ماذا فعل زيلينسكي في المنطقة؟

مدة القراءة 7 د

لم تكن تحرّكات الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي نحو المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر ثمّ الأردن جولة سياسيّة اعتياديّة ضمن مساعي كسب الدعم الدوليّ وحسب، بل تعبير واضح عن تحوّل عميق في مفهوم الأمن الدوليّ وطبيعة التحالفات العسكريّة في القرن الحادي والعشرين. جاءت زيارة زيلينسكي للخليج العربيّ في لحظة إقليميّة تتقاطع فيها أزمات الطاقة، وتتصاعد تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، واحتمالات انزلاق الشرق الأوسط إلى نمط جديد من صراع طويل الأمد يشبه إلى حدّ كبير حرب الاستنزاف التي خاضتها أوكرانيا ضدّ روسيا.

 

لا تكمن أهميّة هذه الجولة في بُعدها الدبلوماسيّ فقط، بل في كونها تعكس انتقال أوكرانيا من دولة تتلقّى الدعم العسكريّ إلى دولة تصدّر خبرة أمنيّة أصبحت مطلوبة عالميّاً. لم تنتج الحرب الأوكرانيّة توازنات سياسيّة جديدة فقط، بل أفرزت معرفة قتاليّة عمليّة لكيفيّة مواجهة الحروب غير المتكافئة، وهي المعرفة التي تبحث عنها اليوم دول الخليج والأردن في ظلّ بيئة أمنيّة متغيّرة بسرعة.

خلال سنوات الحرب، تحوّلت أوكرانيا إلى مختبر حيّ للحرب الحديثة. لم تعد المعارك تعتمد على الجيوش الثقيلة وحدها، بل على الطائرات المسيّرة المنخفضة الكلفة، الصواريخ الدقيقة، الحرب الإلكترونيّة، والهجمات المتكرّرة التي تستهدف الاقتصاد والبنية التحتيّة أكثر ممّا تستهدف السيطرة الجغرافيّة. جعلت هذه التحوّلات التجربة الأوكرانيّة ذات صلة مباشرة بأمن الشرق الأوسط، حيث تواجه دول المنطقة تهديدات مشابهة تعتمد على الأدوات نفسها تقريباً.

التّحدّي ليس تقليديّاً

بالنسبة لدول الخليج، لم يعد التحدّي العسكريّ تقليديّاً. يمكن أن تُحدث الهجمات المحدودة باستخدام المسيّرات تأثيراً اقتصاديّاً واستراتيجيّاً يفوق أحياناً نتائج العمليّات العسكريّة الكبرى. هنا تحديداً تظهر قيمة التعاون الدفاعيّ مع أوكرانيا، التي اضطرّت إلى تطوير منظومات مرنة تجمع بين الدفاع الجوّيّ التقليديّ والحلول التكنولوجيّة السريعة، بما في ذلك التشويش الإلكترونيّ وأنظمة الإنذار المبكر وإدارة الهجمات المتزامنة.

، ترى المملكة السعوديّة والإمارات وقطر في التجربة الأوكرانيّة فرصة لاكتساب معرفة حديثة للغاية في مواجهة الهجمات المركّبة

يمثّل هذا التشابه في طبيعة التهديدات الأساس الحقيقيّ للتقارب بين كييف ودول الخليج. لا يُفهم التعاون الدفاعيّ المطروح بوصفه صفقة تسليح جديدة، بل تبادل خبرة في كيفيّة إدارة حرب طويلة منخفضة الحدّة، وهي الحرب التي يخشى كثير من الخبراء أن تصبح النموذج السائد في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

بدوره يحمل توقيت تحرّك زيلينسكي دلالات استراتيجيّة واضحة. غيّر التقارب العسكريّ بين روسيا وإيران خلال الحرب الأوكرانية نظرة كييف إلى حدود الصراع. من المنظور الأوكرانيّ، لم تعد الحرب محصورة في أوروبا الشرقيّة، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات الأمنيّة العالميّة. السلاح الذي استُخدم ضدّ المدن الأوكرانيّة هو نفسه الذي يهدّد مدناً ومنشآت حيويّة في الشرق الأوسط، وهو ما جعل التعاون مع دول الخليج والأردن يبدو امتداداً طبيعيّاً لمعركة أمنيّة واحدة وإن اختلفت ساحاتها.

فرصة لاكتساب خبرة عمليّة..

في المقابل، ترى المملكة السعوديّة والإمارات وقطر في التجربة الأوكرانيّة فرصة لاكتساب معرفة حديثة للغاية في مواجهة الهجمات المركّبة. لم تعد الدفاعات التقليديّة المصمّمة لاعتراض الصواريخ الكبيرة كافية وحدها أمام أسراب المسيّرات الصغيرة. أثبتت الحرب الأوكرانيّة أنّ المرونة وسرعة التكيّف أصبحتا أهمّ من التفوّق العسكريّ الكلاسيكيّ، وهو درس استراتيجيّ تحاول دول المنطقة استيعابه مبكراً.

