بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الانهيار المالي في لبنان، وهو ثالث أشدّ انهيار على مستوى العالم منذ القرن التاسع عشر، تستكشف البلاد مرّة أخرى حلولاً تشريعيّة لأزمتها المصرفية. في قلب هذا الجهد يُناقَش اقتراح تقنيّ لكنّه سياسي بعمق: “قانون الفجوة الماليّة“. يسعى الاقتراح، الذي تمّ تأطيره كآليّة لتوزيع الخسائر المتكبَّدة خلال الانهيار الماليّ للبلاد، إلى الإجابة على سؤال وجودي: من الذي يجب أن يتحمّل تكلفة التهوّر الماليّ في لبنان؟
على الرغم من عدم تقديم الحكومة الجديدة، حكومة القاضي نوّاف سلام، أيّ مسوّدة رسمية، تشير الإصدارات السابقة والتسريبات للإعلام إلى أنّ الاقتراحات السابقة لم ترقَ إلى تحقيق العدالة والإصلاح. وبدلاً من ذلك، خاطروا بأن يصبحوا واجهات قانونية تكرّس إفلات النخبة من العقاب، ونقلوا العبء إلى المواطنين العاديّين، وخاصّة المودعين.
نحن على ثقة بأنّ الحكومة الحالية تغتنم هذه الفرصة لإعادة التفكير في قانون الفجوة وإعادة تصميمه، وضمان أن يخدم الغرض المقصود منه: آليّة عادلة وشفّافة وخاضعة للمساءلة لتوزيع الخسائر تدعم مبادئ الإنصاف والثقة العامّة.
فجوة الـ70 ملياراً
ما هي “الفجوة” في النظام المالي اللبناني؟ بأبسط العبارات، تشير “الفجوة” إلى الفرق بين ما تدين به المصارف اللبنانية للمودعين وما تحتفظ به فعليّاً من أصول حقيقية قابلة للاسترداد. ويقدّر هذا الرقم حاليّاً بأكثر من 70 مليار دولار. الأسباب موثّقة جيّداً:
– الإقراض المفرط من قبل المصارف التجارية لحكومات هدرت الجزء الأكبر من مواردها.
– الهندسات المالية لمصرف لبنان التي أخفت حجم وطبيعة الأزمة.
– نظام تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية منفصل عن الأساسيّات الاقتصادية.
– هروب رؤوس الأموال بسبب غياب (عمديّ) قانون الكابيتال كونترول.
قانون الفجوة هو الإطار القانوني المقترح في لبنان لتوزيع هذه الخسائر بين المصارف والحكومة والمصرف المركزي والمودعين.
بدلاً من حماية المودعين، وخاصّة أولئك الذين لديهم مدّخرات متواضعة، يتّجه مشروع القانون إلى تحميلهم المسؤوليّة قبل المساهمين أو مساهمات الدولة
المشكلة من الإصلاح الفنّيّ إلى الغطاء السّياسيّ
على الورق، لا يمثّل قانون هيكلة توزيع الخسائر مشكلة بحدّ ذاتها، ويفرض أغلب البلدان التي تشهد انهيارات مصرفية نظاميّة مثل هذه الأطر. لكنّ ما يميّز لبنان هو تجنّب اقتراح القانون في نسخته المسرّبة المساءلةَ الأساسيّة. تكشف المسوّدات المبكرة والمداولات المسرّبة عن العديد من الاتّجاهات الخطيرة:

1- المودعون أوّلاً: بدلاً من حماية المودعين، وخاصّة أولئك الذين لديهم مدّخرات متواضعة، يتّجه مشروع القانون إلى تحميلهم المسؤوليّة قبل المساهمين أو مساهمات الدولة.
2- هندسات محاسبيّة في محاولة لتقليص حجم الفجوة: وذلك عبر العودة الى الوراء للاقتطاع من الفوائد المدفوعة للمودعين، أو التحقّق من مصادر الأموال والطلب من المودعين التقدّم من المصرف وإبراز إثبات على ذلك، أو يتمّ إسقاط حقّ المودع في وديعته إن فشل في الاستجابة لهذا الطلب. وكم من مرّات فشلت المصارف في الاستجابة لطلبات المودعين المحقّة والقانونيّة!
3- المصارف تمارس الحياد السلبي عن الفجوة: المصارف تريدها أزمة نظامية وتمتنع عن الامتثال للأنظمة التي ترعى نشاطاتها. ولكن استناداً إلى أيّ أنظمة اتّخذت المصارف قرارها بالتوقّف عن تلبية طلبات المودعين للسحب من أرصدة حساباتها، فالتوقّف حصل في تشرين الأوّل 2019، وقرار التوقّف عن خدمة الدين العامّ حصل في آذار 2020؟ ماذا عن الفوائد على الودائع التي توقّفت المصارف عن دفعها لمدّة خمس سنوات وضربت عرض الحائط بمشروعيّة عقد الوديعة؟ لماذا لا يتمّ احتساب هذه الأموال لمصلحة المودعين؟ هذا من دون ذكر العمولات القاسية التي تتكبّدها كلّ الحسابات منذ سنوات أيضاً.
4- عدم جهوزيّة رأسمال المصارف لامتصاص الخسائر المحتملة في توظيفاتها: ذهب تطوّر الأحداث، منذ اندلاع الأزمة المصرفية، باتّجاه تحميل المودعين مسؤوليّة فشل المصارف في جمع رأس المال، ونجاح مصرف لبنان في إعطاء اللبنانيين الانطباع الخاطئ والمزيّف بأنّ المصارف التجارية في لبنان بخير وأموالهم بألف خير.
