خامنئي يُصوّب على ترامب: صدارة الرّياض استفزّت طهران؟

مدة القراءة 6 د

تساءل كثيرون عن سبب حملة المرشد الإيراني على دونالد ترامب متّهماً إيّاه بالكذب في حديثه عن السلام. على الرغم من المفاوضات الجارية بين إيران وأميركا، كرّر خامنئي القول: “بجهود شعوب المنطقة يجب أن تخرج أميركا من المنطقة، وستخرج”.

هل خلفيّة هذا الهجوم تعثُّر ما في مفاوضات عُمان أم التموضع الأميركي الجديد في المنطقة هو السبب؟

أسباب كثيرة تدفع القيادة الإيرانية إلى “الحنق” على حصيلة جولة ترامب الخليجية والمكاسب التي حقّقتها لطرفَي الاتّفاقات التي انعقدت بنتيجتها.

 

 

وجد معظم المراقبين لهجوم المرشد على السياسة الأميركية أنّه ردٌّ على وقائع جولة ترامب، أكثر ممّا له علاقة بتعثّر مفترض للمفاوضات في الشأن النووي. ترامب، في معرض إغرائه طهران بشراكة جديدة، لم يخفِ أنّ بلاده تعود بقوّة إلى المنطقة، على النقيض من الحديث عن انسحابها.

بينما المفاوضات بين واشنطن وطهران تحرز “تقدّماً”، ويحرص الجانبان على إشاعة الإيجابيّات، قطفت الدول الخليجية الثلاث التي زارها ترامب ثماراً بعيدة المدى، أهمّها إقامة بنية تحتية تكنولوجية وقاعدة للذكاء الاصطناعي فيها بمساعدة أميركية وفق اتّفاقات تمتدّ لسنوات. ولذلك انعكاسات مستقبلية مذهلة في المنظار الاقتصادي العالمي. أمّا إيران فستحتاج إلى عقد من الزمن على الأقلّ لإعادة تأهيل “بنيتها” للاندماج في الاقتصاد العالمي. هذا بحال تفاهمها مع ترامب على النووي وتقليص تمدّدها الخارجي.

وجد معظم المراقبين لهجوم المرشد على السياسة الأميركية أنّه ردٌّ على وقائع جولة ترامب، أكثر ممّا له علاقة بتعثّر مفترض للمفاوضات في الشأن النووي.

خطف الدّور الإقليميّ من طهران؟

كرّست زيارة الرئيس الأميركي الدور المحوريّ للسعودية في المعادلة الإقليمية والجغرافيا السياسية للمنطقة. وهذا يخطف من طهران دوراً إقليميّاً لطالما اعتدّت به لعقدين من الزمن. يصعب على حكّام طهران أن يتكيّفوا مع التحوّلات على الرغم من براغماتيّة العقل الإيراني. تنطبق هذه الصعوبة أكثر على الذين يغلّفون سياسة التمدّد الإيراني في المنطقة بالعقيدة الدينية، كالمرشد و”حرس الثورة”. بدا أنّ الشقّ “المدنيّ” من القيادة، الممثّل بالرئيس مسعود بزشكيان، حصر هجومه على السياسة الأميركية بعناوين المفاوضات على الملفّ النووي. فقد أبدى تشدّداً حيال المفاوضات، وقال عن الخلاف على اقتراح المفاوضين الأميركيين تخصيب اليورانيوم للحاجات السلمية خارج إيران: “سندافع عن حقّنا النووي ولن نرضخ للضغوط”. ومع تكراره نفي نيّة بلاده تطوير سلاح نوويّ، انتقد القوى الغربية لأنّها “لم تفهم رسالة” بلاده في السياسة الخارجية. واتّهم الغرب بخلق صراعات في المنطقة. تجنّب بزشكيان الهجوم على ترامب، لكنّه أكّد أنّ مفاوضات عُمان تتمّ “بالتنسيق مع المرشد”.

من خلفيّات الهجوم الإيراني يمكن ذكر الآتي:

  • لم يترك ترامب للقيادة الإيرانية مجالاً حتّى تتجاوز الجانب الضاغط عليها من جولته الخليجية، إذ قال في سلسلة تصريحاته إنّ إيران “ضعيفة”. أوحى بذلك أنّها تخوض المفاوضات معه من موقع تراجع دورها بفعل الوهن الذي أصاب نفوذها الإقليمي جرّاء الضربات الإسرائيلية المدعومة من واشنطن. ذكّرها ذلك بحصيلة ما تعرّضت له من خسائر، سواء باستهداف أراضيها بقصف الدفاعات الجويّة، أو اغتيال إسماعيل هنيّة في عقر دار “حرس الثورة”. وأعاد إلى أذهان القيادة الإيرانية صورة الأضرار الفادحة التي أصابت وما زالت تصيب أذرعها من لبنان إلى اليمن وسوريا، حتّى العراق (بالضغوط السياسية والاقتصادية)، في وقت مارست في الأشهر الستّة الماضية المكابرة نفسها المعتادة عليها. فالمرشد سبق أن قال إنّ “الشرفاء من شعوب المنطقة” والمقاومة “سينتصرون” على أميركا وإسرائيل.

