوام العهد، بفعل زخم انطلاقة هذا العهد، لكنّ أيّ تأجيل محتمل لعام أو عامين سيدفع كثيرين لإعادة حساباتهم السياسيّة، والاستثمار في العهد الآتي، سيّما أنّ أداء الحكومة، حتّى الآن، ساهم في تراجع نسبة مؤيّدي العهد، ووضع حكومة نوّاف سلام في قفص الاتّهام بـ “تقمّص” أدوار الحكومات السابقة غير المنتجة، ثمّ أتت موازنة 2026 لتصبّ الزيت على نار الغضب الشعبيّ عليها.

لم يسبق أن تلاقت الإرادتان الخارجيّة والداخليّة، بهذا الوضوح، على تأجيل الانتخابات النيابيّة. المفارقة أنّ “الخارج” كان أكثر تقدّماً في التعبير عن هذا المسار من مرجعيّات الداخل

ميني حرب

عمليّاً، تحوّل ملفّ الانتخابات إلى “ميني” حرب داخليّة توازي بضجيجها الحرب الأميركيّة المحتملة على إيران. أصلاً ثمّة خيط رفيع يربط بين الاستحقاقين، وهو التأثير المباشر والكبير لهذه الضربة المحتملة على حسم عدم إجراء الانتخابات، والتداعيات السياسيّة التي يمكن أن تنتج عنها، وتحديداً على “الحزب”، في أيّ انتخابات مقبلة.

سُرّبت معطيات في الأيّام الماضية عن طلب الرئيس برّي من الحكومة، في حال استبعاد خيار الانتخابات، التقدّم بمشروع قانون بهذا الصدد، إضافة إلى تسريبات عن احتمال إجراء تعديل وزاريّ محدود، في ظلّ “التمديد” الطبيعيّ للحكومة بحكم عدم حصول الانتخابات. هنا يمكن سرد المعطيات الآتية:

– تقول أوساط وزاريّة لـ “أساس” إنّ مبادرة الحكومة، التي قامت بكلّ المطلوب منها لإجراء الانتخابات من خلال وزارة الداخليّة، إلى إرسال مشروع قانون لتأجيل الانتخابات ليست منطقيّة، ولن تُقدم على ذلك. أمّا لناحية مسؤوليّة الحكومة عن إقرار المراسيم التطبيقيّة فاعتبرت أنّ هذا الأمر من صلاحيّات مجلس النوّاب.

يُذكر هنا أنّ الحكومة تمنّعت عن القيام بواجب إصدارها المراسيم التطبيقيّة للمقاعد الستّة في الخارج، لكنّها طلبت في الوقت نفسه من وزارتَي الداخليّة والخارجيّة إيجاد الإطار التطبيقيّ للدائرة الـ16. وقد قامت وزارة الداخليّة بواجبها إزاء ذلك، لكنّ وزير الخارجيّة يوسف رجّي تمنّع عن توقيع التقرير، وهو اليوم محطّ ملاحقة قانونيّة من قبل التيّار الوطنيّ الحرّ.

– تؤكّد المعلومات أنّ مصير الانتخابات النيابيّة لا يزال حتّى اللحظة مجهولاً يراوح بين إجراء الانتخابات أو التأجيل. لكنّ المؤكّد أنّ أيّ تمديد لن يصدر عن الحكومة، بل عن مجلس النوّاب، و”نواته” جاهزة من خلال اقتراح القانون الذي تقدّم به النائب أديب عبدالمسيح، مع احتمال تعديله لعامين. وبالتالي يرفض برّي رفضاً قاطعاً أن يتقدّم نوّاب الثنائيّ الشيعيّ بهذا الاقتراح، معتبراً أنّ مقدّمي الاقتراح ومؤيّديه يجب أن يعكسوا التركيبة السياسيّة ضمن الحكومة.

في الوقت نفسه، بدا لافتاً جدّاً وغير معهود في لقاءات رئيس مجلس النوّاب مع ضيوفه لجوء الأخير إلى سياسة الأوراق المكشوفة، عبر التأكيد أنّ “سفراء في الخماسيّة يُحبّذون تأجيلها”. وهو الموقف الذي لم يلقَ أيّ ردّ فعل في الإعلام من أيّ سفارة من ضمن “الخماسيّة”، ولا من فريق “السياديّين” على الرغم ممّا يحمله من تدخّل خارجيّ في مسار الانتخابات.

