نزع السّلاح وبائع الفراريج

مدة القراءة 6 د

ليس بين الحاضرين في غرف “الحزب” القيادية أو الفكرية في لبنان، مَن هو ساذج إلى حدّ الاعتقاد أنّ “الحزب” قادر على إيقاف مسيرة التغيير في لبنان والمنطقة بعد كلّ ما حصل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 مروراً بلحظة اغتيال الأمين العامّ لـ”الحزب” سابقاً السيّد حسن نصرالله في 27 أيلول 2024، وانتهاءً بقرار وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي وُقّع بموافقة “الحزب” عبر الرئيس نبيه برّي في 27 تشرين الثاني 2024، وفوق كلّ ذلك سقوط نظام بشّار الأسد وفراره مع ميليشيات “الحزب” وحلفائه من باقي الميليشيات المتعدّدة الجنسيّات من إيران وأفغانستان والعراق من كامل الأراضي السورية في 8 كانون الأوّل 2024.

 

ليس بين كلّ هؤلاء من معمّمين ومدنيّين وأمنيّين مختبئين من المسيّرات الإسرائيلية، أو منظّرين على شاشات التلفزة وفي بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، مَن يملك القدرة على وقف تغيير بهذا الحجم، علاوة على سؤال أكثر جوهريّة يتعلّق بالقدرة بعيداً عن الرغبة والأهواء على تحقيق هذا الهدف.

محور الهاربين

لا تقتصر هذه الحقيقة على من يتداولون في مخيّلتهم بعض الرغبات والحنين إلى الماضي محلّيّاً. بل هي واضحة ومفهومة ولا لبس في ذلك لدى أصحاب الوصاية الخارجية على محور الممانعة، الذي منذ 8 كانون الأوّل الفائت عند الساعة السادسة صباحاً بتوقيت دمشق تحوّل من محور الممانعة إلى محور الهاربين، وتحديداً في قلب العاصمة الإيرانية طهران، حيث مقرّ المرشد العامّ وصولاً إلى موسكو فلاديمير بوتين الذي بقي له من مهلة ترامب لوقف إطلاق النار في أوكرانيا بضعة أيّام وساعات.

ليس هناك من جريمة تُرتكب أكبر من جريمة التشكُّك في وطنيّة الرؤساء الثلاثة، وتحديداً من بينهم دولة النبيه

قد يكون من العبث مناقشة أطراف محليّة أعلنت مراراً وتكراراً التزامها قرار الوصيّ المرشد وحرسه الثوري في القرار السياسي، وصولاً إلى استعمال الزرّ الخاصّ بإطلاق الصواريخ. تلك الوصاية كانت الأشدّ فتكاً بالمحور نفسه عندما سكتت على اغتيال إسماعيل هنيّة، الذي نام مطمئنّاً إلى أنّه بحماية الحرس الثوري، وعلى اغتيال السيّد حسن نصرالله ثمّ السيّد هاشم صفيّ الدين، ولم تُخرج صواريخها إلّا بعد ضرب المفاعل النووي الذي يتقدّم على سلّم الأولويّات عندها على كلّ الرموز والأسماء الصغير منها والكبير.

السؤال الذي يمكن أن يوجَّه في الداخل فقط في هذه اللحظة المصيرية إلى المرجعيّات الأخلاقية داخل هذا الجمهور المسكين: “هل هناك إمكان لإيواء مزيد من النازحين مع اقتراب نهاية الصيف وقدوم الشتاء وبرده الثقيل؟ هل أحصينا فعلاً عدد الأسرى لدى العدوّ الإسرائيلي ووصلنا إلى رقم نهائي لعدد الشهداء وأمكنة وجود رفاتهم كي نداوي جرح تلك العوائل التي لا تتكلّم اليوم إلّا بأنين؟ سؤال يجب أن تتأمّله كلّ مرجعية حريصة على الناس وعلى البلد لأنّ تجاهله لن يعفيها من المساءلة في الغد ولن يمنحها حصانة مهما كان مصدرها وسواء وُلدت من قانون مدني أو من دين.

التّشكُّك بوطنيّة برّي

ليس هناك من جريمة تُرتكب أكبر من جريمة التشكُّك في وطنيّة الرؤساء الثلاثة، وتحديداً من بينهم دولة النبيه. ليس الوقت أن يُسأل عن ماهيّة آليّة تعاطيه في هذه المرحلة مع المجتمع الدولي ومع شركائه في الحكم. فما سأل أحدٌ دولة النبيه إن كان موافقاً على حرب المساندة أو على التضحية بكلّ ما بناه طوال تلك السنين. فعندما كان مرناً للوصول إلى وقف إطلاق النار لم يبالغ، بل جلّ ما فعله أنّه سعى إلى حماية أمرين: أوّلاً الوطن، وثانياً الحضور الشيعي ليس فقط في مفاصل الدولة، بل وفي كلّ الحقول والبيادر والمواقع والفعّاليات، والأهمّ الأهمّ في ذاكرة التاريخ والحاضر والمستقبل، ململماً عثرات الآخرين.

