“أموالك آمنة معنا”. لعقود من الزمن، كان لهذه العبارة وزن في لبنان. أودعت العائلات مدّخراتها بفخر، واثقة من أنّ المصرف كان درعاً ضدّ عدم اليقين. ادّخر الآباء لتعليم أطفالهم، والعمّال للتقاعد، والشركات لكشوف المرتّبات والنموّ. ثمّ جاء الإدراك المفاجئ أنّ شبكة الأمان قد اختفت: تقييد عمليّات السحب، حظر التحويلات وتجميد الأرصدة. بين عشيّة وضحاها، اختفى وهم الأمن، ومعه جوهر ما يعنيه أن تكون مصرفاً.
ما ضاع هو أكثر بكثير من أرقام في الميزانية العموميّة. تخلّت المصارف عن قاعدتها الائتمانية من خلال ربط أموال المودعين بشكل حصريّ تقريباً بالدولة والمصرف المركزي. ما تمّ بيعه على أنّه انكشاف “خالٍ من المخاطر” تحوّل إلى ورق لا قيمة له في اللحظة التي تخلّفت فيها الدولة عن خدمة الدين العامّ وسداد التزاماتها وجفاف احتياطات المصرف المركزي.
بالنسبة للمودعين، كان هذا يعني أنّ مدّخراتهم لم تعد سائلة أو يمكن الوصول إليها، بل محاصرة في ترتيب ماليّ مفلس. انهارت الأسس الائتمانية للقطاع، ولم يبقَ سوى أجزاء يمكن استردادها من عدد قليل من المقترضين لا يزالون قادرين على البقاء.
الخسارة الأكثر تدميراً
في الوقت نفسه، انهارت آليّة المصارف نفسها. لم يعد المصرف الذي لا يسمح لك بإرسال الأموال إلى الخارج أو سحب أموالك أو تسوية مدفوعاتك مصرفاً يعمل، بل قبو مغلق بدون مفتاح. أثّر هذا الانهيار التشغيليّ على كلّ ركن من أركان المجتمع: الشركات التي لم تستطع الدفع للمورّدين، الطلّاب الذين تقطّعت بهم السبل في الخارج بدون رسوم دراسيّة والعائلات المعزوفة عن تحويلاتها. لا تزال الهياكل المصرفية (الفروع وأنظمة تكنولوجيا المعلومات والموظّفون المدرّبون) في مكانها، لكنّها فارغة بدون رأس مال جديد واتّصالات بالشبكة الماليّة العالميّة.
تخلّت المصارف عن قاعدتها الائتمانية من خلال ربط أموال المودعين بشكل حصريّ تقريباً بالدولة والمصرف المركزي
ربّما تكون الخسارة الأكثر تدميراً هي السمعة. الثقة هي رأس المال غير المرئي الذي تزدهر عليه المصارف وتبخّر بسرعة السيولة. فقدت المصارف اللبنانية الثقة، ليس فقط من مودعيها، لكن أيضاً من المصارف المراسلة في الخارج والمجتمع الماليّ الدولي. العواقب واضحة بالفعل في شكل إزالة المخاطر، وإدراج لبنان في القائمة الرماديّة من قبل مجموعة العمل الماليّ، وإدراجه في القائمة السوداء من قبل الاتّحاد الأوروبي. يمكن، من الناحية النظريّة، إعادة بناء السمعة، لكن ليس من خلال الوعود أو التعديلات التجميليّة. يتطلّب الأمر سنوات من الشفافيّة والمساءلة ونوعاً من الإصلاح يثبت للعالم، وللشعب اللبناني، أنّ أخطاء الماضي لن تتكرّر.

لم يبقَ الفراغ الناجم عن هذا الانهيار فارغاً. دخلت فيه شركات خدمات الأموال مثل OMT وWhish Money. كانت في يوم من الأيّام لاعبة هامشيّة، وأصبحت الآن القنوات الرئيسية التي تتلقّى من خلالها الأسر التحويلات الماليّة وتجري المعاملات الماليّة الأساسيّة. إنّها سريعة وموثوقة، وعلى عكس المصارف لا تزال قادرة على نقل الأموال عبر الحدود. من نواحٍ كثيرة، تؤدّي الخدمات نفسها التي كانت المصارف تحتكرها ذات يوم، لكن دون تحمّل الالتزامات نفسها لتمويل الاقتصاد أو حماية المودعين. هذا التحوّل هو أكثر من تعديل مؤقّت. إنّه إعادة ترتيب للمشهد الماليّ في لبنان. وكلّما طالت مدّة إصابة المصارف بالشلل، أصبحت هذه البدائل أقوى، وقلّت الحوافز للعودة إلى الخدمات المصرفية التقليدية، حتّى لو أُعيدت رسملة القطاع في يوم من الأيّام.
