رافق الكثير من الصخب الإعلاميّ انطلاقة مفاوضات سويسرا بين أميركا وإيران، لا سيما من الجهة الإيرانيّة. من مظاهر الصخب الإيحاء بأنّ طهران فرضت عنوان لبنان قبل أيّ بند آخر. رافقه الترويج لاشتراط الوفد الإيرانيّ إنهاء الحرب في لبنان وانسحاب إسرائيل منه وإلّا فسيفشل تنفيذ مذكّرة التفاهم. سبق ذلك إعلان “حرس الثورة” أنّ مضيق هرمز لم يُفتح مقابل تأكيد أميركيّ معاكس. بدا أنّ لهذا الصخب وظيفة التمهيد لما أعلنه الرئيس مسعود بزشكيان متوقّعاً الإفراج عن 6 مليارات دولار من أرصدة بلاده.
في كلّ مرّة يتصدّر التأزّم مسارات التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ لإنهاء الحرب وفروعها في مضيق هرمز ولبنان، يتعيّن على المراقب أن يفتّش عن خلفيّات ذلك بدلاً من الاكتفاء بالإصغاء للتصعيد الكلاميّ.
احتاجت طهران إلى الحصول على المليارات الستّة، على الرغم من أنّها مبلغٌ رمزيٌّ قياساً إلى احتياجاتها (على الأقلّ ثلاثمئة مليار)، لأنّ لها وقعاً داخليّاً ويبعث برسالة إلى الشعب الإيرانيّ بأنّ الوضع المزري الذي يعيشه سيلقى علاجاً عبر استرداد الأرصدة، ويبعث برسالة إلى جمهور ومريدي “حرس الثورة” في لبنان بأنّ طهران ستفي بوعدها التعويض عن النكبة التي أصابت لبنان بسبب التحاق “الحزب” بقرار “الحرس” مواجهة الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران، ويبعث برسالة من المفاوض الإيرانيّ إلى “الحرس” الذي اعترض على قبول فتح مضيق هرمز من دون أثمان لذلك.
يختصر التفاخر الإيرانيّ بالحصول على هذا المبلغ الزهيد ما يدور في الداخل الإيرانيّ في شأن التفاوض مع أميركا.
غالباً ما يعود الإصرار الإيرانيّ على ضمان وقف النار في لبنان، والتهديد بقصف شماليّ إسرائيل إلى ادّعاء إسرائيل التهيّؤ لضرب مواقع توجد فيها وحدات لـ”حرس الثورة”. تفيد المعطيات أنّ هذه الحال كانت عندما أنذر الجيش الإسرائيليّ سكّان ضاحية بيروت في الأوّل من حزيران، وحالت واشنطن دون قصفها، ثمّ عند محاولة السيطرة على تلّة عليّ الطاهر في مدينة النبطيّة.
يختصر التفاخر الإيرانيّ بالحصول على هذا المبلغ الزهيد ما يدور في الداخل الإيرانيّ في شأن التفاوض مع أميركا
الدّاخل الأميركيّ بمواجهة الدّاخل الإسرائيليّ؟
تتشابك الظروف الداخليّة في كلّ من أميركا وإيران مع المواقف من القضايا الجوهريّة التي عليهما الاتّفاق عليها وفق مذكّرة التفاهم. يضاف إليهما موقع إسرائيل من مقاربة هذه القضايا، بعدما بات الوضع الداخليّ لبنيامين نتنياهو، الذي بلغ درجة جديدة من الاهتزاز، قضيّة داخليّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، سواء في الإدارة أو في الكونغرس.
كشف دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس مدى التباعد مع نتنياهو بحيث يمكن الحديث عن تحوّل في المزاج الأميركيّ حيال التحالف الأعمى مع الدولة العبريّة، التي عارضت إعطاء فرصة فعليّة للمفاوضات مع طهران. يستدير رئيس الوزراء الإسرائيليّ نحو غزة والضفة الغربيّة خلال الوقت المستقطع الذي يستغرقه مسار “بيرغنشتوك” في سويسرا، ويسلّف ترامب وقفاً للنار في لبنان، مع بعض الانسحابات من شمال نهر الليطاني.
لبنان نموذج للحدّ من الخسائر؟
يراهن نتنياهو على اللوبي اليهوديّ في واشنطن لتعديل موقف الإدارة، لا سيما في شأن العمليّات العسكريّة في لبنان، لكنّ مسار التفاوض على إنهاء الحرب في جنوبه بات يضع الدولة العبريّة في موقف حرج بعدما أبدى الحكم اللبنانيّ استعداداً لترتيبات أمنيّة على أراضيه تقوم على مبدأ عدم الاعتداء بين الدولتين.

هذا يقود إلى وضع آليّة لوقف تهديد طهران لأمن إسرائيل، بشكل يسهّل استدراجها إلى تجديد حربها على لبنان، على شاكلة ما حصل في حربَي إسناد غزّة ثمّ الثأر لخامنئي اللتين أنتجتا كارثة إنسانيّة واقتصاديّة غير مسبوقة. لا مفرّ من اضطرار طهران، وهي تعمل لوضع حدّ للخسائر الهائلة التي تعرّضت لها في الحرب، ولخسائر “الحزب” الضخمة في لبنان، إلى القبول بمقاربة عدم الاعتداء بين لبنان وإسرائيل، عبر مبدأ حصر السلاح في شكل تدريجيّ.
رافق الكثير من الصخب الإعلاميّ انطلاقة مفاوضات سويسرا بين أميركا وإيران، لا سيما من الجهة الإيرانيّة
مسار واشنطن وتسليم “الحزب” بانتشار الجيش
شكّل مسار برغنشتوك خليّة عليا أميركيّة – إيرانيّة – قطريّة -لبنانيّة لتثبيت وقف النار في لبنان، وأرضى طموح طهران إلى الحفاظ على دورها اللبنانيّ. تسابق مسار واشنطن التفاوضيّ. قد تعتبر طهران الخليّة تعويضاً عن القوّة العسكريّة لدورها في لبنان لمصلحة “القوّة الناعمة” القائمة على نفوذها داخل الطائفة الشيعيّة. ما أتاح التوصّل إلى هذا الاحتمال هو إعلان الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، في معرض إصراره على الانسحاب الإسرائيليّ، أن لا قوّة تنتشر في الجنوب إلّا الجيش اللبنانيّ. تزامن ذلك مع زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لمدينة النبطيّة إيذاناً بتهيّؤ الجيش للقيام بالمهمّة.
اتّصل نائب الرئيس جي دي فانس بالاشتراك مع رئيس الوزراء القطريّ محمّد بن عبدالرحمن آل ثاني والمفاوض الأميركيّ جاريد كوشنير بالرئيس جوزف عون لإبلاغه بتشكيل تلك الخليّة، وشكّل هذا الاتّصال رسالةً بأنّ ترجمة أيّ خطوات عمليّة بشأن لبنان تتّصل بمسار واشنطن التفاوضيّ. هناك سيتمّ تحديد الخطوات العمليّة، بمشاركة الدولة اللبنانيّة وحدها، لانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش وانكفاء “الحزب”. وهذا ما يشير إليه إبلاغ عون لفانس ترحيبه بأيّ جهد لإنهاء الحرب، وأن “لا أحد يفاوض عنّا”.
تتشابك الظروف الداخليّة في كلّ من أميركا وإيران مع المواقف من القضايا الجوهريّة التي عليهما الاتّفاق عليها وفق مذكّرة التفاهم
تنازل طهران “وجهاً لوجه”
في طهران، اعتبر المحلّلون الإيرانيّون أنّ مذكّرة التفاهم ليست خاتمة للمواجهة، بل بداية مرحلة شديدة التعقيد من الصراع السياسيّ والاستراتيجيّ بين الطرفين. ومع تشديد الدعاية الإيرانيّة على أنّ الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التفاهم مؤشّر إلى فشل استراتيجية الضغط القصوى، يقرّ هؤلاء بأنّها لم ترقَ بعد إلى إحداث تحوّل استراتيجيّ دائم في علاقات البلدين.
إقرأ أيضاً: إقحام ترامب دمشق: أفكار “تجريبيّة” عن لبنان
يصبح إعلان المرشد مجتبى خامنئي أنّ “المفاوضات وجهاً لوجه لن تعني قبول رأي العدوّ”، وفق منطق الرمزيّة الإيرانيّة، تسليماً علنيّاً بالتفاوض المباشر الذي يمهّد لتنازلات في العناوين الجوهريّة. إلّا أنّ الشقّ الثاني من العبارة يحتفظ بمطالب طهران من ترامب التي يراد منها الحفاظ على مكتسبات المرحلة السابقة. يتجاوز هذا كلّه التعبئة الدعائيّة عن “هزيمة أميركا” و”الانتصار الأميركيّ” لمصلحة توجّه براغماتيّ. تريد طهران أخذ كبريائها بالاعتبار. لذلك دعا محمّد باقر قاليباف الأميركيّين إلى أن يكونوا حذرين “في تصريحاتهم”.
لمتابعة الكاتب على X:
