يعيش الرئيس العماد جوزف عون منذ أسابيع أصعب وأدق أيام حياته. بعد يوم عمل طويل وشاق يبدأ من ساعات الصباح المبكرة، يتابع فيها أحوال أسرته، جدول أعماله اليومي، تقارير المتابعة اليومية أمنياً في الجنوب، مالياً الاحتياطي النقدي، الأداء الحكومي، احتياطات الطاقة، المحروقات والسلع الأساسية. يعود لفتح ملف الملفات، الشغل الشاغل الضاغط، وهو ملف العدوان الإسرائيلي على أرض بلاده وعمليات “الحزب” على جبهة القتال.
يدرك الرئيس عون أنّ مثلث واشنطن – تل أبيب – طهران الحاكم في هذه الأزمة هو مثلث معقد في إدارته، صعب في تفاصيله، ويصعب الثقة في زعامات. كما يدرك أن كلاً من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يريد هزيمة نهائية صفرية عل إيران و”الحزب”. ويدرك أيضاً أنّ إيران بتاريخها، بعقيدتها، بتشددها المذهبي لا تقبل الاستسلام، ولا تعترف بالهزيمة التي تجعلها تقدم تنازلات كبرى أمام شعبها وجمهورها ووكلائها في المنطقة.
وسط رغبة نتنياهو في فرض الأمن عبر الاحتلال، ورغبة ترامب في ألا يعطّل الوضع في لبنان صفقة مع إيران، وفي ظل استمرار رغبة طهران في بقاء “الحزب” قوّة معطلة عابرة للسيادة اللبنانية على لبنان، يدخل عون في نفق حوار المفاوضات الصعب والشائك، المليء بالشروط والتفاصيل المعقدة والنوايا الشريرة غير الصادقة للتوصل إلى اتفاق.
يعيش الرئيس العماد جوزف عون منذ أسابيع أصعب وأدق أيام حياته. بعد يوم عمل طويل وشاق يبدأ من ساعات الصباح المبكرة، يتابع فيها أحوال أسرته
مبادىء التفاوض
وضع الرئيس عون لفريق المفاوضين مبادئ أساسية، كلها جوهرية ومبدئية ولا يمكن التفريط أو التنازل في أي منها، بمعنى أنها مبادئ غير قابلة للمقايضة. وهي:
– إيقاف كامل لإطلاق النار براً وبحراً وجواً.
– انسحاب إسرائيلي كامل من كافة الأراضي اللبنانية. التي تم احتلالها منذ بدء العمليات.
– عودة كل النازحين إلى ديارهم.
– بدء عملية الإعمار.
– عودة الأسرى.
هذه الشروط الخمسة لا تنازل عنها، وهي مسألة جوهرية تمثل شرطاً واضحاً وضعه الرجل أمام الرئيس ترامب. يدرك عون بأنّ الحصول على كافة مطالب بلاده غير منقوصة يجب أن يكون له ثمن، وأن يكون له -كما هو الحال في الفكر الرأسمالي الأنغلوسكسوني- فاتورة يجب أن يتم دفعها.
من هنا يرى الجنرال المخضرم الدارس لعلوم الحرب ومكافحة الارهاب والعلوم السياسية ولديه خبرة عملية واسعة في ادارة الرجال والملفات، أنّ الإطار المناسب لظروف لبنان والمنطقة وطبيعة الأوضاع، هو نوع من الاتفاق الأمني الذي يمنع العدائيات بين الأطراف.
يؤمن الرجل بأنّ الهدف والاستقرار المؤدي إلى سلام نسبي على الجبهة اللبنانية لا يعني القفز إلى سلام كلي أو تطبيع كامل للعلاقات. ولا يخفى عليه أن هناك ارتباطاً شرطياً من ناحية التأثير المتبادل بين ملف المفاوضات الإيرانية الأميركية والوضع في لبنان؛ حيث يدرك الرجل تماماً أن إيران، في حالة التسوية مع الولايات المتحدة، قادرة على ضبط سلوك “الحزب” وتحويله من قوّة خارج سلطة الدولة إلى قوة سياسية تحت سقف الدولة والحكومة والنظام.
لا مساومة على السيادة
يرفض الرجل بشكل قاطع ونهائي، غير قابل للمساومة، أن يكون هناك استمرار لحالة الدولة الموازية التي يمثلها “الحزب” ونفوذه. فالقبول الوحيد لمشروع جوزف عون هو قرار سيادي واحد ووحيد لحكومة شرعية تعمل عبر برلمان ديموقراطي لا وجود فيها لثنائية البنادق.
تعتمد صلابة الرجل في قراره، في الأساس، على دعم الشارع المسيحي الماروني، وعلى السنة والدروز والشيعة المعتدلين، بالإضافة إلى دعم عربي صريح ودعم فرنسي أكثر وضوحاً، ودور نشط من الرئيس الأميركي.
