لم تكن الصورة التي خرجت من وثائق وزارة العدل الأميركية مجرّد تفصيل غريب في أرشيف قضية مالية ـ جنسية معقّدة، بل كانت صدمة رمزية مكثّفة: جيفري إبستين، الملياردير المدان بجرائم استغلال قاصرات، يقف إلى جانب رجل إماراتي يُدعى سلطان أحمد بن سليم (قُدم أحياناً يصفته رئيس شركة موانىء دبي الدولية، ووُصف أحياناً برجل أعمال)، وهما يعاينان قطعة من كسوة الكعبة موضوعة على الأرض. صورة واحدة تختصر تناقضاً هائلاً بين عالمين: عالم المقدّس الذي تُحاط به الكعبة في الوعي والمخيال الإسلامي، وعالم رأس المال المعولم الذي لا يعترف إلا بقيمة الأشياء بوصفها رموز نفوذ أو أدوات شبكة علاقات.
الوثائق التي نُشرت ضمن ملايين الصفحات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية كشفت شجن ثلاث قطع من كسوة الكعبة إلى إبستين عام 2017، بتوجيه من سيدة الأعمال السعودية عزيزة الأحمدي وبمساعدة شخص يُدعى عبدالله المعرّي. وإحدى هذه المراسلات أُرفقت بتعليق يُشير إلى أن “ما لا يقل عن 10 ملايين مسلم قد لمسوا هذه القطعة السوداء، وهم من مختلف الطوائف، السُنة والشيعة وغيرهم”. ولم تكن هذه الرسالة مجرّد شحنة مادية، بل كانت محمّلة بلغة رمزية تقدّم القطعة باعتبارها أثراً مقدساً ويصلح كهدية ذات قيمة معنوية استثنائية.
عزيزة الأحمدي: سيدة أعمال غامضة على هامش شبكة إبستين
برز اسم عزيزة الأحمدي فجأة في الفضاء الإعلامي العالمي مع الدفعات الجديدة من الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية في ملف جيفري إبستين. لم تكن الأحمدي شخصية معروفة في الدوائر الاقتصادية أو السياسية قبل ذلك، ولم تظهر في قوائم رجال الأعمال المؤثرين أو سيدات الأعمال البارزات في الخليج. لكن اسمها خرج من الهامش دفعة واحدة، مرتبطاً بواقعة شديدة الحساسية: شحن قطع من كسوة الكعبة إلى منزل إبستين عام 2017.
لا تقتصر الرسائل المنسوبة إليها على مسألة الكسوة فقط. فبعض التقارير تشير إلى أنها تبادلت مع إبستين أفكاراً تتعلق بمشاريع تجارية وتقنية، بينها اقتراح لإطلاق عملة رقمية إسلامية تحمل اسم “شريعة” تستهدف أسواق الشرق الأوسط. وهذا النوع من المراسلات يوحي بأن العلاقة لم تكن رمزية أو اجتماعية فقط، بل حملت طابعاً استثمارياً أو استشارياً، على الأقل من وجهة نظرها أو ضمن خطابها له.
الرسائل التي رافقت شحن قطع من كسوة الكعبة إلى إبستين لم تكتفِ بالإشارة إلى قيمتها المادية، بل ركزت على بعدها الرمزي، مثل القول إن ملايين المسلمين لمسوا هذه القطعة
حتى اللحظة، لا يمكن رسم سيرة مهنية مكتملة لعزيزة الأحمدي. فالمعلومات المتاحة عنها لا تتجاوز: كونها سيدة أعمال مقيمة في الإمارات، ظهور اسمها في مراسلات إبستين عام 2017، دورها في شحن كسوة الكعبة إليه، تبادل أفكار تجارية وتقنية معه. أما خارج هذا السياق، فلا تتوافر عنها معلومات موثّقة حول: حجم شركاتها أو نشاطها الاقتصادي، مسيرتها المهنية، خلفيتها التعليمية، أو مكانتها داخل دوائر المال والأعمال.
وأكثر ما جعل اسم الأحمدي مثيراً للجدل ليس موقعها الاقتصادي، بل طبيعة الهدية نفسها. فالكسوة تُعد رمزاً دينياً بالغ الحساسية لدى المسلمين. لذلك، أثار إرسالها إلى شخصية مدانة بجرائم أخلاقية مثل إبستين موجة استنكار واسعة في العالم الإسلامي، وفتح أسئلة حول: كيفية حصولها على تلك القطع، طبيعة علاقتها بإبستين، والدوافع وراء هذا النوع من الهدايا.
صورة تهزّ المعنى بين المقدّس والسلطة
كسوة الكعبة ليست مجرد قماش فاخر، بل أثر رمزي مركزي في الوجدان الإسلامي. هي علامة على قدسية المكان، وتجديدها السنوي ليس مجرد تقليد إداري، بل طقس يعيد إنتاج الشعور الجماعي بالمقدّس. وحين تنتقل هذه القطعة خارج سياقها، إلى فضاء خاص لرجل ارتبط اسمه بفضائح أخلاقية، فإن الصدمة تتجاوز الحدث نفسه لتصيب المعنى الرمزي الذي تحمله الكسوة.
