بعدما تخطّى قرار طرد السفير الإيرانيّ من لبنان المستوى الدبلوماسيّ بتداعياته السياسيّة، سيحمل هذا التطوّر السياسيّ الثقيل تداعيات أمنيّة مفتوحة على احتمالات عدّة. إنّ المسألة، في جوهرها، لم تعد ترتبط بشخص السفير بكلّ ما يمثّله من ثقل دبلوماسيّ وسياسيّ لدى إيران و”الحزب”، بل اتّجهت إلى أن تعكس صراعاً عميقاً على توازنات السلطة وحدودها، ومن يملك حقّ رسم الخطوط الحمر داخل الدولة اللبنانيّة. لذلك التصعيد السياسيّ العالي السقف سيتحوّل في محطّات عدّة إلى تصعيد ميدانيّ سيُترجم في أوجه عدّة.
“الحزب”: بين جبهة الخارج والدّاخل
يجد “الحزب” نفسه أمام معادلة دقيقة ومعقّدة. من جهة، يسعى إلى تثبيت قواعد اشتباك على الجبهة الجنوبيّة بما يضمن له موقعاً متقدّماً إلى طاولة المفاوضات الإقليميّة. ومن جهة أخرى، يواجه تحدّياً داخليّاً يتمثّل في ما يعتبره تجاوزاً لمعادلات سياسيّة كرّسها خلال السنوات الماضية، حين كان يمسك بمفاصل القرار السياسيّ بشكل أو بآخر.
يضع هذا التصعيد الذي تشهده الساحة اللبنانيّة “الحزب” في سباق مزدوج: بين السعي إلى احتواء التصعيد العسكريّ بعدما وصلت إسرائيل إلى عمق متقدّم جنوباً، وبين فتح جبهة داخليّة سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً، وصولاً إلى الشأن الأمنيّ إذا اقتضى الأمر. هذا السباق لا يُدار فقط ضمن الأطر التقليديّة، بل يتّخذ طابعاً متدرّجاً ومركّباً. إذ تتحدّث الكواليس السياسيّة عن ضغط سياسيّ سيبدأ عبر تشكيل جبهة عريضة تتجاوز الإطار الطائفيّ، مروراً بتحريك الشارع على خلفيّات مطلبيّة ومعيشيّة، وصولاً إلى سيناريوات أكثر تعقيداً يتداخل فيها الأمنيّ بالمدنيّ.
“الحزب” اليوم ليس كما كان في عام 2008. لقد تبدّلت البيئة السياسيّة، وتراجعت مظلّته الوطنيّة العابرة للطوائف
في الكواليس، يُطرح نموذج تصعيد مختلف عمّا شهده لبنان سابقاً. فلا هو تكرار مباشر لأحداث 7 أيّار 2008 التي اتّسمت بالحسم الميدانيّ، ولا هو نسخة مطابقة لتجربة “القمصان السود” عام 2011 التي اعتمدت الضغط المنظّم لتغيير موازين السلطة. بل هو أقرب إلى “نسخة معدّلة” تقوم على ضغط تراكميّ ومتدرّج، تتداخل فيه التحرّكات الشعبيّة مع الرسائل السياسيّة، وتشارك فيه قوى حليفة ومجموعات متضرّرة من الواقع القائم، إضافة إلى فصائل فلسطينيّة حليفة لـ”الحزب”، بما يضفي على التحرّك طابعاً عابراً للطوائف تحت عنوان “وحدة الساحات”، لكن هذه المرّة داخل الحدود اللبنانيّة.
بعدما وُصفت هذه الحكومة بأنّها حكومة فيشي، لم يعد من المستبعد بدء حملة ممنهجة للانقلاب عليها وعلى قراراتها المتعلّقة بالسلاح والأمن منذ بدايتها حتّى اليوم.

صحيح أنّ الظروف الداخليّة مختلفة جدّاً عن ظروف محاصرة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، إلّا أنّ ما يُوضع اليوم على طاولة البحث هو مجموعة تحرّكات قد تمتدّ من النقابات والاتّحادات العمّاليّة إلى الشارع، ومن الملفّات المعيشية إلى التوازنات السياسيّة لتشكّل محاولة لإعادة إنتاج توازن داخليّ جديد.
في نقاش داخليّ، تتحدّث بعض القوى عن مخاطر مرتفعة لهذا الخيار، لا سيما أنّ “الحزب” اليوم ليس كما كان في عام 2008. لقد تبدّلت البيئة السياسيّة، وتراجعت مظلّته الوطنيّة العابرة للطوائف، وهو ما يجعل كلفة أيّ مواجهة داخليّة مفتوحة باهظة عليه وعلى الدولة في آنٍ معاً.
امتحان الدّولة: مرحلة مفصليّة
في موازاة ذلك، تتعامل الأجهزة الأمنيّة مع المرحلة على أنّها شديدة الحساسيّة. تشير المعطيات إلى إعداد خطط أمنيّة استباقيّة، بدأت فعلاً في بيروت الكبرى، بهدف منع الاحتكاكات وضبط أيّ انزلاق محتمل نحو الفوضى. تكتسب هذه الإجراءات أهميّة إضافيّة في ظلّ تقارير تتحدّث عن مؤشّرات ميدانيّة مقلقة، من بينها نزع كاميرات مراقبة في بعض المناطق، وتمركز مجموعات شبابيّة ضمن ما يشبه “حماية ذاتيّة”، علاوة على تسجيل إشكالات وإطلاق نار في مناطق تماسّ مثل عين الرمّانة على حدود الضاحية.
يجد “الحزب” نفسه أمام معادلة دقيقة ومعقّدة. من جهة، يسعى إلى تثبيت قواعد اشتباك على الجبهة الجنوبيّة بما يضمن له موقعاً متقدّماً
يجري كلّ ذلك على وقع معطى أساسيّ غير مُعلن صراحة: الحرب في الإقليم مرشّحة للاستمرار، وتداعياتها على لبنان ستكون ثقيلة وطويلة الأمد. حتّى في حال التوصّل إلى وقف لإطلاق النار، لن تكون سهلة مرحلة ما بعده، إذ ستتطلّب إجراءات معقّدة قبل عودة النازحين إلى منازلهم، وهو ما يعني استمرار الضغط الاجتماعيّ والاقتصاديّ والأمنيّ.
إقرأ أيضاً: طرد السفير الإيراني: اختبار للسيادة أم كسر للتوازن؟ (1)
أمام هذه المعطيات، يبدو لبنان مقبلاً على مرحلة مفصليّة، تتقاطع فيها الضغوط الداخليّة مع التحوّلات الإقليميّة، في مشهد مفتوح على كلّ الاحتمالات، بدءاً من احتواء تدريجيّ للتوتّر، وصولاً إلى انفجار متعدّد المستويات يعيد رسم معادلات القوّة داخل البلاد.
لمتابعة الكاتب على X:
