قبل أن يُكشّر “السّنّة” عن أنيابهم

مدة القراءة 5 د

أمرٌ واحدٌ اتّفق عليه بنيامين نتنياهو وحكومته، ونعيم قاسم وحزبه: اختلفوا على كلّ شيء، واتّفقوا على أنّ نواف سلام يجب أن يرحل.

طالب نتنياهو وعصابته برحيل نواف سلام عن محكمة العدل الدولية، فيما طالب نعيم قاسم وحزبه برحيله عن السراي الحكومي ورئاسة الحكومة.

 

القاضي الدولي، حاملُ الكتاب بيده، لا يفارق النص، لا يكلّ ولا يملّ. إن تحدّث تمسّك وثبت وقاتل بالكلمة والقانون، وإن تعهّد وفى. هو ابن مدينة اسمها بيروت، تمتهن الصمود والوفاء. صفاتٌ جمعها نواف سلام، لا يمكن لبنيامين نتنياهو ولا لنعيم قاسم ابتلاعها. الرجل يؤمن بالقانون، والآخران يؤمنان بضرورة مخالفة القانون وخطف الدولة.

نوّاف سلام صهيونيّ؟ لا يا سادة. لقد اشتبه عليكم القول. ونفرت منكم البصيرة. وتشظّى الحليم فيكم بين الحيرة والضلال والارتباك. لا يا سادة. فلتسمعوا وليسمع معكم العالم. نحن أهل الأرض وملحها وزرعها الطيّب. رافقنا البنادق متى كان الزناد زينة الرجال. وقاتلنا بأظافرنا وأسناننا متى صار القتال درباً من دروب الكرامة. وصرنا أهل الدولة وضلعها وشريانها الأبهر متى استحال الخروج عليها ضرباً من العبث وضروباً من الجنون.

نحن نداري الوجع بأشفار العيون. ندرك في عميق ذواتنا أنّ أولئك الذين يصعدون في أوهامهم ليلامسوا الشمس، لا يحسبون أيّ حساب للارتطام. قد يباغتهم السيل على حين غِرّة. وقد تجرفهم الأنا التي تورّمت في رؤوسهم حدّ الانفجار. نحن نعرف هذا النوع من القهر الذي يستوطن في نِقْي العظام. ثمّ يفتك بصاحبه أينما حطّت به الرحال.

تمهّلوا يا سادة. خذوا نفساً عميقاً. هدّئوا من روعكم. وتذكّروا أنّ نوّاف سلام ليس وحيداً. ولا مستفرَداً

راسخون في الصّبر

نسكت لأنّنا نعرف كلّ هذا وأكثر. والسكوت ليس افتعالاً ولا تكليفاً ولا تعميماً نوزّعه على الناس. بل شعور جماعيّ بالغبطة. بالمسؤوليّة. بالوطنيّة الخالصة. حين يقع الواحد فيكم بشرّ ما اقترفته يداه، نسارع إليه باللهفة التي فُطرنا عليها. نمسح عن وجهه ما تيسّر من تعب وقلق. ثمّ نضع في جيبه ما نستطيع من طمأنينة ومن مفاتيح البيوت.

ننسى عند اللحظة تلك كلّ الأسى. وكلّ المرارة. وكلّ ما عايشناه من قهر مستدام. منذ فجيعتنا الرهيبة برفيق الحريري الذي شطبوه من ضوء العيون. إلى اجتياح حُرُمات بيوتنا وشوارعنا في ذلك اليوم المجيد. ومنهما إلى جرحنا المفتوح في دمشق، قتلاً وتنكيلاً وتاريخاً مثقلاً بالحقد والضغائن و”لن تُسبى زينب مرّتين”. ابتلعنا ما لا يبتلعه إلّا الراسخون في الصبر، الذين يستبدلون العاصفة بصرير الأسنان.

نواف سلام

بات لزاماً علينا أن نقول لا أن نصمت. وليس القول من باب المناكفة أو نكء الجراح. بل إنعاش مستحقّ لذاكرة مثقوبة أو كسولة. لا يا سادة. لستم أهلاً لتصنيف الناس. ولا لفحص دمهم. ولا لمنحهم شهادات في الوطنيّة. أنتم آخر من يحقّ لكم أن تدلوا بدلوكم. وقد بلغ منكم الإثم مبلغاً لم يبلغ عُشره في سواكم. وذاك بيان الفجر شاهد على فداحة ما ارتكبته أياديكم. حين زجَجْتم البلاد في نفق لا ضوء في آخره، ثأراً للمرشد ومشروعه وأوهامه وإمبراطوريّته، لا انتقاماً للسيّد الذي هوى، ولا للضاحية الحزينة حتّى الموت، ولا للجنوب الذي صار أثراً بعد عين.

لقد صبرنا حتّى ملّ منّا الصبر. نعضّ على الأصابع ونقول هي أيّام عصيبة وتمضي. نتفهّم الغضب والقهر والشعور المستفيض بفداحة الارتطام. لكنّنا نخشى أن يفيض بنا السيل وقد بلغ الزُّبى. فنردّ على الصاع صاعين. ونضرب على سجيّة ذاك الذي أوصانا بتجنّب الضرب قدر المستطاع. ثمّ قال: إذا ضربت فأوجع.

نوّاف سلام صهيونيّ؟ لا يا سادة. لقد اشتبه عليكم القول. ونفرت منكم البصيرة

بلاد مجبولة بالفوالق

تمهّلوا يا سادة. خذوا نفساً عميقاً. هدّئوا من روعكم. وتذكّروا أنّ نوّاف سلام ليس وحيداً. ولا مستفرَداً. ولا غصناً يتيماً من شجرة مقطوعة. خلفه بحر من الناس. جبل من الكرامات. وسيل من الأشدّاء الذين يمتهنون الفتك متى صار الفتك خيارهم الوحيد. لا تحشروهم في زاوية طالما سعوا إلى اجتنابها. لأنّهم حين يصيرون في الزاوية تلك، يستبدلون ابتسامتهم بأنياب ليس يعرفها إلّا من اختبر قدرتها على السحق.

لقد جُرفنا جميعاً نحو حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل. والجميع بات يدرك ذلك في عميق عميقه، لا سيما أولئك الذين كانوا أكرم الناس وأشرف الناس، قبل أن تُهجّرهم صواريخ منتصف الليل نحو كلّ حدب وصوب. ثمّ يأتي من يحاول توجيه بوصلة انفجارهم نحو السراي. وكأنّ سيّده مسؤول عمّا نزل بهم من فواجع. والحقيقة بخلاف ذلك. ولو أنّ نواف تصدّر المشهد بشجاعة منقطعة النظير، وراح يردّد أبجديّات الدولة ولغتها المستجدّة، فإنّ خلفه وعلى يمينه وعلى يساره دولة برمّتها. من رئيس البلاد إلى الأخ الأكبر، ومعهم كثرة كاثرة من اللبنانيّين ومن عموم العرب والعالم.

التطاول على نوّاف من دون سواه هو فعل خيانة لا يأتيه إلّا مأزوم في وطنيّته. والذهاب عميقاً في الاستهداف والتجريح هو سلوك سياسيّ مفتعَل وممنهج، يروم إلى شدّ العصب واستنهاض العصبيّات عقب الهزيمة التي حطّت رحالها فوق المشروع برمّته. وإن كان لا بدّ من كلمة أو نصيحة، فهي موجّهة إلى أولئك الذين فقدوا أعصابهم. ندعوهم فيها إلى التعقّل. لأنّ هذه البلاد ترقد برمّتها فوق تركيبة مجبولة بالفوالق، وأيّ خطأ في التقدير قد يجرف الجميع نحو هاوية بدون قرار.

إقرأ أيضاً: برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

نصبر مع نوّاف ونترفّع وننتظر عند ضفّة الدولة. نضبط النفس وجنوحها قدر الممكن وقدر المستطاع. ونحتضن ما يسعنا احتضانه ولو بماء العيون. لكن حذارِ من الإصرار على هذا النوع من الاستفزاز. وتذكّروا جيّداً: من يزرع الريح لا بدّ أن يحصد العاصفة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@kassimyousef

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…