وحدة “العبر الاستراتيجية” بين “الحزب” و”الحركة”

مدة القراءة 7 د

استراتيجية واحدة في لبنان كما في غزّة، بما يوحي أن لا انفكاك بينهما، وهي “المماطلة والانتظار”، لعلّ الفرج يأتي في قابل الأيّام أو الأشهر. وفي الأثناء، ينفّذ “الحزب” كما “حماس” المرحلة الأولى من وقف الحرب، ويجادل في مجريات اليوم التالي. ويتلقّى كلا الطرفين الضربات الإسرائيليّة الاستباقيّة تباعاً، مع عدم القدرة على تحمّل عواقب الردّ الحقيقيّ على الانتهاكات الإسرائيليّة. وبهذا ينقلب المشهد من “توازن الرعب والردع” إلى رعبٍ وردعٍ من طرف واحد، و”صبرٍ استراتيجيّ” من الطرف الآخر.

 

 

بدا أنّ “الحزب” انفكّ عن مسار الحرب في غزّة، عندما قبِل بوقف إطلاق النار مع إسرائيل في 27 تشرين الثاني من العام الماضي. وطُرح التساؤل نفسه، ولو مواربة، عندما قبِلت حركة حماس في 3 تشرين الأوّل الماضي بخطّة ترامب لوقف الحرب، التي تنطوي على إطلاق سراح كلّ الأسرى الإسرائيليّين أحياءً وأمواتاً، وهي المرحلة الأولى منها على الأقلّ، مع التحفّظ على المراحل التالية المُفضية إلى تجريد الحركة من السلاح ومن الحكم. وقيل يومذاك: تخلّت “حماس” عن “الحزب”، إذ إنّ ما يجري في الساحة الأولى يؤثّر في الثانية، وبالعكس.

استراتيجية واحدة في لبنان كما في غزّة، بما يوحي أن لا انفكاك بينهما، وهي “المماطلة والانتظار”، لعلّ الفرج يأتي في قابل الأيّام أو الأشهر

لكن بعد صدور البيان الأخير لـ”الحزب”، أو الكتاب المفتوح، الذي يُعيد صياغة سرديّة مختلفة بشأن كلّ شيء بعد طول غموض، حول نظرته إلى وقف إطلاق النار مع إسرائيل ومعناه، أو تأويله بمعنى تحديد نطاقه الجغرافيّ في جنوب نهر الليطاني حصراً، ربطاً بالقرار 1701 وطريقة تطبيقه عام 2006، واتّهام الحكومة بالخطيئة والتسرّع بسبب قرارها حصر السلاح بيد الدولة، والإصرار على مبدأ المقاومة استناداً إلى حقّ الدفاع المشروع الذي أقرّ به أيضاً إعلان وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وباعتبار أنّ الشيعة هم من مؤسّسي الكيان اللبناني، وهي لفتة جديدة غير مسبوقة، عندما يصبح ذلك مبرّراً لحمل السلاح خارج الدولة للدفاع عن الدولة، وبالعكس من إرادتها أيضاً.

الأبرز من ذلك كلّه، رفض تفاوض لبنان مع إسرائيل في هذه الظروف الميدانيّة المعلوم اختلالها لمصلحة العدوّ، مع إعادة ربط النزاع بقضيّة فلسطين، وهنا النقطة الجوهريّة، أي أنّ “الحزب” يرفض التفاوض أيضاً لأنّه يعني في أحد أبعاده التفريط بفلسطين، بل لأنّه يفصل القضيّة الفلسطينيّة عن لبنان بشكلٍ رسميّ.

المشهد نفسه في لبنان وغزّة

من اللافت في السياق نفسه ما أشار إليه تحليل منشور في 6 الشهر الجاري بموقع “تايمز أوف إسرائيل”، تحت عنوان: Hamas is afraid Gaza will become Lebanon So is Israel، من ارتباطٍ معنويّ ما يزال قائماً بين الجبهتين، فما يحدث في الأولى ينتقل بالعدوى إلى الثانية. فكاتب المقال يلفت إلى خشيةٍ مزدوجة لدى إسرائيل وحركة حماس على حدّ سواء، من أن يتحوّل الوضع في غزّة بعد وقف إطلاق النار إلى ما يشبه الوضع في لبنان بعد وقف الحرب، بمعنى خشية “حماس” من تمتّع الجيش الإسرائيليّ بحرّية الحركة في القطاع حتّى لو التزمت “حماس” بنود الخطّة، فتغتال إسرائيل قادة الحركة وكوادرها كلّما سنحت لها الفرصة بذريعة أنّ “حماس” تحاول ترميم قوّتها في القطاع وتعزيز بنيتها التنظيميّة، مع أنّ خطّة ترامب تهدف إلى تجريد “حماس” من كلّ شيء، من القدرة العسكريّة ومن أيّ دور في الحكم أو الإدارة أو السياسة.

هذه الخشية مبرّرة، إذ إنّ حكومة نتنياهو التي فاجأها ترامب بهجومه الشامل لإجبارها على وقف الحرب، تحاول حشر شروطها الخاصّة في الجانب التنفيذي من خطّة ترامب، ومن أبرزها الاحتفاظ بحرّية الحركة في القطاع حتّى بعد انتشار القوّة الدوليّة هناك. وهذا ما يزيد تعقيد المشهد إلى حدّ كبير، ويعرقل تطبيق الخطّة، كالذي يجري تماماً في لبنان منذ وقف إطلاق النار وانتشار وحدات الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني مع قوّة “اليونيفيل”.

فالحرب لم تتوقّف في لبنان، بل أصبحت بوتيرة منخفضة، وبما يهدّد الاستقرار، ويشي بعودة الحرب الكاملة في أيّ لحظة، ما إن ينتقل “الحزب” من السكوت إلى الردّ على الانتهاكات ولو برصاصة واحدة، في حين أنّه لا كلام صريحاً (لا من إسرائيل ولا الولايات المتّحدة) عن منع “الحزب” من القيام بدورٍ سياسيّ أو تنظيميّ في لبنان، أو السعي إلى التفكيك الكامل لبنيته المدنيّة ومنعه من ممارسة السياسة. لكنّ هذا التوجّه جرى تداوله خلال الحرب العام الماضي، وقد يعود إلى الواجهة في ظروفٍ سياسيّة وميدانيّة أخرى.

في المقابل، تخشى إسرائيل، بحسب المقال الإسرائيليّ المذكور آنفاً، من أنّه حتّى لو أُخرجت حركة حماس من السلطة وتولّت هيئة فلسطينيّة مدنيّة حكم القطاع بدعمٍ من القوّة الدوليّة المراد تشكيلها، وأهمّ أدوارها نزع سلاح المقاومة الفلسطينيّة بكلّ الوسائل الممكنة وضمان إبعاد “حماس” عن المشهد الجديد، فإنّ الحركة قد تبقى جزءاً غير منظور من التركيبة الجديدة الإداريّة والأمنيّة، بحيث تتمكّن مع الوقت من إعادة بناء نفوذها خلال مدّة بقاء القوّة الدوليّة في القطاع، وهي سنتان، والمدّة قابلة للتجديد. وذلك كمثل ما يفعله “الحزب” في لبنان، بحسب التحليل الإسرائيليّ المشار إليه، إذ إنّه منذ انتهاء الحرب يحاول إلقاء المسؤوليّة على الدولة ومؤسّساتها لوقف الضربات الإسرائيليّة، ويُعيد بناء جسمه العسكريّ والتنظيميّ بالإفادة من كونه جزءاً منظوراً من الدولة ومن سلطاتها التنفيذيّة (الحكومة) والتشريعيّة (البرلمان). وأيّ تحرّكٍ إسرائيليّ ضدّ الدولة اللبنانيّة لحرمان “الحزب” من حاضنته الرسميّة التي يحتمي بها سيتناقض مع توجّه الولايات المتّحدة وحلفائها في الرهان الحاليّ على تقوية الدولة وجيشها في مواجهة “الحزب”.

الحرب لم تتوقّف في لبنان، بل أصبحت بوتيرة منخفضة، وبما يهدّد الاستقرار، ويشي بعودة الحرب الكاملة في أيّ لحظة، ما إن ينتقل “الحزب” من السكوت إلى الردّ على الانتهاكات

عقيدة الانتظار

أخيراً، يلجأ “الحزب” وحليفته “حماس” إلى مبدأ المماطلة قدر الإمكان بانتظار بروز جديد في السياسات الدوليّة أو الإقليميّة. فـ”الحزب” يمارس هذا علناً، والبيان الأخير مؤشّر إلى ذلك، فيما طلبت “حماس” أثناء المفاوضات الأخيرة هدنة طويلة، عشر سنوات مثلاً، وهو ما يعني أنّ الحركة تراهن على الوقت أيضاً لاسترداد قوّتها ولو بوتيرة بطيئة جدّاً، لكن غير منظورة، بحيث لا تلفت الانتباه، وذلك بانتظار أن تتغيّر الأوضاع في إسرائيل، وفي المنطقة والعالم.

إقرأ أيضاً: “حماس” و”الحزب”: الحرب أم الاستسلام؟

لربّما يخرج نتنياهو أو ترامب من السلطة بطريقةٍ من الطرق، فتتبدّل السياسات، التي ستكون أفضل حتماً، باعتبار أنّ محور المقاومة لم يواجه أسوأ من هذه الظروف على مدى العقود الماضية، وحتّى في أيّام أعتى الرؤساء الجمهوريّين في الولايات المتّحدة أو رؤساء الحكومة المتطرّفين من حزب الليكود في إسرائيل.

لقد انكمش هامش المناورة أمام “الحزب” و”الحركة” إلى أقصى حدّ. فقد التنظيمان جزءاً كبيراً من قادتهما الميدانيّين المؤثّرين، ويفتقران إلى الموارد الماليّة والتسليحيّة بالمقارنة مع ما كان متوافراً قبل 7 تشرين الأوّل 2023. وحتّى إيران، الدولة الراعية لهما، تعرّضت لضرباتٍ غير معهودة من قبل، وهي تحت التهديد المستمرّ باستئناف الحرب معها في أيّ لحظة. أمّا بيئتهما الشعبيّة الحاضنة في لبنان وغزّة، فقد نالها أيضاً أفدح الأضرار، لا سيما في القطاع، الذي بات أشبه بمخيّمٍ كبير وسط دمارٍ هائل. فإمّا الرضوخ للأمر الواقع، أو الاستمرار بالمناوشة السياسيّة والعسكريّة وخوض جولاتٍ محدودة إن اقتضى الأمر، وممارسة هواية الانتظار.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@HishamAlaywan64

مواضيع ذات صلة

تساقط المدن

كانت هناك مدينتان تحملان اسم طرابلس. الأولى في ليبيا، والثانية في لبنان. وللتمييز بينهما سميت الأولى طرابلس الغرب، والثانية طرابلس الشام. أما لماذا ليس طرابلس…

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…