أول قراءة سعودية في تعهدات مذكرة التفاهم

مدة القراءة 4 د

تؤكد مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية صحة وصف الدبلوماسيين الإيرانيين بأنهم مفاوضون من طراز استثنائي. فنحن أمام انتصار تفاوضي إيراني بامتياز، مقابل أكبر فشل في تاريخ الدبلوماسية الاميركية.

هذا غير مستغرب حين نعلم أنّ من قاد المفاوضات عن الجانب الإيراني هو عباس عراقجي، مؤلف كتاب “قوة التفاوض” الذي يُدرّس في الجامعات، في مواجهة فريق يقوده مطور عقاري، ستيف ويتكوف، مع غياب واضح لوزارة الخارجية الاميركية عن إدارة هذا الملف.

لبيان الانتصار الإيراني، يكفي التوقف عند كلمة واحدة في النص: “تتعهد”. فقد وردت ثماني مرات؛ ست مرات في سياق تعهدات أميركية منفردة، ومرتين فقط في سياق تعهدات مشتركة. وفي المقابل، لا يتضمن الاتفاق أي تعهد إيراني منفرد في ملف جوهري.

‏تتمثل التعهدات الأميركية المنفردة فيما يلي:

‏- تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من محيط إيران خلال 30 يوماً بعد الاتفاق النهائي.

‏- تتعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين بتمويل إعادة إعمار وتنمية إيران بـ300 مليار دولار.

‏- تتعهد الولايات المتحدة بإنهاء جميع أشكال العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك العقوبات الدولية والأميركية.

‏- تتعهد الولايات المتحدة بإصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية والمشتقات وجميع الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل.

‏- تتعهد الولايات المتحدة بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة للاستخدام الكامل.

الاتفاق

‏- تتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لتمكين إيران من استخدام تلك الأموال والأصول.

‏لا تقتصر المكاسب الإيرانية على هذه التعهدات. فالنص يتضمن مكاسب إضافية مهمة، منها:

‏- الاعتراف بدور إيراني في إدارة مضيق هرمز. أما الإشارة إلى التشاور مع دول الخليج فهي محاولة خبيثة لإضفاء شرعية خليجية على إدارة إيران للمضيق.

 أسوأ ما في الاتفاق، من منظور خليجي، فهو تحميل الشركاء الإقليميين تكلفة إعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني

‏- عدم فرض عقوبات أميركية جديدة خلال مرحلة التفاوض.

‏- عدم نشر قوات أميركية إضافية في المنطقة خلال مرحلة التفاوض. منح إيران ضمانات قانونية ودولية إضافية من خلال اعتماد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي.

‏- بقاء المواد المخصبة داخل إيران والاكتفاء بخفض درجة التخصيب، بدلاً من إخراجها من البلاد.

‏- الاكتفاء بإعادة تأكيد إيران موقفها التقليدي الذي سبق أن أعلنته مراراً ولا قيمة له بعدم سعيها لحيازة أو تطوير أسلحة نووية.

‏- منح إيران مكسباً سياسياً وإعلامياً من خلال إصرارها على تضمين أمن لبنان وسلامة أراضيه في الاتفاق، بما يسمح لها بتقديم نفسها بوصفها طرفاً ساهم في حماية لبنان. كما أن إدراج لبنان في الاتفاق يمثل اعترافاً عملياً بمنطق “وحدة الساحات” الذي اعتمدته طهران في إدارة الصراع.

إقرأ أيضاً: مذكّرة التّفاهم: فرصة لـ”الحزب” أم لإسرائيل؟

‏أما أسوأ ما في الاتفاق، من منظور خليجي، فهو تحميل الشركاء الإقليميين تكلفة إعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني. مقابل الاعتداءات الإيرانية عليها وما نتج عنها من خسائر تقدر بمئات المليارات بالنظر إلى تأثيرها في صورتها كدول مستقرة وجاذبة للاستثمار والسياحة، يُطلب منها الآن أن تكافئ المعتدي وتساهم في إعادة إعماره. واستراتيجية لافتة.

 

‏*عضو مجلس الشورى السعودي سابقاً، واستاذ مشارك للعلوم السياسية في جامعة الملك سعود سابقاً، ومستشار اول لمركز الخليج للدراسات حالياً.

مواضيع ذات صلة

العرب يدفعون فاتورة الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ!

يعتقد الرئيس دونالد ترامب أنّ تدخّلاته في غزّة ولبنان وإيران هي من أكبر انتصاراته، لكنّ هناك تقارير تحذّر من أنّ هذا التدخّل سيكون المقتل السياسيّ…

مذكّرة التّفاهم: فرصة لـ”الحزب” أم لإسرائيل؟

طرأت متغيّرات كبيرة خلال أقلّ من أسبوع على المشهد بين أميركا وإيران، وبين “الحزب” والدولة اللبنانيّة. وقِّعت مذكّرة التفاهم بين واشنطن وطهران اللتين راحتا تتفاوضان…

الصّخب في سويسرا والدّفع في مصارف إيران

رافق الكثير من الصخب الإعلاميّ انطلاقة مفاوضات سويسرا بين أميركا وإيران، لا سيما من الجهة الإيرانيّة. من مظاهر الصخب الإيحاء بأنّ طهران فرضت عنوان لبنان…

الفصائل العراقيّة بين الاندماج والعزلة السّياسيّة

هل دخل العراق فعليّاً مرحلة حصر السلاح بيد الدولة؟ هل تمثّل خطوات رئيس الوزراء عليّ الزيديّ بداية مسار طويل لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفصائل…