ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرّئيس؟

مدة القراءة 3 د

لا تسألنا ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرئيس. الحقيقة أنّنا لم نفعل شيئاً. ما زلنا نحن والوطن كما تركتنا منذ 21 عاماً. لم نُضِف جديداً حتّى الشيء القليل، فقط ملامحنا غيّرها العمر وغبار السنين، وهذا الكمّ من الهمّ والقلق الثقيل.

 

لم نُحدث أيّ تغيير. لم نضِف حجراً على حائط، لم نطلُ شوارع المدينة بالدهان الجديد، لم نفتح طريقاً جديداً يا دولة الرئيس، ولم نبنِ جسراً في أيّ مدينة أو حتّى قرية كي يعبر أبناؤها فوق ساقية تجرّ الماء من بعيد.

يا دولة الرئيس، لم نقُم بإصلاح القوانين. دائماً مجلس النوّاب مقفل، وشعاره التعطيل. لم تدخل المكننة إلى وزاراتنا كما أوصيتنا، بل ما نزال نسجّل الوارد والصادر، ونوثّق معاملاتنا على الدفتر الكبير.

فارغة بدون حياة

لم تتطوّر أجهزتنا الأمنيّة يا دولة الرئيس كما كنت تتمنّى وتسعى عند كلّ شقيق وصديق. نحن اليوم نتلقّى معونات غذائيّة لنطعم جيشنا، قوى الأمن الداخليّ، أمن الدولة، والأمن العامّ. الأمن الغذائيّ عند هذه الأجهزة مفقود ويحتاج إلى الكثير من التدبير.

لم نفعل شيئاً منذ رحيلك في مطارنا، لم نقُم بتوسعته، ما يزال كما تركته لنا. فقط تغيير واحد حصل: اسمك بات هو التعريف. ينادي قبطان الطائرة المسافرين عند الوصول إلى المطار: “أهلاً وسهلاً بكم في مطار رفيق الحريري الدولي”.

لم نُحدث يا دولة الرئيس، أيّها الشهيد، أيّ تغيير. ولا نجرؤ على أن نخبرك عمّا فعلناه وما ارتكبناه بحقّ علاقاتنا مع أشقّائنا العرب في ذاك الخليج المتألّق

الواجهة البحريّة يا دولة الرئيس في بيروت وطرابلس وصيدا لم تبقَ كما تركتها، بل زادها الإهمال هرماً. باتت معلماً لـ”الحزب”، حين يمرّ الوالد مع أولاده بسيّارته يقول: “هنا اغتالوا رفيق”.

أمّا الناس وبيئتك يا دولة الرئيس، فوضعهم ليس أفضل من وضع البلد، لا بقليل ولا بكثير. في طرابلس، المدينة التي أحببت، وكنت تسعى لتهريب مرشّحيها من تقارير الأمنيّين كي ينجوا من استخبارات الأسد الشرير، يموت أبناؤها تحت ركام منازلهم، وقد زادهم الإهمال تعتيراً فوق تعتير. أمّا في بيروت يا دولة الرئيس، فسوليدير التي كنت تتفاخر بها اشترى أملاكها أصحاب الشيكات ممّن يُسمّون الأثرياء الجدد.

أمّا الشقق في الرملة البيضاء والروشة وعين المريسة التي اشتراها المغتربون والأشقّاء، حبّاً بلبنان وثقةً بك، ففارغة لا حياة فيها. يخشى الكلّ أن يأتي إلى مطار رفيق الحريري فيُختطَف أو يُسلَب.

سلعة في دكّان

الحريريّون يا سيّدي، يا دولة الرئيس، لم يعودوا حالة عابرة لكلّ الطوائف والمذاهب والأحزاب كما أردتَ عندما قلت لهم اطلبوا العلم ولو في الصين. تحوّلوا إلى تيّار لديه راية زرقاء، ومثله مثل باقي الأحزاب عنده أمين عامّ يصفّق له الحضور في الاحتفال الصغير والكبير.

إقرأ أيضاً: أثقل النعوش فوق أكتاف ترتجف

باتت الحريريّة الوطنيّة التي زرعتها فينا تهمة، توصَف بالغدر، ويُوصَف أصحابها أنّهم يطعنون بسكّين، واستُبدلت بالحريريّة السياسيّة التي تُجيّر الماكينات الانتخابيّة والأصوات الانتخابيّة وكأنّها حزب مهمته الخدمات الانتخابات.

لم نُحدث يا دولة الرئيس، أيّها الشهيد، أيّ تغيير. ولا نجرؤ على أن نخبرك عمّا فعلناه وما ارتكبناه بحقّ علاقاتنا مع أشقّائنا العرب في ذاك الخليج المتألّق. كثيرة هي الأشياء التي لا نجرؤ على أن نخبرك عنها. نستحي من أنّنا ارتكبناها في غيابك، أيّها المارد الكبير.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

تمتدّ على واجهة بيروت البحريّة بضعة كيلومترات مربّعة هي بين الأغلى في الشرق الأوسط. أراد الرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي رهن حياته وإرثه للنهوض بلبنان،…

رفيق الحريري: وصفة سعوديّة لاستقرار لبنان

21 عاماً مرّت على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تغيّر العالم، تغيّرت المنطقة، وتغيّر لبنان. تعود الذكرى مرّة أخرى لتعيد للّبنانيّين حنيناً إلى دولة ما يزالون…

أثقل النعوش فوق أكتاف ترتجف

لم نتشائم بما فيه الكفاية حين قتلوه. لم نكن ندرك أي فاجعة هي تلك التي حفرت عميقًا في خاصرتنا وفي ناصية البلاد. عرفنا متأخرين أن…

احذروا نتنياهو الجريح!

بدا اجتماع البيت الأبيض بين رئيس الوزراء الإسرائيليّ والرئيس الأميركيّ نسخة صامتة من اجتماعهما الشهير في المكتب البيضاوي العام الماضي الذي أعلن فيه ترامب انطلاق…