رسالة إلى أهل زايد: بيروت أولى من طهران والأسد

مدة القراءة 4 د


بعد تغريدة محمد بن زايد لست أدري فعلاً أي الكلام هو الأجدى. في السياسة تتصارع الدول وتتذابح وتتحالف ولا يبقى على حال لها شان. يختصرون فنّ الممكن ويحترفون تدوير الزاويا ويجترحون من الأزمة حلاً، ومن الحلول أزمات. أكثر تلك الدول براغماتية وواقعية ورشاقة هي أكثرها قدرة ونفوذًا واتّساعًا. أما الجامدون في أمكنتهم، فهم قطعًا في مؤخرة الركب وعلى هامش المتحركات والتاريخ.

لكن ثمة قبل كل هذا قيمٌ وأخلاق وثوابت. هي الأساس المؤسّس لكلّ كيان وكلّ أمّة وكلّ دولة.

الإمارات أرادها مؤسّسها أن تصير جوهرة توزّع الجودة على العالم. قبل النفط وبعد النفط. قبل دبي وبعد دبي. قبل الحكومة الرشيدة وبعد ملايين السيّاح من أصقاع الأرض. حملت هذه الدولة جزءًا وفيرًا من رسالة الإنسان، وأرادت به ومعه وعبره أن تحفر اسمها في صدارة القائمة التي تضمّ أزهى الأوطان وأكثرها قدرة على صناعة الأمل وعلى توسيع ثوب السعادة من شعور انساني عابر إلى حقيبة وزارية قائمة بذاتها، وهي حقيبة توازي، بل تتجاوز، أكثر الحقائب أهمية على الإطلاق.

إقرأ أيضاً: مهمّة نصر الله 2020: إعادة جمهوره إلى “العقل” و”الصواب”

محمد بن زايد اقتنص اليوم فرصة التضامن الإنساني ليطمئن عبرها بشار الأسد، ذاك الذي وصفه وغيره من زعماء العرب بأنصاف وأشباه الرجال، وهو قبل ذلك وبعده، سفاحٌ ذبح شعبه وشرده بعد أن أمطره بوابل من الصواريخ والبراميل المتفجرة.

يستند رجل الإمارات القوي في موقفه الحاد كشفرة سكين هذا إلى دور بلاده في مساعدة الأشقاء ونجدتهم أيام المحن، وقد استبق اتصال الدعم لبشار الأسد بشحنة مساعدات وصلت على وجه السرعة إلى طهران، تلك العاصمة التي ما برحت تفاخر باحتلال أشهى عواصم العرب، وما برح نظامها يُهدد بتحويل دبي وأخواتها إلى حفنة من الركام.

كان أهون على بيروت أن تستسلم وتنفض يدها من هموم العروبة وشجونها، لكنّها لم تفعل، بل ظلت على الدوام رأس حربة في كل معارك الكرامة، منذ لوّح لها جمال عبد الناصر بيده وصولاً إلى ربيع دمشق الذي أينع بين راحتيها

لكنّ بيروت الجريحة أولى بالمعروف، وهي تحتاج من ينقذها بينما تواجه واحدة من أعنف أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية على الإطلاق. بيروت التي لا تنسى لدولة الإمارات وقوفها إلى جانبها، وإلى جانب لبنان، دعماً وخيراً، منذ عقود.

يقول محمد بن راشد في مذكراته إنّه كان يحسد بيروت، تلك القطعة البهية النادرة في ذاك الشرق الحزين. أراد لدبي أن تكون على سجيّتها، عاصمةً للحب والنور والثقافة والإنسان والإبداع. لكنّ بيروت هذه اكتسبت معالمها واستحقّت موقعها بعد جلجلة من تجاربها العظام. وهي طالما وقفت في غمرة حكّ الركاب لتقدّم من لحمها الحيّ ما يصلح أن يدرّس في المدارس وفي الجامعات. وسيبقى محفورًا في ذاكرة العرب والتاريخ أنّ أحدًا لم ينتصر لفلسطين كما فعلت. وأنّ أهلها ظلّوا يحفظون ثورتها وقضيتها ورجالاتها بأشفار عيونهم وهم يقفون فوق ركام بيوتهم التي ساوت الأرض.

كان أهون على بيروت أن تستسلم وتنفض يدها من هموم العروبة وشجونها، لكنّها لم تفعل، بل ظلت على الدوام رأس حربة في كل معارك الكرامة، منذ لوّح لها جمال عبد الناصر بيده وصولاً إلى ربيع دمشق الذي أينع بين راحتيها، وإلى الثورة السورية اليتمية التي ستظل أبدًا الحد الفاصل بين الحق وسواه.

هو موقف سياسي قبل أي شيء آخر، أراد محمد بن زايد أن يُلبسه ثوب التضامن الطبيعي بين البشر، لكن فاته أنّ بيروت أولى من طهران وبشّار الأسد، وأنّ بلاده  التي كانت دوماً بوصلة العرب، في محنهم، وقبلتهم حين يحتاجون، لن نصدّق أنّها فضّلت طهران والأسد، على البلاد التي أراد محمد بن راشد أن تشبهها دبي، لأنّ لبنان سيظلّ عاصمةً للحب والنور والثقافة والإنسان والإبداع، وأيضاً عاصمةً للعروبة، قبل الأسد، وقبل طهران.

مواضيع ذات صلة

عن غضبة ياسين جابر: الشّيعة في الحكم… والمسؤوليّة

ستظلّ فورة غضب وزير الماليّة ياسين جابر في مجلس النوّاب، بوجه نائب رئيس المجلس الياس أبو صعب، في الذاكرة طويلاً، باعتبارها اللحظة الفارقة بين تاريخَيْن…

العالم تغيّر: ألوية إندونيسيّة “إسلامية” في غزّة؟

أعلنت إندونيسيا، أكبر دولة إسلاميّة، استعدادات تُجريها لإرسال قوّة من 8 آلاف جنديّ إلى قطاع غزّة. الخبر لافت لأنّه أوّل إعلان رسميّ من دولة مرشّحة…

فرصة النّظام الإيرانيّ… صفر

يعتبر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّ إيران خسرت فرصتها سابقاً عندما تمّ الوثوق بها في ما يتعلّق بنسبة تخصيب اليورانيوم، إذ لم تحترم التزاماتها وتخطّت…

ترامب على خطى القيصر: الدّفع نحو حرب عالميّة!

تتماهى مبادرة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لتغيير النظام العالميّ من جانب واحد مع مبادرة قيصر ألمانيا وليم الثاني لتغيير النظام الدقيق الذي أقامه المستشار فيلهام…