من جانبهم، ليس لدى صنّاع السياسات الكثير لإظهاره في ما يتعلّق بالإصلاحات التي يمكن أن تعيد القانون والنظام إلى القطاع المصرفي. ولا تزال ضوابط رأس المال غير رسميّة، وأحكام المحاكم غير متّسقة، وقوانين إعادة الهيكلة الموعودة منذ فترة طويلة لا تزال ضعيفة في البرلمان. وبدلاً من خطّة منسّقة، عُرض على المواطنين الارتجال والتأخير. ويعزّز هذا الغياب للإصلاح الموثوق به تصوُّر المودع أنّ المصارف ليست متعثّرة فحسب، بل إنّها أيضاً غير ذات صلة، في حين تملأ الجهات الفاعلة الماليّة غير المصرفيّة الفجوة بهدوء.
ربّما تكون الخسارة الأكثر تدميراً هي السمعة. الثقة هي رأس المال غير المرئي الذي تزدهر عليه المصارف وتبخّر بسرعة السيولة
لا تقبلوا بنصف الحقيقة
مسؤولية من؟ يكمن الجواب في سلسلة من الإخفاقات. أفلست الدولة نفسها وتخلّفت عن سداد ديونها، فجرّت المصارف معها. صمّم المصرف المركزي مخطّطات ابتلعت الودائع على أمل كسب الوقت، لكنّها تركت المودعين في نهاية المطاف محاصَرين بالخسائر. من جانبها، تخلّت المصارف التجارية عن دور المموّل للاقتصاد الإنتاجي، مفضّلةً أن تسلك الطريق السهل المتمثّل في إقراض الدولة. وقف المنظّمون والقضاء مكتوفي الأيدي، وامتنعوا عمداً عن التصرّف، وخصوصاً عندما تقلّل التدابير التصحيحيّة من الضرر. تمّ تسليم الفاتورة النهائيّة إلى المودعين، وهم اللاعبون الوحيدون في هذه الدراما الذين لا يتحمّلون أيّ مسؤوليّة عن الانهيار.
ما يبقى قابلاً للإنقاذ محدود بشكل مؤلم. هناك أجزاء من البنية التحتية، وبقايا محافظ القروض، والخبرة البشرية التي يمكن أن تشكّل الهيكل العظميّ لقطاع مُعادة هيكلته. لكنّ الجوهر الحقيقيّ للأعمال المصرفيّة هو الثقة وقد تمّ تبديده. ستتطلّب إعادة بنائها أكثر من إصلاح تقنيّ. ستتطلّب إصلاحاً سياسيّاً ومؤسّسيّاً يضع الصدق والمساءلة قبل النفعيّة والإنكار.
إقرأ أيضاً: الذّهب يتصدّى لهيمنة الدّولار “المسلّح”
بالنسبة للمودعين، الرسالة واضحة: لا تقبلوا بأنصاف الحقائق، ولا تشتّتوا انتباهكم بالإصلاحات المؤقّتة، ولا تسمحوا للرواية بتحويل اللوم بعيداً عن أولئك الذين هندسوا هذه الكارثة. صعود OMT وWhish Money ليس علامة على التقدّم، بل على مدى تراجع المصارف التجارية في لبنان عن تأدية مهامّها. إذا كان للمصارف أن تستعيد دورها، فيتعيّن عليها أوّلاً أن تستعيد الشيء الوحيد الذي لا يمكن تشريعه أو هندسته أو ارتجاله: ثقتك. حتّى ذلك الحين، اطلب الصدق، طالب بالمساءلة. عندها فقط يستحقّ النظام الماليّ اللبناني أن يحمل مدخّراتك مرّة أخرى.
* باحث مقيم في كليّة سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركيّة في بيروت (AUB).
