فرصة لإنهاء الحرب… ماذا عن الدّولة الفلسطينيّة؟

مدة القراءة 5 د

كأنّ الحروب في منطقتنا تُولد وهي محكومة بأن تبقى بلا نهايات، أو أنّ نهاياتها لا تقلّ كارثيّة عن بداياتها. اليوم، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطّةً لإنهاء الحرب في غزّة، يتجدّد السؤال الأزليّ: هل هذه محطّة لوقف نزيف الدم وحسب، أم بداية لمسار مختلف يعيد إدخال غزّة إلى مدار السياسة بدل مدار الحرب؟

 

تجاوزت معاناة الفلسطينيّين حدود الوصف. لم يعُد المشهد صور أطفال تحت الأنقاض أو عائلات مشرّدة، بل تحوّل إلى ملحمة نزيف مفتوحة على كلّ القواميس. هنا تُصبح أيّ خطّة لإنهاء الحرب، حتّى لو جاءت من واشنطن، جديرة بالانتباه، لأنّها على الأقلّ تضع حدّاً لحالة الموت المجّاني. لكنّ إنهاء القتال وحده لا يساوي بالضرورة إنهاء المعاناة. المعاناة أعمق من أن تنتهي مع صمت المدافع. إنّها متجذّرة في الاحتلال وفي انعدام الأفق السياسي وفي استمرار الحصار وفي غياب الدولة الفلسطينيّة التي ما تزال تُعامَل كطيف على خرائط مغلقة.

إذاً السؤال: هل خطّة ترامب وصفة لوقف إطلاق النار فقط، أم خريطة طريق لمستقبل سياسيّ يشمل غزّة والضفّة الغربية معاً؟

من دون رؤية شاملة، سيبقى الأمر هدنة مؤقّتة تعيد إنتاج الحرب بعد سنوات أو ربّما أشهر. ما يحتاج إليه الفلسطينيّون ليس هدنة جديدة، بل مشروع متكامل يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة الفلسطينية المنتظَرة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية.

إنهاء الحرب… بداية وحسب

قد يرى البعض أنّ إنهاء الحرب بحدّ ذاته إنجاز، لكنّه في الواقع ليس سوى “نقطة بداية”. إذا لم يتحوّل هذا التوقّف العسكريّ إلى فرصة ذهبيّة للانخراط في جهد دبلوماسيّ عربيّ أكبر، ولخلق ضغط سياسيّ دوليّ نحو حلّ الدولتين، فلن يختلف عن عشرات الهُدن السابقة التي انتهت حيث بدأت. تحمل هذه اللحظة إمكانيّة نادرة: أن يتقاطع التعب الدولي من استمرار الحرب مع حاجة المنطقة إلى الاستقرار ومع ضغط الشعوب العربية المتعطّشة لرؤية نهاية لهذا النزيف.

يرى البعض أنّ إنهاء الحرب بحدّ ذاته إنجاز، لكنّه في الواقع ليس سوى “نقطة بداية”

هنا يتقدّم السؤال عن الدور العربي: ما الذي يمكن للعواصم العربية أن تفعله لتحويل وقف القتال إلى بداية مشروع؟ ليس المطلوب هندسة دبلوماسيّة متماسكة تضغط على واشنطن وأوروبا لإعادة وضع حلّ الدولتين على الطاولة، كخطّة عمليّة لها جدول زمنيّ وضمانات.

أين السّلطة؟

في قلب هذا المشهد، تبرز السلطة الفلسطينيّة بوصفها الطرف الذي لا يستطيع أن يبقى متفرّجاً. السلطة التي وُلدت من رحم اتّفاقات أوسلو لا تزال تبحث عن شرعيّة سياسيّة في الداخل، وعن وزن تفاوضيّ في الخارج. إن كانت خطّة ترامب، أو أيّ خطّة لاحقة، ترتيباً لوقف النار وحسب، فعلى السلطة أن تلتقط اللحظة لتعيد بناء موقعها كمرجعيّة سياسيّة للشعب الفلسطيني. هذا يتطلّب جرأة في استعادة زمام المبادرة، لا انتظار ما تقرّره واشنطن أو تل أبيب.

الحرب

لكنّ أيّ حديث عن المستقبل الفلسطيني لا يمكن أن يتجاهل حركة “حماس”. بعد اليوم الأخير للحرب، ستواجه الحركة سؤالاً وجوديّاً: هل تبقى أسيرة خطاب المقاومة العسكريّة أم تنزاح نحو مساحة سياسيّة تُعيد صياغة دورها ضمن معادلة فلسطينيّة أوسع؟

ليست “حماس” بعد الحرب كما قبلها، وسيكون عليها أن لا تجيب العالم فقط، بل شعبها أوّلاً عن السؤال: ما هو الطريق السياسي الذي يمكن أن يضمن استثمار دماء الشهداء في مشروع دولة، فلا تبقى رصيداً دائماً لحروب جديدة؟

من جهة أخرى، يدرك الجميع أنّ ترامب ليس رسول سلام، وأنّ حساباته ترتبط بالمصالح الأميركيّة والإسرائيليّة أكثر ممّا ترتبط بغزّة. لكنّ السياسة، كما علّمنا التاريخ، ليست دائماً لعبة النوايا بل لعبة الفرص. حتّى لو جاءت المبادرة من مصدر مثير للجدل، فإنّ الفلسطينيّين والعرب قادرون على تحويلها إلى مدخل لتثبيت حقّهم في الدولة، إذا ما أحسنوا الإمساك بالخيوط.

 الحرب في غزّة ليست أزمة فقط، بل إنّها اختبار لقدرة الفلسطينيّين والعرب والعالم على تحويل المأساة إلى منعطف سياسيّ مختلف

كان الفيلسوف الصينيّ كونفوشيوس يقول: “في قلب كلّ أزمة، تكمن فرصة”. ربّما لم يعرف كونفوشيوس شيئاً عن غزّة، لكنّه عبّر عن المعنى العميق لهذه اللحظة. الحرب في غزّة ليست أزمة فقط، بل إنّها اختبار لقدرة الفلسطينيّين والعرب والعالم على تحويل المأساة إلى منعطف سياسيّ مختلف.

اختبار جديد

لن يكون إنهاء الحرب هو النهاية، بل بداية اختبار جديد: هل يستطيع العرب أن يستثمروا لحظة الإنهاك الدوليّ والإسرائيليّ لتثبيت حقّ الدولة الفلسطينيّة؟ هل تستطيع السلطة أن تعود إلى دورها بوصفها الممثّل الشرعيّ؟ هل تستطيع “حماس” أن تجد لنفسها موقعاً جديداً في السياسة بدل البقاء في متاهة السلاح وحده؟

إقرأ أيضاً: ترامب في ظلال اتّفاق غزّة المؤجّل

لا يزال الجواب معلّقاً، لكن ما هو مؤكّد أنّ اللحظة لا ينبغي أن تضيع. لا يمنح التاريخ الشعوب فرصاً كثيرة، والفرصة إذا ضاعت تحوّلت الحرب إلى قدر، وقدر الفلسطينيّين أن يعيشوا في دائرة نزيف لا تنتهي.

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…