قانون الفجوة هو الإطار القانوني المقترح في لبنان لتوزيع هذه الخسائر بين المصارف والحكومة والمصرف المركزي والمودعين
5- تتهرّب الدولة من دورها: على الرغم من كونها المَدين الرئيسي، تتهرّب الحكومة اللبنانية من، أو تتصرّف وكأنّها ليست ملزمة بتخصيص موارد ماليّة أو أصول حكوميّة لاستيعاب جزء من الخسائر.
6- لا تزال الممارسات المحاسبيّة غير الشفّافة قائمة: لم يُصدر مصرف لبنان بعد تدقيقاً جنائياً كاملاً تمّ التحقّق منه بشكل مستقلّ. وفي غياب محاسبة واضحة، لا يزال الحجم الحقيقي وطبيعة هذه “الفجوة” وتكوينها غير مؤكّدة.
7- لا توجد سلطة حلّ مستقلّة: من المرجّح أن تتمّ إدارة تخصيص الخسائر من قبل الجهات الفاعلة السياسية أو وكلائها، وهو ما يقوّض أيّ ادّعاءات بالحياد أو الصرامة الفنّية.
باختصار، حقاً يكمن الشيطان في التفاصيل، وكلّما استحضرت القوى السياسية تفاصيل جديدة في دراسة مشاريع القوانين، كن واثقاً بأنّ وراء ذلك نوايا شيطانية! يخاطر لبنان بإضفاء الشرعية على الظلم تحت راية الإصلاح.
تكلفة التّأخير
ربّما يكون الجانب الأكثر مأساويّة في النقاش في قانون الفجوة هو مدى تأخير إقراره، ومقدار تكلفة هذا التأخير. في عام 2020، عندما تخلّف لبنان رسميّاً عن سداد ديونه السيادية، قُدّرت الثغرة الماليّة بين 40 و50 مليار دولار. وكان يمكن لإعادة هيكلة سريعة مدعومة من صندوق النقد الدولي أن تساهم في إنقاذ المساهمين في البنوك، والمودعين، والتزامات الدولة الماليّة.
بدلاً من ذلك، أدّى الشلل السياسي والإنكار ومفاوضات النخبة خلف الأبواب المغلقة إلى تضييع خمس سنوات من المماطلة. واليوم، تضخّمت الفجوة إلى أكثر من 70 مليار دولار، مدفوعة بالتضخّم وانخفاض قيمة العملة والمزيد من التدهور في الميزانيات العمومية للمصارف. أدّى هذا التأخير إلى تآكل ثقة الجمهور بالمؤسّسات السياسية والمالية في لبنان إلى مستويات لا يمكن إصلاحها.
كيف يجب أن يبدو قانون الفجوة العادلة؟
إذا كان لبنان جادّاً في الانتعاش الماليّ والتجديد المؤسّساتي واستعادة ثقة المستثمرين، يجب إصلاح قانون الفجوة ليشمل ما يلي:
على الورق، لا يمثّل قانون هيكلة توزيع الخسائر مشكلة بحدّ ذاتها، ويفرض أغلب البلدان التي تشهد انهيارات مصرفية نظاميّة مثل هذه الأطر
– تسلسل هرميّ واضح للخسائر: يجب أن يتحمّل المساهمون والدائنون الصغار الخسائر الأولى. وينبغي حماية المودعين، ولا سيما الحسابات الصغيرة والمتوسّطة.
– آليّة مساهمة الدولة: يجب على الحكومة أن تتحمّل المسؤولية من خلال تحويلات الأصول العامّة، أو ضبط أوضاع الماليّة العامة، أو خطط تعافٍ يراقبها الصندوق.
– إفصاح ماليّ شفّاف: يجب أن يكون النشر الكامل لعمليات التدقيق الجنائي لمصرف لبنان والمصارف الكبرى شرطاً مسبقاً لأيّ تشريع قانوني.
– هيئة مستقلّة للقرار: يجب أن تشرف سلطة مستقلّة ذات دعم قانوني على التنفيذ لتجنّب التسييس.
ليست هذه التدابير مثالية، إنّها ممارسة قياسية في الأزمات المالية في جميع أنحاء العالم. إنّ تجاهلها في لبنان من شأنه أن يشكّل سابقة خطيرة لمعايير الحوكمة العالمية.
الصّورة الكبرى: الشّرعيّة على المحكّ
يتجاوز النقاش في قانون الفجوة المحاسبة. إنّه يتطرّق إلى شرعيّة الدولة اللبنانية ذاتها. إنّ البلد الذي يفشل في حماية شعبه من الاستغلال الماليّ، ثمّ يجبره على دفع ثمنه، لا يمكنه أن يتحدّث بصدقيّة عن الإصلاح. يجب على الشركاء الدوليّين، وخاصّة صندوق النقد الدولي، أن يظلّوا حازمين في المطالبة بإطار حلّ عادل وموثوق. ويجب على المجتمع المدني أن يواصل مقاومة أيّ جهد لتطبيع الظلم من خلال التشريعات.
إقرأ أيضاً: لبنان أمام فرصة أخيرة: التّعافي أو الكسر
لدى لبنان فرصة أخرى لكتابة قصّة تعافٍ تستند إلى الشفافيّة والمساءلة والإنصاف. إذا تمّ تمرير قانون الفجوة بالشكل الذي اقترحته الحكومة السابقة، فستضيع هذه الفرصة، ومعها مستقبل بلد لا يزال يعاني من أزمة لم يختَرها.
* باحث في كلّية سليمان العليان للأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB).