زيلينسكي

تنظر المملكة السعوديّة إلى التعاون الدفاعيّ من زاوية حماية أمن الطاقة العالميّ، إذ أصبحت منشآت النفط والغاز أهدافاً استراتيجيّة في الحروب الحديثة. أمّا الإمارات فتتعامل مع الملفّ ضمن رؤيتها لتطوير الصناعات الدفاعيّة المتقدّمة والاعتماد على الذكاء الاصطناعيّ في الأمن العسكريّ، بينما تسعى قطر إلى تعزيز أمن بنيتها التحتيّة الحيويّة وتوسيع شبكة علاقاتها الأمنيّة المتعدّدة الاتّجاهات. على الرغم من اختلاف الدوافع، يجمع هذه الدول هدف واحد يتمثّل في بناء منظومة ردع قادرة على التعامل مع تهديدات مستمرّة لا مع حرب قصيرة قابلة للحسم السريع.

جاءت زيارة زيلينسكي للخليج العربيّ في لحظة إقليميّة تتقاطع فيها أزمات الطاقة

تضيف زيارة الأردن بعداً جغرافيّاً مهمّاً لهذه المعادلة. تقع المملكة عند نقطة تقاطع أمن الخليج والمشرق، وتمتلك خبرة طويلة في التنسيق العسكريّ الدوليّ. قد يتحوّل التعاون الدفاعيّ هناك إلى منصّة إقليميّة لتبادل المعلومات والتدريب المشترك، وهو ما يعزّز فكرة تشكّل شبكة أمنيّة مرنة تتجاوز العلاقات الثنائيّة التقليديّة.

بالنسبة لأوكرانيا، تحمل هذه الاتّفاقات أبعاداً تتجاوز الأمن العسكريّ. الانفتاح على الخليج يمنحها عمقاً اقتصاديّاً وسياسيّاً مهمّاً في مرحلة تسعى فيها إلى إعادة بناء اقتصادها وتعزيز موقعها الدوليّ، ويسمح لها بإعادة تعريف صورتها العالميّة، من دولة تعتمد على المساعدات الغربيّة إلى شريك أمنيّ قادر على تقديم خبرة عمليّة لدول أخرى.

تحوّل في طبيعة التّحالفات

يعكس ما يحدث اليوم تحوُّلاً أوسع في طبيعة التحالفات الدوليّة. لم تعد الدول تبني شراكاتها فقط على أساس القرب الجغرافيّ أو الاصطفاف السياسيّ، بل على أساس تشابه التهديدات الأمنيّة. جعلت التكنولوجيا العسكريّة الصراعات مترابطة، فالتكتيك الذي يظهر في جبهة ما ينتقل بسرعة إلى جبهات أخرى، وهو ما يدفع الدول إلى البحث عن شركاء يمتلكون خبرة مباشرة في مواجهة التحدّيات نفسها.

ضمن هذا السياق، يصبح الحديث عن احتمال دخول الشرق الأوسط مرحلة حرب استنزاف أكثر واقعيّة. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون الهدف تحقيق نصر سريع، بل الحفاظ على الاستقرار الداخليّ وتقليل الخسائر الاقتصاديّة والنفسيّة على المدى الطويل. تقدِّم التجربة الأوكرانيّة في إدارة مجتمع واقتصاد تحت ضغط دائم نموذجاً عمليّاً تسعى دول المنطقة إلى فهمه قبل أن تجد نفسها في ظروف مشابهة.

تحرّك زيلينسكي دلالات استراتيجيّة واضحة. غيّر التقارب العسكريّ بين روسيا وإيران خلال الحرب الأوكرانية نظرة كييف إلى حدود الصراع

تكشف جولة زيلينسكي عن لحظة انتقاليّة في النظام الدوليّ، تتقاطع فيها جبهات العالم الأمنيّة ضمن شبكة واحدة من المصالح والخبرات. لم تعد أوروبا الشرقيّة بعيدة عن الشرق الأوسط كما كان يُعتقد، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمنيّة مشتركة تربط الطاقة والتكنولوجيا والتحالفات العسكريّة الجديدة.

إقرأ أيضاً: الخليج واستراتيجية التّوازن: “ضبط” الخسائر دون مواجهة

تتحوّل الخبرة القتاليّة في هذا المشهد المتغيّر إلى أداة دبلوماسيّة، وتصبح المعرفة العسكريّة شكلاً جديداً من القوّة الناعمة. إذا استمرّت الاتّجاهات الحاليّة فقد يُنظر مستقبلاً إلى اتّفاقات الدفاع بين أوكرانيا ودول الخليج والأردن باعتبارها بداية تشكّل محور تعاون أمنيّ جديد يقوم على تبادل الخبرة في مواجهة حروب القرن الحادي والعشرين، وأهمّها الحرب الدائرة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث لا تُحسم المعارك بالمسافات ولا بالجغرافيا، بل بقدرة الدول على التكيّف السريع مع طبيعة صراع يتغيّر باستمرار، وأمن خليجيّ يحتاج إلى نقطة تحوّل حقيقيّة تنقذه من حرج الانقسام، وصعوبات سياسيّة تحتاج إلى حلول سريعة.

 

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…