لبنان في الاتّجاه العربيّ المعاكس

مدة القراءة 6 د

هوّة كبيرة تفصل بين لبنان ومحيطه العربيّ والمجتمع الدوليّ. إنكار الواقع صعب وتجاهله أصعب، والأثمان باهظة في الحالتين. تبدّلت وظائف حروب الجنوب منذ نصف قرن إلى اليوم، ومحور ايران في صدام مع العالم، بينما لبنان في وجهة معاكسة عنوانها المجهول.

 

بعد نشوء الدولة في لبنان جاء الاستقلال المتلازم مع الميثاق الوطنيّ في 1943 ليضع حدّاً للانتداب. حرب 1948 خاضتها جيوش أربع دول عربيّة، ومنها لبنان، ولم تترك تداعيات سلبيّة مباشرة في الداخل، حيث أخذ الصراع على السلطة مداه إثر تمديد ولاية الرئيس بشارة الخوري بعد انتخابات معلّبة في 1947. ازداد التباعد في طبيعة النظامَين السياسيّ والاقتصاديّ بين لبنان وسوريا. في المقابل، انقلابات عسكريّة في سوريا والعراق ومصر رفعت لواء الثورة أو التحرير.

تبدّلت وظائف حروب الجنوب منذ نصف قرن إلى اليوم، ومحور ايران في صدام مع العالم، بينما لبنان في وجهة معاكسة عنوانها المجهول

أزمات عربيّة بالجملة

شهد النظام الإقليميّ تبدّلات جذريّة في الخمسينيّات جرّاء الحرب الباردة والمدّ الناصريّ وحلف بغداد وحرب السويس. أزمات بالجملة داخل الدول وفيما بينها:

– في لبنان أزمة 1958 بأبعاد داخليّة وخارجيّة بين الرئيس كميل شمعون والمعارضة المجيّشة.

– في سوريا أزمة متفاقمة انتهت بإعلان الوحدة مع مصر وحسم الصراع بين حزب البعث ومناوئيه، لا سيما الحزب الشيوعيّ المناهض للوحدة.

– في العراق انقلاب عسكريّ قضى على النظام الهاشميّ وأبرز أركانه.

– في الأردن مواجهة حادّة بين الملك حسين ورئيس الحكومة.

– في مصر أسقط “الضبّاط الأحرار” النظام الملكيّ وسرعان ما برز القائد الفعليّ جمال عبدالناصر حاملاً راية الثورة والوحدة.

لم يكن الفارق بين لبنان والمحيط العربيّ حدوث أزمة في تلك المرحلة المضطربة بل سبل حلّها وتداعياتها. انتهت أزمة 1958 في لبنان بتسوية مصريّة – أميركيّة أدّت إلى انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهوريّة، بينما دخلت دول المنطقة في صراعات مكلفة.

في الستّينيّات نشبت حروب باردة بين العراق وسوريا، وبين الاثنين وعبدالناصر، وحرب ساخنة في اليمن بين مصر والسعوديّة. جاءت هزيمة 1967 لتضع حدّاً لهذه النزاعات ولتقلب المعادلات رأساً على عقب، فنشأ صدام أوّل في الأردن مع المنظّمات الفلسطينيّة المسلّحة حسمه الملك الهاشميّ لمصلحته، وصدام آخر في لبنان حوّل البلاد منطلقاً للكفاح المسلّح الذي حظرته السلطة في مصر وسوريا.

هوّة كبيرة تفصل بين لبنان ومحيطه العربيّ والمجتمع الدوليّ. إنكار الواقع صعب وتجاهله أصعب، والأثمان باهظة في الحالتين

لبنان ساحة حروب

بعد حرب 1973 بات لبنان، وتحديداً جنوبه، ساحة حرب وحيدة للنزاع العربيّ – الإسرائيليّ، وإلى جانبها بعد 1975 ساحة أخرى لحروب الميليشيات المحليّة تداخلت فيها أجندات جهات خارجيّة. وقع الصدام العسكريّ في 1976 بين سوريا ومنظّمة التحرير مدعومة من العراق وليبيا. ثمّ جاء الاجتياح الإسرائيليّ الأوّل في 1978، وتلاه في 1982 الاجتياح الثاني الأكثر عنفاً وتوسّعاً، فزادت الانقسامات الداخليّة وبين أطراف الخارج. إلى هذه النزاعات، دخلت ثورة إيران الإسلاميّة الساحة مطلع الثمانينيّات وتمّ إنشاء “الحزب”.

تجدّد الصدام بين حافظ الأسد وياسر عرفات في “حرب المخيّمات” منتصف الثمانينيّات، وتواصلت مواجهة الاحتلال في الجنوب على أيدي أطراف لبنانيّة. استعادت سوريا نفوذها في بعض مناطق لبنان بعد اشتداد المواجهات الداخليّة وأخذت مداها بعد الحرب المفتوحة في الوسط المسيحيّ. انتهت حروب لبنان الساحة وأُقرّ اتّفاق الطائف بدعم عربيّ ودوليّ ونُفّذ انتقائيّاً وفق الإرادة السوريّة، بينما تواصلت حرب الجنوب وانحصرت المواجهات مع إسرائيل بـ”الحزب”.

في المقابل، انطلقت المفاوضات العربيّة – الإسرائيليّة مطلع التسعينيّات بدعم أميركيّ. لكن عندما أصبحت جدّيّة، وتحديداً بعد 1993، انسحب لبنان. أعاد اتّفاق أوسلو ياسر عرفات إلى فلسطين، ووقّع الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل. كادت سوريا، بعد إنجاز الترتيبات في الجولان، أن توقّع معاهدة سلام لولا التعنّت الإسرائيليّ. في المقابل، احتدمت المواجهات في لبنان، وجاء تفاهم نيسان 1996 برعاية إقليميّة ودوليّة لينظّم الحرب بين “الحزب” وإسرائيل بشرط تحييد الأهداف المدنيّة.

بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000 جرّاء ضربات “الحزب”، تبدّلت القواعد والحسابات. مزارع شبعا المحتلّة، المتنازَع على هويّتها الوطنيّة بين لبنان وسوريا والأمم المتّحدة وإسرائيل، لم تكن هدفاً للتحرير، مثلما كانت حرب 2006 لتحرير الأسرى. ثمّ انخرط “الحزب” في الحرب السوريّة إلى حين نشوب “طوفان الأقصى” وحرب إسناد غزّة من لبنان وتطبيق وحدة الساحات، فكانت فرصة استغلّتها إسرائيل للتمادي في القتل في غزّة ولبنان.

 إقرأ أيضاً: المحور السنّي يقلق إسرائيل

لبنان في الاتّجاه المعاكس

يسير لبنان حاليّاً في الاتّجاه المعاكس لقضايا المحيط العربيّ وطروحاته. قبل حرب 1967 حلّت الوحدة والثورة في صدارة الاهتمامات العربيّة، وجاء بعدها الكفاح المسلّح للتحرير. لكنّ المطروح اليوم إزالة إسرائيل وليس تحرير فلسطين، والانخراط في محور تقوده إيران.

المفارقة أنّه لم تعُد لأوضاع لبنان صلة وصل مجدية مع المحيط العربي، لا سيما بعد سقوط نظام الأسد في سوريا. من المنظار العربيّ والدوليّ والإسرائيليّ، حرب لبنان الآن باتت امتداداً للحرب مع إيران، وإن تفاوضت مع الأعداء خدمة لمصالحها.

انتهت حروب الداخل في لبنان عام 1990. أنجزت حرب الجنوب غايتها بالتحرير عام 2000. فلسطين المنقسمة في مدار يخصّها أنتج أخيراً الاتّفاق بين “حماس” وإسرائيل. لم يكن الجنوب محتلّاً زمن اتّفاق القاهرة في 1969 ولم يكن تحت القبضة الإسرائيليّة قبل حرب الإسناد. الإسناد المجدي لفلسطين في المرحلة الراهنة طريقه الإجماع العربيّ وليس الجنوب المنكوب.

هوة كبيرة تفصل بين لبنان ومحيطه العربي والمجتمع الدولي. انكار الواقع صعب وتجاهله أصعب، والأثمان باهظة في الحالتين. وظائف حروب الجنوب تبدلت منذ نصف قرن إلى اليوم ومحور ايران في صدام مع العالم، بينما لبنان في وجهة معاكسة عنوانها المجهول.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…