عاد “نعيم” إلى عادته السابقة. يعدنا بالحروب والنصر ليستمع إلى تصفيق الجمهور

كان الرئيس برّي واضحاً عندما قال للزميلة “النهار” عشيّة جلسة مجلس الوزراء أمس الأول الثلاثاء: “لن نراعي إلّا مصلحة لبنان”، فهو في هذه اللحظات الحاسمة لن يلتفت إلى مقال من هنا أو هناك أو إلى ساذج في التحليل. بل كلّ تركيزه ينصبّ على إنقاذ لبنان لأنّ إنقاذ لبنان هو إنقاذ للشيعة والسُّنّة والدروز وكلّ طوائف المسيحيّين. ليس في إنقاذ لبنان وبناء الدولة وحصريّة السلاح بيد القوى الأمنيّة الرسمية الشرعية تفنيد أوّلاً وثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً وصولاً إلى العشرين. بل هناك بند واحد لن تُسقطه مقالة ولن يغيِّره الخوف والالتباس من احتفال مطعم لبيع الفرّوج أو الفراريج، لبس عمّاله قمصاناً سوداً، وهو اللباس الرسمي للعاملين. فذاك المطعم وضع إعلاناً منذ أيّام قال فيه: “غيّرنا الرقم بس ما تغيّرت الطعمة”. إلى كلّ المتشكّكين افعلوا كما فعل هذا المطعم وغيِّروا الرقم فلا أحد يجيب. ليست المملكة العربية السعودية والولايات المتّحدة الأميركية ولا غيرهما من الدول هم من أوصلوكم إلى هنا. بل ما أوصلكم هي المغامرات غير المحسوبة في سوريا ولبنان وفلسطين.

الحزب

لغة قديمة كانت لغة الشيخ نعيم قاسم الثلاثاء الفائت، كان خطابه أشبه بلعبة فقاعات الصابون، تعمّد إطلاق المخاوف يميناً ويساراً صارخاً “يا شيعة لبنان إقلقوا”. هدّد بالصواريخ وهو العالم أنها لم تمنع استهداف السيّد حسن ولا منع الدمار في الضاحية ولا التهجير في الجنوب. هدّد بالمقاتلين وهو المدرك أنّ شباب الحزب بات بين مصاب بالبيجرز وأسير لدى إسرائيل ومفقود الأثر تحت ركام منازل الحافة في الجنوب.

عاد “نعيم” إلى عادته السابقة. يعدنا بالحروب والنصر ليستمع إلى تصفيق الجمهور. كيف يسمع وهو مجهول مكان الاقامة. ولا يجرؤ على الاجتماع أو السير في الطريق؟ علينا جميعاً الخروج من اللغة القديمة ومفرداتها وأدواتها. العالم برمته يتوق للتجديد. علينا البحث عن أدوات جديدة لمواجهة العدو الإسرائيلي. علينا العمل على نزع الخوف والقلق من نفوس أهلنا.

ليس بين الحاضرين في غرف “الحزب” القيادية أو الفكرية في لبنان، مَن هو ساذج إلى حدّ الاعتقاد أنّ “الحزب” قادر على إيقاف مسيرة التغيير في لبنان

لسنا بخير

كتب المحامي الصديق واصف الحركة على حسابه بـ”فيسبوك” معلّقاً على ما رافق احتفال محلّ الفراريج في خلدة يوم الثلاثاء من خوف وقلق شعبي قائلاً: “نحنا منّا بخير… مخيفة هشاشة نفسيّتنا وقلقنا على مصيرنا. صرنا نفسّر أيّ مشهد “خارج عن المألوف” كتهديد وجوديّ، بيحطنا بحالة قلق مصيريّ. وهيدا بحدّ ذاته مؤشّر إلى تعب نفسيّ جماعيّ، وإلى غياب الطمأنينة. عنّا تفكُّك بالعلاقة بين الشكل والمضمون:  يعني الناس صارت تتوقّع الأسوأ من أيّ صورة أو مشهد جماعي، لأنّ الذاكرة “مليانة” تجارب مرعبة ارتبطت بالمظاهر نفسها. إيه، نحنا منّا بخير. والمفارقة الكبرى؟ إنّو عم نعيش بوطن، الخطر فيه صامت… وأيّ فرح صاخب يبثّ فينا الرعب. أما صاحب مطعم “أطيب فرّوج”، إللي ما كان يعرفك… صار يعرفك”.

إقرأ أيضاً: “الحزب” عالق بين “المرجعيّة العليا” وليونة برّي

ملاحظة: هذه المقالة ليست مقالة مبتكرة بكامل مقاطعها بل هي اقتباس للتصويب.

 

 لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

تساقط المدن

كانت هناك مدينتان تحملان اسم طرابلس. الأولى في ليبيا، والثانية في لبنان. وللتمييز بينهما سميت الأولى طرابلس الغرب، والثانية طرابلس الشام. أما لماذا ليس طرابلس…

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…