لم يترك ترامب للقيادة الإيرانية مجالاً حتّى تتجاوز الجانب الضاغط عليها من جولته الخليجية، إذ قال في سلسلة تصريحاته إنّ إيران “ضعيفة”

الاعتداد الإيرانيّ بالنّفس… وزمن انقطاع الكهرباء

  • تزامنت جولة ترامب مع تنامي الصعوبات الاقتصادية في الداخل الإيراني، التي تعمّقها عقوبات الإدارات الأميركية المتعاقبة، سواء بفعل برنامجها النووي، أو بفعل اتّهامها بدعم الإرهاب، أو بزعزعة استقرار المنطقة. جاءت تصريحات ترامب فيما عادت أزمة انقطاع الكهرباء على امتداد مساحة بلاد فارس، الغنيّة بمصادر الطاقة غير القابلة للتطوير والاستثمار حتّى الاستهلاك الداخلي بسبب العقوبات. امتلأت الصحافة الإيرانية، بما فيها الأصولية والموالية للتيّار المتشدّد، بالمقالات والتعليقات على الآثار الكارثية لأزمة الكهرباء على الاقتصاد المأزوم أصلاً. اضطرّ رئيس لجنة الصناعات في البرلمان إلى انتقاد “السلطات” لأنّ “أوّل ما تقوم به عند النقص في الكهرباء، هو فصل التيّار عن القطاع الصناعي، وهو ما يؤدّي إلى خسائر فادحة تشمل تقليص فرص العمل، تراجع الصادرات وفقدان الأسواق الخارجية”.

تحدّي الاعتراف بالشّرع

  • أبرز التحدّيات التي رفعها ترامب بوجه طهران اعترافه بالحكم الجديد في سوريا بقيادة أحمد الشرع، حين فاجأ الجميع باجتماعه معه. وإعلانه رفع العقوبات عن سوريا الجديدة من السعودية لا بدّ من أن يثير حفيظة القيادة الإيرانية التي كانت راهنت على أنّ الوضع في بلاد الشام لن يبقى على حاله و”سيتغيّر”، بعد سقوط نظام الأسد الحليف لها. بل ساهمت في دعم تحرّك فلول النظام في الساحل السوري مطلع آذار الماضي. من ارتدادات جولة ترامب تعزيز مكانة تعاون أميركي سعودي تركي على امتداد الخريطة السورية، تتقدّم على الدور الإسرائيلي (من دون أن يعني ذلك التناقض مع تل أبيب)، وتحجب الدورالإيراني.

إقرأ أيضاً: ترامب انحاز لإصرار الرّياض على وحدة سوريا؟

الاستعداد لاعتماد تسمية “الخليج العربيّ”؟

  • تأمل القيادة الإيرانية في أعماقها أن تنال نتيجة الاتّفاق المرجّح مع أميركا على النووي ثمناً في تقاسم النفوذ الإقليمي مع إدارة ترامب. وتتطلّع من موقع القوّة التي كسبتها بفعل قدرتها على المسّ بأمن هذه الدول إلى اتّفاقات مع الدول الخليجية تحفظ لها تأثيرها في الخريطة قيد الإعداد للشرق الأوسط. وسبق لوزير الخارجية عباس عراقتشي أن صرّح باستعداد بلاده لتطوير شراكة اقتصادية مع الولايات المتّحدة. لكنّ الجولة وضعت الرياض والدوحة وأبو ظبي في صدارة النموّ والتقدّم الاقتصادي، مع التزام ترامب الدفاع “عن حلفائنا وشركائنا” الخليجيين ضدّ أيّ تهديد. ذهب ترامب إلى حدّ الاستعداد لتبنّي تسمية “الخليج العربي” بدلاً من “الفارسي”، لولا نصيحة بعض دوائر الدبلوماسية في واشنطن بالتمهّل ريثما تُدرس مفاعيل ذلك قانونيّاً ودبلوماسيّاً.

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

الزيارة الإيرانيّة والزيارات الإسرائيليّة “الجويّة”

لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في…

رسائل عراقجي من بيروت: تفادي الحرب بالتّحضير لها

“نحن جاهزون للتفاوض”، قالها وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي قبل انتهاء زيارته لبيروت وعودته بعد ساعات إلى طهران حيث يستقبل نظيره العُمانيّ، الوسيط مع أميركا،…

إيران لا تسقط من فوق

مع أنّه لا صلةَ مباشرة بين الحدثين، تقارب زمنيّاً اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو مع تصاعد واتّساع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران. لم يستفِق الرئيس الأميركيّ…

الانتفاضة الإيرانيّة تطعن قلب الشّرعيّة الثّوريّة

تعود إيران إلى واجهة الاهتمام مع انتفاضة تبدو مختلفة في عمقها ودلالاتها عمّا سبقها، ليس فقط باتّساع رقعتها الاجتماعيّة، بل باستهدافها المباشر لمرتكزات الشرعيّة الثوريّة…