أوساط وزاريّة لـ “أساس”: مبادرة الحكومة، التي قامت بكلّ المطلوب منها لإجراء الانتخابات من خلال وزارة الداخليّة، إلى إرسال مشروع قانون لتأجيل الانتخابات ليست منطقيّة، ولن تُقدم على ذلك

– في حال رَست التسوية على التمديد لمجلس النوّاب، فهل يمكن أن يحصل تعديل وزاريّ محدود على حكومة نوّاف سلام؟

تقول أوساط السراي: “بعد بكّير”، لكنّ الأمر يُطرح في الكواليس الضيّقة، ويكتسب حتّى الآن الكثير من الجدّيّة، في ظلّ رفض قوّاتيّ وكتائبيّ لأيّ تعديل يطال وزراءهم في الحكومة. في المقابل، تتقاطع معلومات مع رغبة خارجيّة بأن يبقى نوّاف سلام على رأسها في حال حصلت الانتخابات، وأن تخضع أيضاً لتعديلات محدودة، من دون الدخول في معمعة الأسماء، سيّما إذا أتت نتائج الانتخابات مشابهة للتوازنات الحاليّة، مع التسليم بأنّ كتلة التغييريّين ستكون أقلّ بكثير.

– المهل المتعلّقة بالانتخابات النيابيّة تُحرِج الجميع وأولاها إقفال باب الترشيح منتصف ليل 10 آذار، أي بعد أقلّ من أسبوعين، علماً أنّ عدد المرشّحين لهذه الدورة، مقارنة بالمدّة الزمنيّة التي مرّت على فتح باب الترشيح، هو الأقلّ تاريخيّاً منذ انتخابات عام 1992.

طعن الشّورى

– تتّجه الأنظار في الأيّام المقبلة إلى مجلس شورى الدولة الذي سيبتّ طلب ترشيح عبّاس فوّاز الذي اعترض نهاية الأسبوع الفائت على رفض وزارة الداخليّة قبول ترشيحه، وقد يشكّل قراره خارطة طريق ستعتمَد إمّا للتأجيل أو للسير في الانتخابات.

– لم يُقفل البابَ تماماً أمام “مشروع التمديد” موقف نائب “الحزب” حسن فضل الله الذي أعلن “التمسّك بإجراء الانتخابات في موعدها في مقابل محاولة فرض التمديد لحسابات خارجيّة”، وأنّه سيأتي “على حساب المواعيد الدستوريّة، صدقيّة العهد، والبيان الوزاريّ للحكومة”.

إقرأ أيضاً: “القوّات” تُغامِر: كتلة الـ19 ستَكبر

تفيد المعلومات في هذا السياق: “هناك حتميّتان في ما يخصّ “الحزب”. لا مشاركة عسكريّة في أيّ حرب إسناد إذا حصلت الضربة الأميركيّة ضدّ إيران، ولا رفض مطلقاً للتمديد، بل بشروط، وهو ما أشار إليه فضل الله أمس من خلال الحديث عن “تشاور دائم مع حركة أمل بملفّ الانتخابات لما فيه مصلحة البلد”. أمّا مصلحة الثنائيّ، مع فوارق بسيطة  بينهما، فتتحدّث عن “انتخابات الآن، أو بعد عامين على أقلّ تقدير”.

وفي الانتظار تنعقد لجنة الميكانيزم اليوم بشقها العسكري.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

الموقوفون الإسلاميّون: تسوية غير ناضجة؟

هل تُحلّ قضيّة الإسلاميّين المحكومين والموقوفين في السّجون اللبنانيّة؟ وما هي الطروحات التي تُبحَث في هذا الإطار؟   لم تكن التحرّكات التي شهدها لبنان مساء…

الجيش بين نارين: ضغط إسرائيليّ وتفاوض مباشر مرفوض..

عشيّة الاجتماع التحضيريّ لمؤتمر دعم الجيش في القاهرة، وفي وقت يبدو فيه مؤتمر باريس أقرب إلى محطّة رمزيّة منه إلى نقطة تحوّل فعليّة، يقف الجيش…

إسرائيل وأميركا: من الشراكة إلى تضارب المصالح؟

على الرغم من كلّ ما يُقال عن تجذّر علاقات التحالف بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل، وبلوغه مستوى غير مسبوق في عهد الرئيس الحاليّ دونالد ترامب،…

الأزمة الماليّة: الفلسطينيّون ينتظرون حلول السماء

تجلس السلطة الفلسطينيّة على حافة الانتظار تترقّب “حلول السماء” بعدما “انتهت حلول الأرض”، كما قال وزير الماليّة الفلسطينيّ أسطيفان سلامة خلال مؤتمر صحافيّ في رام…