والصورة هنا ليست مجرد تفصيل بصري، بل لحظة تفتح سؤالاً أوسع: ماذا يحدث للمقدّس عندما يخرج من فضاء الطقوس، ويدخل إلى عالم العلاقات والنفوذ؟ هذا السؤال لا يخص الإسلام وحده، بل كل الثقافات التي ترى في الرموز الدينية جزءاً من هويتها الجماعية. لأن المقدّس، في النهاية، ليس مجرد عقيدة، بل شبكة من المعاني التي تمنح الجماعة شعوراً بالتماسك والهوية.
تاريخ الكسوة: الرمز بين العبادة والشرعية
منذ العصور الإسلامية الأولى، لم تكن كسوة الكعبة مجرد غطاء معماري، بل جزءاً من لغة السلطة والشرعية. كان الخلفاء والسلاطين يتنافسون على شرف حياكة كسوة الكعبة، لأن ذلك يُعلن، رمزياً، موقعهم في العالم الإسلامي. الكسوة كانت رسالة سياسية بقدر ما كانت شعيرة دينية، إذ تعبّر عن رعاية الحاكم للمقدّسات، وتُظهر موقع دولته في الخريطة الروحية للعالم الإسلامي.
كانت الكسوة تُرسل في مواكب رسمية، تحيط بها طقوس احتفالية، وتُعامل باعتبارها حدثاً سياسياً ودينياً في آن واحد. لم تكن مجرد قماش يُعلق على جدران الكعبة، بل إعلاناً عن سلطة روحية، وعن موقع الدولة داخل منظومة الشرعية الإسلامية. هذا البعد السياسي للمقدّس لم يكن استثناءً في الإسلام، بل هو جزء من تاريخ الأديان كلها، حيث تتقاطع السلطة مع الرموز الدينية لتثبيت شرعيتها.
في العصر الحديث، لم تختفِ هذه الوظيفة الرمزية، لكنها تغيّرت. لم تعد الكسوة فقط إعلاناً عن رعاية الدولة للشعائر، بل أصبحت أيضاً جزءاً من لغة العلاقات الدولية. الرموز الدينية، في زمن الدبلوماسية الناعمة، يمكن أن تتحول إلى أدوات مجاملة أو إشارات ثقافية، تستخدمها الدول والنخب لإظهار القرب أو الاحترام أو النفوذ.
هنا يبدأ التحول: من الرمز المرتبط بالطقس، إلى الرمز الذي يدخل في شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية، حيث يمكن أن يتحول إلى هدية أو أثر رمزي داخل اقتصاد النفوذ.
حتى اللحظة، لا يمكن رسم سيرة مهنية مكتملة لعزيزة الأحمدي. فالمعلومات المتاحة عنها لا تتجاوز: كونها سيدة أعمال مقيمة في الإمارات، ظهور اسمها في مراسلات إبستين عام 2017
من الشعيرة إلى الرأسمال الرمزي
الرسائل التي رافقت شحن قطع من كسوة الكعبة إلى إبستين لم تكتفِ بالإشارة إلى قيمتها المادية، بل ركزت على بعدها الرمزي، مثل القول إن ملايين المسلمين لمسوا هذه القطعة. هذا الخطاب يكشف أن القيمة الأساسية للقطعة ليست في مادتها، بل في معناها الاجتماعي والديني.
في هذا السياق، تتحول الرموز الدينية إلى أدوات داخل اقتصاد العلاقات. ما يراه المؤمن أثراً روحياً، قد يراه رجل الشبكات سلعةً رمزيةً. وهذا التحول لا يخص الإسلام وحده. فالتاريخ الأوروبي شهد تجارة ذخائر القديسين، كما نُقلت تماثيل بوذية من معابدها إلى متاحف غربية، حيث فقدت سياقها الروحي وتحولت إلى قطع فنية.
إقرأ أيضاً: فضائح إبستين… والعدالة الدّوليّة الغائبة..
فجوة المعنى في زمن العولمة
ردود الفعل الغاضبة التي ظهرت بعد انتشار الصورة تعكس فجوة واضحة بين عالمين. بالنسبة للجمهور، المقدّس جزء من الهوية الجماعية، ولا يمكن فصله عن سياقه الروحي. أما بالنسبة للنخب، فقد يتحول إلى رأس مال رمزي، أو إلى هدية ثقافية داخل اقتصاد العلاقات.
حتى من زاوية علمانية، يمكن فهم هذه الصدمة بوصفها صدمة هوية. فالمقدّس ليس مجرد حقيقة ميتافيزيقية، بل ظاهرة اجتماعية تمنح الجماعة شعوراً بالتماسك. وعندما يُنقل الرمز خارج سياقه، يشعر الناس بأن شيئاً من هويتهم قد تعرّض للانتهاك.
لمتابعة الكاتب على X:
