طويلة على رقبتكن

مدة القراءة 5 د

بات أيتام المحور يعيشون في كوكب منفصل. كانت آخر التحديثات التي طرأت على سرديّتهم عقب حرب تمّوز عام 2006، وهم مذّاك يعيشون في فقاعة من الأوهام. لم ينتبهوا بعدُ إلى أنّ العالم كلّه تغيّر. وأنّ المنطقة برمّتها انقلبت رأساً فوق عقب. وأنّ الناس صارت تنظر إليهم إمّا بعين الشماتة وإمّا بعيون الشفقة، أو بمنزلة تتوسّط المنزلتين، لكنّ أحداً ما عاد يرتعد من صراخهم، أو يأبه لتهديدهم، أو يخضع لابتزازهم.

 

توقّف زمن “الحزب” عند السيّد حسن. لا يريدون لهذه اللحظة أن تمضي. والأرجح أنّهم لا يستطيعون تجاوزها. الرجل الذي صعد بهم إلى ارتفاعات شاهقة في حياته، جعلهم يلتصقون بالأرض حين هوى، وما كان بيدهم حيلة سوى النكران، ينكرون واقعاً لا فكاك منه، ويهربون من الخيبة نحو الاستنساخ أو الافتعال، بحيث يصير الواحد منهم مدعاة للشفقة أو السخرية، تماماً كما لو أنّ العالم كلّه يرى السواد الحالك في ما يُصرّون أنّه ناصع البياض.

بات أيتام المحور يعيشون في كوكب منفصل. كانت آخر التحديثات التي طرأت على سرديّتهم عقب حرب تمّوز عام 2006، وهم مذّاك يعيشون في فقاعة من الأوهام

متناظرتان في الإجرام

لم يدرك “الحزب” بعدُ عمق الكبوة الرهيبة التي نزلت به لحظة اغتيال أمينه العامّ، لكنّ الكثرة الكاثرة من الناس باتت ترى ذلك بأمّ العين، من خطابات الشيخ نعيم المنفصلة تماماً عن أيّ واقع حقيقيّ أو مفترَض، إلى تصريحات قادته وكوادره وسياسيّيه وإعلاميّيه، الذين يتحدّثون جميعهم بلغة واحدة، وهي اللغة الحربيّة نفسها التي أدمنوا استخدامها وتوزيعها على الدوام، والفارق أنّ صانع اللغة صار في ذمّة الله، وأنّ الورثة من بعده لم يلحظوا أنّها باتت خاوية تماماً من أيّ أثر وأيّ مضمون.

حين يخرج شخص من عيار “موزون” ليهدّد رئيس الجمهوريّة بمصير مشابه لمصير أنور السادات، على خلفيّة فصل المسارات وذهاب لبنان نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل، لا نكون أمام موقف سياسيّ طبيعيّ، بل أمام انفصام كامل وجنون موصوف، وأمام تهديد مباشر بالقتل، ولو أنّ هذا الاستحضار الرهيب قد تمّ تغليفه بالقول إنّ الشعوب انتفضت، والعرب قاطعوه وعزلوه.

ينسى “الحزب”، أو يتناسى، أنّ المنطقة التي يتحدّث عنها لم تعد هي نفسها التي كانت في زمن السادات. حليفه بشّار الأسد قتل من شعبه أكثر ممّا قتلت إسرائيل من العرب أجمعين، والمشروع الإيرانيّ تمدّد فوق بحر من الدم، بينما كانت طهران تتباهى علناً بالسيطرة على أجمل وأشهى عواصم وحواضر العرب.

لم يعد ممكناً اختزال الصراع في ثنائيّة خشبيّة مُعلّبة لا تعكس حقيقة ما يجري على الإطلاق، لأنّ جزءاً كبيراً من الشعوب العربيّة باتت ترى أنّ إيران وحلفاءها وأذرعها وسياساتها لا تقلّ إجراماً عن إسرائيل، بل ربّما تتقاطع معها في أدوات القمع والتوسّع والهيمنة، وهذه ليست قراءة تبريريّة، بل خلاصة تجربة مريرة عاشتها شعوب بأكملها على مدى عقدين ونيّف، من بغداد وصنعاء، إلى دمشق وبيروت.

لو أنّ المواطن اللبنانيّ لم يختبر بنفسه بطش النظام السوريّ، من عهد حافظ إلى عهد بشّار، ثمّ بطش “الحزب” منذ اغتيال رفيق الحريري حتّى الأمس القريب، لكان ملأ الساحات لحظة انتشار صورة اللقاء المباشر في واشنطن، لكنّه بات يدرك في عميق عميقه أنّه دفع ويدفع ثمن الصراع بين دولتين متناظرتين في الإجرام، وما ينطبق على اللبنانيّ ينطبق على السوريّ وعلى عموم العرب، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة إسرائيل المتوحّشة وسندان إيران التي لا تقلّ توحّشاً.

لم يدرك “الحزب” بعدُ عمق الكبوة الرهيبة التي نزلت به لحظة اغتيال أمينه العامّ، لكنّ الكثرة الكاثرة من الناس باتت ترى ذلك بأمّ العين

الاعتراف لا الهروب

إصرار “الحزب” على بثّ الضغائن ونبش الأحقاد والتلويح بلعبة الشارع، كما التلويح بمصير السادات، هو في الحقيقة استمرار لهزيمة مدوّية ومركّبة، ومؤشّر واضح إلى انعدام الرشد السياسيّ في لحظة تاريخيّة لم تعد تحتمل هذا النوع من الأدوات. المجتمعات تغيّرت، الوعي تغيّر، والتوازنات تغيّرت، ومن يصرّ على العيش في زمن مضى فسيجد نفسه عاجزاً عن فهم الحاضر، وعن التأثير في المستقبل.

من لا يقرأ هذه التحوّلات محكوم بأن يبقى أسير خطاب ماضويّ لن ينتج إلّا مزيداً من العزلة. بشّار هرب، وسوريا باتت في موقع مختلف. لم يعد لديكم حليف في الداخل. حتّى الأخ الأكبر نفض يده من عظيم موبقاتكم، فصرتم تعيشون في عزلة موصوفة في الداخل وفي الخارج. أبواب الخليج والعرب موصدة بوجهكم، وأبواب العالم أيضاً. وأنتم، فوق ذلك كلّه، لا تتعلّمون ولا تتّعظون، بل تمعنون أكثر في سياسة التهديد والوعيد والتخوين، وتصرّون على معزوفة تحسّس الرقاب، بعيداً من أيّ عقل أو حكمة أو منطق أو تبصّر. لقد خسرتم كلّ شيء، وما عاد أمامكم سوى أن تتواضعوا، وأن تعيدوا وصل ما انقطع مع اللبنانيّين، وأن تكونوا جزءاً من الدولة وتحت سقفها ومظلّتها، بعيداً من العنتريّات الفارغة التي أوصلتكم إلى قعر الجحيم.

إقرأ أيضاً: الحزب: النقاش حول الدور الإيراني فعل الخيانة

الخوف الذي حاولتم زرعه لسنوات سقط وانتهى. والرهبة التي بنيتم عليها خطابكم صارت ماضياً مضى. لم يعد بإمكانكم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فنحن في عزّ قوّتكم وسطوتكم، لم نخَف منكم، ولا من تهديداتكم، ولا من تخوينكم، ولا من بطشكم. وقفنا بوجهكم ووجه مشروعكم حين كان الوقوف ثمنه القتل والدم، لم نتراجع حينها ولن نتراجع اليوم. من يراهن مجدّداً على إخافة الناس أو إخضاعهم، فإنّما يراهن على معادلة سقطت. أمّا المستقبل، فسيكتبه أولئك الذين يملكون شجاعة الاعتراف بالتحوّلات، لا أولئك الذين يهربون منها.

تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. نخضع جميعاً لمنطق الدولة التي نستظلّها. أمّا الإصرار على إخضاعنا بمنطق الشتائم والتهديد والوعيد للرئيس جوزف عون وقبله لنواف سلام، فطويلة على رقبتكن.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@kassimyousef

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…