“مسرح اللامعقول”. هكذا وصف الكاتب المصريّ الكبير محمد حسنين هيكل تعهّد الرئيس الراحل بشير الجميّل لإسرائيل بتوقيع اتّفاق سلام بعد انتخابه رئيساً للجمهوريّة. هو مسرح لم تُسدل ستارته يوماً لا مع بشير ولا مع غيره من الرؤساء الذين جاؤوا من بعده. فكلّ الرؤساء على “مسرح اللامعقول” تلمّسوا المحاذير من تعهّداتهم، فانتهى الأمر بكارثة دمويّة كانت إمّا اغتيالاً أو فوضى عارمة تعمّ البلاد.
يعيش لبنان في كلّ مراحله ومحطّاته التاريخيّة والسياسيّة أزمة الوعود المستحيلة على “مسرح اللامعقول” التي تطلقها المنظومة السياسيّة مع إدراكها وتيّقنها من العجز عن تحقيقها. أعطى الرئيس بشير الجميّل وعداً لحكومة إسرائيل برئاسة مناحيم بيغن في أوّل الثمانينيّات بعقد اتّفاق سلام بين لبنان وإسرائيل في حال انتخابه رئيساً للجمهوريّة وبإنهاء الوجود الفلسطينيّ في لبنان، فكان الاجتياح الإسرائيليّ الذي انتهى باحتلال العاصمة بيروت عام 1982 ثمّ انتُخب بعده بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة. وما هي إلّا أيّام وأسابيع قليلة حتّى انفجرت عبوة ناسفة بمقرّ حزب الكتائب في الأشرفيّة في 14 أيلول 1982 واغتيل بشير الجميّل بقرار من دمشق.
الوعود المستحيلة
اجتمع اللبنانيّون على هول المصيبة، وأعطى الرئيس أمين الجميّل شقيقه بشير وعداً بأن ينفّذ ما تعهّد به بشير، فذهب إلى اتّفاق 17 أيّار 1983، فانفجر الاستقرار الداخليّ مع انتفاضة 6 شباط 1984 وانقسمت ألوية الجيش بين 6 و8 وضاع البلد.
مسرح اللامعقول”. هكذا وصف الكاتب المصريّ الكبير محمد حسنين هيكل تعهّد الرئيس الراحل بشير الجميّل لإسرائيل بتوقيع اتّفاق سلام بعد انتخابه رئيساً للجمهوريّة
رفض الراحل جان عبيد أن يعد حافظ الأسد باستعمال القوّة لإنهاء حالة التمرّد التي يقودها ميشال عون، مقابل انتخابه رئيساً للجمهوريّة، فوقع الخيار على الرئيس رينيه معوّض الذي تردّد وتمهّل باستعمال القوّة متمسّكاً بالوحدة الوطنيّة، وفقاً لتعاليم الشهابيّة التي نشأ عليها. اغتيل الرئيس معوّض بعبوة ناسفة على أوتوستراد عائشة بكّار في بيروت أمام مدرسة رسميّة تحمل اليوم اسمه. اللافت أنّ اتّجاه الطريق هناك كان من القصر الحكوميّ الذي بات مقرّاً لوزارة الداخليّة اليوم باتّجاه الأونيسكو، ومنذ ذلك الاغتيال تحوّل اتّجاه السير من الأونيسكو باتّجاه مقرّ وزارة الداخلية وما يزال…
نصل إلى يومنا الحاليّ، الذي تعهّد فيه الرئيس جوزف عون للمجتمعَين الدوليّ والعربيّ أن يستعيد سيادة الدولة عبر حصريّة السلاح بيدها. وفي تفسير دقيق للعبارة تعهّد أن يسحب سلاح “الحزب” وفقاً للقرارات الدوليّة التي وقّعها لبنان بموافقة “الحزب” عبر الأخ الأكبر رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، لا بل أكثر من ذلك هناك من يقول، وهو معلوم للجميع، أي “الحزب” ومعه الرئيس نبيه برّي، إنّ تعهّداً آخر قطعه الرئيس جوزف عون للثنائي الشيعيّ، وهو ألّا يمسّ بسلاح “الحزب” شمال نهر الليطاني. أي أنّ الرئيس عون يقبع الآن بين تعهّدين: الأوّل للمجتمعَين الدوليّ والعربيّ وأقسم عليه أمام الشعب اللبناني عندما انتُخب رئيساً، وهناك تعهّد ثانٍ قطعه قبل القسم والانتخاب بساعة من الزمن للثنائيّ الشيعيّ.
الوقوف بين التّعهّدَين
المأزق في الوقوف بين التعهّدين أنّه لا يمكن الإيفاء بهما. فإمّا يفي بالأوّل فيخلف بالثاني، وإمّا يفي بالثاني فيخلف الأوّل، وإمّا تجاهل التعهّدين فيتخلّف البلد ويضيع، إذ لا منزلة بين المنزلتين، وقد جُرّبت تلك المنزلة في التاريخ وسمّيت حينها بفرقة المعتزلة فانتهت في التاريخ تلك الفرقة دون أثر سوى بضعة سطور من عصر مليء بالأحداث والكلمات والسطور.
أزمتنا في لبنان أنّنا نراهن دائماً وأبداً على التعهّدات المستحيلة التي لا نملك القدرة ولا الرغبة ولا المنطق لتحقيقها
ليست الأزمة في لبنان أزمة الجهات التي نتعهّد أمامها مهما اختلفت هويّتها وأجنداتها، ولا أزمة من يرفضون هذا التعهّد من أطراف داخليّة. أزمتنا في لبنان أنّنا نراهن دائماً وأبداً على التعهّدات المستحيلة التي لا نملك القدرة ولا الرغبة ولا المنطق لتحقيقها. بتنا نشبه ذاك الذي يتقدّم بقرض شخصيّ إلى أحد المصارف مقدِّماً أوراقاً مزوّرة، ورقة راتب لمؤسّسة لا يعمل فيها، وكفلاء غير قادرين على السداد، فتكون النتيجة تخلّفاً عن السداد.
لم يعد الرئيس جوزف عون وحده في منزلة بين تعهّدين. بل باتت المنظومة السياسية برمّتها، التي يرى المجتمعان الدوليّ والعربيّ أنّها عادت لتُجدّد نفسها مع الرئيس عون، تقبع في تلك المنزلة بين التعهّدين بانتظار “فكاك” أحدهما. لا تملك هذه المنظومة سوى الدعاء على قاعدة “إمّا أن يموت الذيب أو تفنى الغنمات”.
إقرأ أيضاً: قاسم يعدّ الأحياء.. ماذا عن الأموات؟
لطالما كان الاستقرار باباً لتلمّس المحاذير للهروب من التعهّدات المستحيلة، ولطالما كان التهديد بضرب الاستقرار باباً للمعرقلين في تنفيذ التعهّدات المستحيلة. هكذا فعل بشّار الأسد مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري عندما هدّده بتدمير وسط بيروت على رأسه إن لم يمدّد لإميل لحّود، وهكذا يفعل “الحزب” اليوم من صخرة الروشة إلى تصريح المفتي الجعفريّ أحمد قبلان أخيراً الذي حذّر من التفجير والحريق وبئس المصير. هي المعادلة القاتلة لوطن مقتول ومنظومة تتقبّل التعازي.
لمتابعة الكاتب على X:
