بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط باعتبارها محاولة لإنهاء حرب، بل بوصفها اختباراً أوّليّاً لفكرة السلام كما تجري إعادة تعريفها اليوم: سلام يُنتَج ولا يُبنى، ويُدار تنظيميّاً أكثر ممّا يُصاغ أخلاقيّاً أو تاريخيّاً.
لا تنفصل هذه المفاوضات عن السياق الدوليّ الأوسع الذي يتعامل مع الحرب في أوكرانيا بوصفها عبئاً متراكماً أكثر من كونها معركة مبدئيّة. سنوات من الاستنزاف العسكريّ والاقتصاديّ، تراجع الحماسة الغربيّة، وارتفاع كلفة الاستمرار من دون أفق حسم واضح، دفع كلّ ذلك الأطراف المعنيّة إلى البحث عن مخرج يُنهي حالة الاستنزاف حتّى لو لم يُنهِ جذور الصراع. من هنا ليس السلام المطروح سلام الحلول النهائيّة، بل سلام إدارة الواقع القائم بأقلّ الخسائر الممكنة.
يقوم الطرح الذي يحكم هذه المفاوضات على فكرة لا غالب ولا مغلوب، وهي الفكرة التي تشكّل جوهر الرؤية التي يدفع بها دونالد ترامب في مقاربته الجديدة للسلام العالميّ. تبدو هذه الفكرة في ظاهرها متوازنة وعقلانيّة، لكنّها في جوهرها تعيد تعريف الهزيمة والانتصار بطريقة تُفرغهما من مضمونهما السياسيّ والأخلاقيّ.
بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان
تثبيت واقع جديد
حين يُطلب من الطرف المعتدى عليه أن يقبل بتسوية باسم الواقعيّة، ومن الطرف الأقوى أن يحتفظ بما فرضه الأمر الواقع باسم التوازن، فإنّنا لا نكون أمام سلام بالمعنى الكلاسيكيّ، بل أمام إعادة توزيع للخسارة بلغة دبلوماسيّة هادئة.
دخلت أوكرانيا هذه المفاوضات وهي تدرك أنّ هامش المناورة بات محدوداً. لم يعُد الدعم الدوليّ غير مشروط، ولم تعُد الحرب تحظى بالزخم السياسيّ ذاته، فيما يتزايد الضغط الداخليّ والخارجيّ للقبول بتسوية توقف النزيف. لم يكن القبول بالجلوس إلى الطاولة تعبيراً عن اقتناع كامل بشروط السلام المطروحة، بقدر ما كان انعكاساً لحقيقة أنّ البدائل أصبحت أقلّ قابليّة للتحقّق. في هذا السياق، يتحوّل السلام من خيار سياسيّ إلى ضرورة اضطراريّة.
في المقابل، تتعامل روسيا مع هذه المفاوضات بوصفها فرصة لتثبيت واقع سياسيّ جديد من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات جوهريّة. يُعدّ مكسباً استراتيجيّاً الاعتراف نفسه بضرورة التفاوض، بعيداً عن لغة العقاب والمحاسبة. أيّ اتّفاق لا يتضمّن إدانة صريحة أو انسحاباً كاملاً أو إطاراً واضحاً للمساءلة سيكون بمنزلة شرعنة سياسيّة لما فُرض بالقوّة، حتّى لو جاء ذلك مغلّفاً بلغة توافقيّة مرنة.
ما يمنح هذه المفاوضات بعدها الأعمق ليس فقط ما يريده الطرفان المباشران، بل الإطار الذهنيّ الذي تُدار ضمنه. يمثّل مجلس السلام الذي شكّله دونالد ترامب أخيراً الخلفيّة “المفاهيميّة” لهذا المسار. ليس المجلس هنا مؤسّسة بالمعنى التقليديّ، بل تصوّر جديد للسلام بوصفه منتَجاً سياسيّاً يحتاج إلى إنجاز أوّل يُثبت قابليّته للتطبيق. تمثّل مفاوضات روسيا وأوكرانيا، في هذا السياق، المنتج الأوّل الذي يُراد له أن ينجح سريعاً، وأن يُقدَّم بوصفه دليلاً على فعّاليّة النموذج الجديد.
إذا نجحت هذه المفاوضات في إنتاج سلام شكليّ، فسيُقدَّم النموذج بوصفه قابلاً للتعميم
السّلام إجراء إداريّ
من هذا المنطلق، يمكن فهم الضغوط غير المعلنة التي ستُفرض على الطرفين. على أوكرانيا أن تقبل بتسوية لا تستعيد كلّ شيء، وعلى روسيا أن تُظهر مرونة تكتيكيّة لا تمسّ جوهر مكاسبها. المهمّ أن يخرج الاتّفاق بصيغة قابلة للتسويق السياسيّ تُظهر أنّ السلام ممكن من دون الخوض في أسئلة العدالة المعقّدة. هنا يتحوّل السلام إلى إجراء إداريّ ناجح، لا إلى مسار تاريخيّ لتصحيح الخلل.
في خلفيّة هذا المشهد، يلوح تفاهم مصالح غير معلن بين ترامب وفلاديمير بوتين. ليس بالضرورة اتّفاقاً رسميّاً، بل تقاطع براغماتيّ في الرؤية. يريد ترامب تهدئة الجبهة الأوروبيّة وإغلاق ملفّ مكلف سياسيّاً واقتصاديّاً ليعيد توجيه اهتمامه نحو ملفّات أكثر أولويّة في صراعه مع الصين وإعادة تشكيل النظام الدوليّ. يريد بوتين اعترافاً ضمنيّاً بمجاله الحيويّ، أو على الأقلّ قبولاً دوليّاً بواقع جديد لا يُعاد فتحه على طاولة المحاسبة. تتحوّل أوكرانيا، في هذا السياق، إلى مساحة اختبار لهذا التفاهم، لا إلى غاية بحدّ ذاتها.
الخشية من تعميم النّموذج
لا تكمن الخطورة في هذا المسار في مضمونه فقط، بل في النموذج الذي قد يكرّسه. إذا نجحت هذه المفاوضات في إنتاج سلام شكليّ، فسيُقدَّم النموذج بوصفه قابلاً للتعميم. حينها، ستتحوّل العدالة من شرط أساسيّ إلى عبء تفاوضيّ، وستُدار النزاعات المقبلة بالمنطق ذاته: أوقفوا الحرب أوّلاً، واتركوا الأسئلة الأخلاقيّة معلّقة إلى أجل غير مسمّى.
لا يكمن الخطر الحقيقيّ في فشل السلام، بل في نجاحه بوصفه نموذجاً، نجاح يُقنع العالم بأنّ العدالة ترف مؤجّل، وأنّ إيقاف الحرب يكفي ليُغلق الملفّ
قد يُعلَن السلام، وقد تتوقّف المدافع، وقد يُقدَّم الاتّفاق بوصفه إنجازاً سياسيّاً يعكس نضج الواقعيّة الدوليّة. لكنّ ما لا يُقال في البيانات الختاميّة هو أنّ هذا السلام، إذا ما تحقّق وفق هذه الصيغة، فلن يكون نهاية الصراع بقدر ما سيكون إعادة تنظيم له. الصراع يُجمَّد في الجغرافيا، ويُعاد إنتاجه في الذاكرة، ويُترك معلّقاً في وعي الشعوب التي طُلب منها أن تنسى كي يستقيم التوازن.
لا يكمن الخطر الحقيقيّ في فشل هذا السلام، بل في نجاحه بوصفه نموذجاً، نجاح يُقنع العالم بأنّ العدالة ترف مؤجّل، وأنّ إيقاف الحرب يكفي ليُغلق الملفّ، وأنّ القوّة حين تفرض أمراً واقعاً يمكن لاحقاً تغليفه بلغة تفاوضيّة ناعمة. في هذه الحالة، لا تكون أوكرانيا الاستثناء، بل السابقة، ولا تكون المفاوضات نهاية مرحلة، بل افتتاح لزمن جديد تُدار فيه الصراعات بدل أن تُحلّ.
إقرأ أيضاً: باكستان تُغيّر جلدها: صعود عسكري ودبلوماسية هجومية
حين يتحوّل السلام من وعد أخلاقيّ إلى إجراء إداريّ، ومن فعل تصحيح إلى أداة ضبط، يصبح السؤال أعمق من حرب بعينها: أيّ نظام دوليّ هذا الذي يُعاد بناؤه؟ أيّ معنى سيبقى لكلمة سلام في عالم يتقن إيقاف النار، لكنّه يتجنّب مواجهة أسبابها؟
