سوريا خارج الاستهداف الإيراني…لحماية الحزب؟

مدة القراءة 6 د

مع اتّساع دائرة التصعيد الإقليميّ، يبرز سؤال متكرّر في الأوساط السياسيّة والعسكريّة: هل يمكن أن تنخرط سوريا في الحرب الدائرة ضدّ إيران؟ لماذا لم تستهدفها طهران حتّى الآن، على الرغم من اتّساع رقعة الضربات التي طالت عدّة دول عربيّة؟

 

توسّع نطاق الهجمات الإيرانيّة ليشمل ثماني دول عربيّة هي: المملكة السعوديّة والإمارات والكويت والبحرين وعمان  وقطر والأردن والعراق. وفق بيان القيادة المركزيّة الأميركيّة، أطلقت طهران حتّى فجر الأربعاء نحو 500 صاروخ بالستيّ وأكثر من 2,000 مسيّرة انتحاريّة ثابتة الجناح ضمن عمليّاتها العسكريّة في المنطقة.

مع ذلك، وعلى الرغم من القصف المتبادل والتصعيد العسكريّ المتسارع، بقيت سوريا خارج دائرة الاستهداف الإيرانيّ المباشر. باستثناء محاولة قصف قاعدة خراب الجير الأميركيّة في  محافظة الحسكة، شمال شرقيّ سوريا عبر فصائل عراقيّة موالية لإيران، لم تُسجّل أيّ هجمات مباشرة على المصالح الأميركيّة داخل سوريا أو ضدّ الحكومة السوريّة. أُحبطت تلك المحاولة بعدما تمكّنت الدفاعات الأميركيّة من إسقاط الطائرة المسيّرة الانتحاريّة قبل وصولها إلى القاعدة، التي تُعدّ من أهمّ القواعد اللوجستيّة الباقية للولايات المتّحدة في سوريا.

خارج بنك الأهداف

يعود عدم إدراج سوريا ضمن بنك الأهداف الإيرانيّة، إلى جانب دول عربيّة أخرى، إلى جملة من الاعتبارات الاستراتيجيّة. من جهة، تحرص طهران على تجنّب دفع الحكومة السوريّة إلى مواجهة مباشرة مع “الحزب”، لا سيما في ظلّ التطوّرات الأمنيّة الأخيرة وتصاعد الضربات الجوّيّة الإسرائيليّة ضدّ مواقع “الحزب” في لبنان. من جهة أخرى، ما تزال إيران تعتمد، ولو جزئيّاً، على شبكاتها القديمة لتهريب السلاح من العراق عبر الأراضي السوريّة باتّجاه لبنان، الأمر الذي يجعل الحفاظ على هذا المسار اللوجستيّ ذا أهميّة استراتيجيّة بالنسبة لها.

يعود عدم إدراج سوريا ضمن بنك الأهداف الإيرانيّة، إلى جانب دول عربيّة أخرى، إلى جملة من الاعتبارات الاستراتيجيّة

في المقابل، لم تقف الإدارة السوريّة مكتوفة الأيدي إزاء هذا التصعيد الإقليميّ، بل تبنّت ما يمكن وصفه باستراتيجية “التحصين الصامت”، إذ عملت على تعزيز انتشار الجيش على طول الحدود مع لبنان والعراق بهدف ضبط الحدود ومنع أيّ اختراقات محتملة في ظلّ الحرب الإقليميّة الدائرة. في هذا السياق، أوضح الجيش في بيان رسميّ أنّ الوحدات المنتشرة تتبع لقوّات حرس الحدود وكتائب الاستطلاع، وأنّ مهمّتها تتركّز على مراقبة الأنشطة الحدوديّة ومكافحة عمليّات التهريب.

سوريا

إلى جانب ذلك، تدرك القيادة السوريّة أنّها تدير بلداً منهكاً ومُدمّراً سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً واجتماعيّاً بعد 14 عاماً من الحرب. وبالتالي أيّ انخراط جديد في صراع إقليميّ قد يعيد البلاد إلى دائرة الاستنزاف، ويعرّض ما بقي من بنيتها ومجتمعها لموجة جديدة من التدهور. من منظور استراتيجيّ، لن يحقّق إدخال سوريا في هذه المعادلة الصراعيّة مكاسب سياديّة أو أمنيّة حقيقيّة لها، بل قد يضعها في موقع الحلقة الأضعف ضمن صراع يتجاوز قدراتها وإمكاناتها.

انطلاقاً من ذلك، تبدو المصلحة الوطنيّة السوريّة اليوم مرتبطة بسياسة تحييد مدروسة تقوم على رفض استخدام الأراضي السوريّة ساحةً للحرب، وتجنّب الانخراط في صراعات المحاور، مع التركيز في الوقت ذاته على استعادة الحدّ الأدنى من الاستقرار وفتح مسارات سياسيّة واقتصاديّة تمكّن البلاد من الخروج تدريجاً من حالة الانهيار والعزلة.

احتمالات الانضمام إلى الصّراع  

لا يمكن استبعاد احتمال انخراط سوريا في الصراع في ظلّ استمرار التصعيد الإقليميّ. فقد أعلنت المملكة السعوديّة والإمارات اتّخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنهما وحماية أراضيهما ومصالحهما، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل مواقف وتحالفات إقليميّة جديدة.

بقيت سوريا خارج دائرة الاستهداف الإيرانيّ المباشر. باستثناء محاولة قصف قاعدة خراب الجير الأميركيّة

صحيح أنّ سوريا لا تمتلك في الوقت الراهن قدرات عسكريّة دفاعيّة ولا صاروخيّة كبيرة تمكّنها من ردع إيران بصورة مباشرة، إلّا أنّها تتمتّع بموقع جيوسياسيّ بالغ الأهميّة. تمثّل الجغرافيا السوريّة حلقة وصل حيويّة بين إيران وحلفائها في المنطقة، ويمكن أن يعزل التحكّم بهذه الجغرافيا “الحزب” في لبنان عن الفصائل العراقيّة الموالية لطهران، وهو ما قد يضعف شبكة النفوذ الإقليميّة لإيران ويحدّ من قدرتها على التأثير خارج حدودها.

غير أنّ هذا السيناريو يبقى مرهوناً ببلورة موقف عربيّ مشترك تقوده دول الخليج والأردن، بدعم من مصر بطبيعة الحال. في حال تشكّل مثل هذا التحالف، قد تجد سوريا نفسها أقرب إلى محيطها العربيّ، لا سيما أنّ قطاعات واسعة من السوريّين ما تزال تحمل مشاعر سلبيّة تجاه الدور الإيرانيّ في الصراع السوريّ، وترى في طهران طرفاً ساهم في إطالة أمد الحرب ودعم النظام السابق.

التّضامن وردّ الجميل

علاوة على ذلك، قد تلعب اعتبارات التضامن السياسيّ وردّ الجميل دوراً في تحديد موقف دمشق، خاصّة تجاه الدول العربيّة التي وقفت إلى جانب السوريّين خلال السنوات الأخيرة، وساهمت في دعم مسار إعادة الانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ، وفي مقدَّمها المملكة العربيّة السعوديّة.

لا يمكن إغفال عامل آخر محتمل يتمثّل في الدور الأميركيّ. في حال طلبت واشنطن من القيادة السوريّة الانضمام إلى تحالف إقليميّ يهدف إلى إضعاف نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة، فقد يشكّل ذلك فرصة لتعزيز العلاقات السوريّة – الأميركيّة، خصوصاً في ظلّ مؤشّرات الانفتاح السياسيّ الأخيرة والتعاون القائم ضمن إطار التحالف الدوليّ لمحاربة تنظيم داعش.

إقرأ أيضاً: سوريا في عين العاصفة: الشّرع يراهن على الدّولة

بناءً على ما سبق، تبدو سوريا اليوم أمام معادلة دقيقة: من جهة تسعى إلى الحفاظ على سياسة التحييد وتجنّب الانجرار إلى صراع إقليميّ واسع، ومن جهة أخرى تراقب عن كثب التحوّلات في موازين القوى والتحالفات الإقليميّة، بما قد يفرض عليها في مرحلة لاحقة إعادة تقويم موقعها ضمن هذه المعادلة المعقّدة.

مواضيع ذات صلة

جنوب لبنان غزّة أخرى… بفضل “الحرس الثّوريّ”!

إذا كانت “حرب إسناد غزّة” أدّت إلى عودة الاحتلال الإسرائيليّ إلى جنوب لبنان، فإنّ الحرب الجديدة التي قرّر “الحرس الثوريّ” الإيرانيّ خوضها انطلاقاً من جنوب…

اسألوا الفلسطينيّين عن أميركا..

يوجد سؤالٌ فيه مواصفات أحجية، يدور حوله جدلٌ دائم، ولم يُتّفق على جوابٍ حاسمٍ له. مَن الأكثر تأثيراً: الأميركيّون أم الإسرائيليّون؟ في أيّامنا هذه يُطرح…

نبيه برّي: حكمة القرار في زمن الصّوم الكبير

في تاريخ الأزمات اللبنانيّة، قلّما اجتمع ضغط الخارج مع انقسام الداخل كما اجتمعا في ثمانينيّات القرن المنصرم. يومها، وسط الحرب الأهليّة وتشظّي القرار، برز نبيه…

لماذا خسرت إيران المعركة قبل أن تبدأ؟

لا تُقاس الخسائر الاستراتيجيّة بالمعارك التي تُخاض فقط، بل بتلك التي فشلت الدول في منعها أو تجنّبها. لم تخطئ إيران في الحساب العسكريّ وحده، بل…