لعب الرئيس عون دوراً هاماً ومحورياً في تغذية فكرة أنه لا سلام ولا تسوية في المنطقة من دون استقرار الوضع في لبنان، ووجود حكم مستقل وحر وسيادي في لبنان، وهذا لا يمكن أن يتم من دون دعم قوي وتدخل إيجابي من الرئيس ترامب في منع إسرائيل من التدمير والتصعيد العسكري، ومنع إيران من التصعيد الأمني والسياسي ضد سيادة الدولة والحكومة والدستور في لبنان.
جوزف عون ليس طائفياً، وهو يحمل على كاهله مسؤولية أهل مدن الجنوب والضاحية من الطائفة الشيعية الكريمة، ويعمل ليل نهار على تهيئة الاتفاقات ثم الوسائل والإمكانيات لعودتهم إلى ديارهم وإعادة الإعمار.
لا تتوقف خطط الرجل فقط على اتفاق المبادئ مع إسرائيل تحت سقف الرعاية والمشاركة الأميركية، ولكنه سيتحرك دولياً نحو عقد أكبر مؤتمر لإعادة إعمار لبنان، بالتركيز على ما تم تدميره في الجنوب والضاحية.
تأثير القرار السعودية على المزارعين الشيعة
فى لقائه مع المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان، أكد عون أن قرار ولي العهد السعودي بالاستجابة لطلبه وطلب رئيس الحكومة نواف سلام، بعودة الصادرات اللبنانية إلى الأسواق السعودية كان له آثار إيجابية للغاية في الأسواق اللبنانية، وخاصة لدى المزارعين اللبنانيين الذين تمثل فيهم الطائفة الشيعية الكتلة الغالبة.
يدرك عون بأنه لا يمكن تجاهل أي مكون طائفي في أي قرار رئيسي أو سيادي يخص مستقبل لبنان. فهدفه الأساسي هو إنقاذ لبنان، كل لبنان، بكل طوائفه وكل مكوناته، ويريد أن يدخل التاريخ على أنه جاء بالاستقلال الوطني الكامل للبنان، عهد يبدأ بتحرير القرار الوطني وينتهي بتحرير كامل التراب الوطني.
يدرك الرجل أنّ علاقاته الشخصية والموضوعية مع رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وقائد الجيش وحاكم البنك المركزي هي قواعد أساسية في نجاح الحكم وإصلاح العهد بالشكل الذي يحلم به. سقف حلم جوزف عون لا حدود له.
جوزف عون ليس طائفياً، وهو يحمل على كاهله مسؤولية أهل مدن الجنوب والضاحية من الطائفة الشيعية الكريمة، ويعمل ليل نهار على تهيئة الاتفاقات ثم الوسائل والإمكانيات لعودتهم إلى ديارهم وإعادة الإعمار
رغم ذلك هو يدرك جبال العقبات والاشكاليات التي تفرض نفسها عليه وكلها تحديات موروثة لم يصنعها عهده لكنها فاتورة تاريخية مؤجلة منذ أكثر من 60 عاماً ارتهن فيها القرار الوطني في لبنان لإرادات غير لبنانية.
الشريك نبيه برّي
يريد الرجل أن يكون الرئيس اللبناني الذي جاء بإرادة لبنانية كي يستعيد الاستقلال لبلاده. يذهب مؤخراً إلى فراشه متألماً بسبب فداحة فاتورة حرب الإسناد الأخيرة التي خلفت أكثر من 4000 شهيد، وأكثر من 13 ألف جريح، وأكثر من مليون ومائتي نازح، فضلاً عن فاتورة خسائر قد تصل إلى 30 مليار دولار، في ظل اقتصاد مترهل ونظام مصرفي ضعيف، واقتصاد إقليمي يعاني بقوة بسبب الحرب الأخيرة.
يسأل الرجل نفسه ليل نهار في هذه الأيام: كيف سيتم تدبير إعادة الإعمار، وإصلاح اقتصاد البلاد، واقتصادات الأصدقاء العرب والحلفاء في العالم تعاني أصلاً من تباطؤ في النمو وصعوبات في تدبير الموارد؟
إقرأ أيضاً: “قطار الحبرِ” بين واشنطن و”الحزب”: صفيّ الدّين إلى الواجهة
الملف الشائك هو التحدي الأكبر له، لذلك يحاول من خلال “الشريك” نبيه بري أن يستفيد من حكمته وخبرته في ضبط سلوك “الحزب”، بحيث يكون داخل منظومة سيادة العهد في لبنان وليس أداة في يد نظام الولي الفقيه في طهران.
الرجل يحارب على مائة جبهة وجبهة، ويعاني من مئات الملفات المعقدة التي ورثها. إلا أنه يتصرف بثبات الجنرال المقاتل الذي يتسم بالبراغماتية والسياسة الواقعية، حتى إن رسالة ماجستير كُتبت عن براغماتية أدائه العسكري اليومي الذي يعتمد على الكفاءة في الإنجاز، وعلى أساس القدرة على التسامح رغم ندرة الموارد وصعوبة التحديات.
خلاصة فلسفة جوزف عون أنّ أمامه احتمالين لا ثالث لهما: أن ينجح… أو أن ينجح أيضاً!
