يسيطر عدم اليقين على الوضع في إيران، والتنبّؤ بمستقبل النظام فيها ليس سهلاً، إذ يقع مستقبل هذا البلد حاليّاً بين ثلاثة أسئلة معقّدة وذات طابع جيوسياسيّ: هل يذهب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب فعلاً إلى إسقاط النظام أم يفضّل تحضير الأرضيّة لإعادة هيكلته بما يتوافق مع تصوّراته العالميّة والشرق الأوسطيّة؟ هل يمضي رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في الأمر بمفرده إذا أخذ ترامب مسافة فيتدخّل عسكريّاً لإسقاط النظام أم يسمع نصائح بعض النخب الإسرائيليّة ويترك هذا الأخير يقرّر مصير النظام؟
أمّا السؤال الثالث فينطلق من طبيعة النظام الإيرانيّ، الأيديولوجية، والمصالح التي تتحكّم بمواقف قادته، وفي مقدَّمهم المرشد الأعلى والحرس الثوريّ، بمعنى قابليّتهم لخيار إعادة الهيكلة أو الذهاب إلى مواجهة انتحاريّة.
انشغل العالم بتفسير قرار ترامب القاضي بالتراجع عن توجيه ضربة للنظام الإيرانيّ، وملاقاة حركة الاحتجاج الواسعة التي عمّت مختلف المناطق الإيرانيّة. أعاد البعض التذكير بتراجع الرئيس الأميركيّ الأسبق باراك أوباما عن قراره ضرب نظام الأسد.
لكنّ هذه المقارنة بعيدة كليّاً عن الواقع، نظراً لموقف إسرائيل من النظام، ونظرة ترامب إلى الدور الإيرانيّ في المنطقة، علاوة على التحدّيات الاقتصاديّة التي يواجهها النظام. إنّها المرّة الأولى التي تواجه فيها طهران تحدّيات تجمع بين الضغط الأميركيّ غير المسبوق، عجز الحكومة عن معالجة الأزمة الاقتصاديّة، ودور الشباب والتجّار في الاحتجاجات.
الخطّة الأميركيّة غير ناضجة بما يكفي، وبالتالي لن تُلحق الضرر المرجوّ بالنظام الإيرانيّ”
الإسرائيليّون مشغولون أيضاً في هذه الأيّام بتفسير قرار ترامب. لا يبدو أنّ رواية توقّف النظام عن الإعدامات حظيت كثيراً باهتمامهم. في هذا السياق، كشف عاموس هرئيل عن الأسباب الحقيقيّة التي تكمن وراء تأجيل الضربة، في مقالته في “هآرتس”، إذ كتب: “تراجع ترامب بعدما أُثيرت شكوك تتعلّق بفرص الهجوم المخطّط له في إحداث تغيير حقيقيّ لمصلحة الاحتجاجات في إيران، إلّا أنّ ترامب لم يتخلَّ عن خيار الهجوم، لكن يبدو أنّ الأمر سيستغرق وقتاً قبل اتّخاذ قرار جديد بهذا الشأن. لقد سبقت تجميد الهجوم محادثات بين مسؤولين كبار في الولايات المتّحدة ومسؤولين في إسرائيل ودول الخليج”. تابع الكاتب: “تنظر إسرائيل بإيجابيّة إلى الجهد الأميركيّ لإسقاط النظام في طهران، لكنّها قلِقة لسببين: الأوّل هو الخشية من أن تردّ إيران بقوّة ضدّ أهداف إسرائيليّة، والثاني هو الخطر المتمثّل في أنّ الخطّة الأميركيّة غير ناضجة بما يكفي، وبالتالي لن تُلحق الضرر المرجوّ بالنظام الإيرانيّ”.
خيار القوّة ما يزال على الطّاولة
تؤكّد صحيفة “يديعوت أحرونوت” أنّ “حالة الاستنفار ما تزال قائمة، إذ صدرت تعليمات إلى القيادة المركزيّة الأميركيّة (سنتكوم) تفيد بالبقاء في حالة تأهّب قصوى خلال الشهر المقبل، مع استمرار تدفّق التعزيزات العسكريّة التي تشمل قطعاً بحريّة ومنظومات دفاع جوّيّ إلى المنطقة. يعني ذلك أنّ خيار القوّة ما يزال مطروحاً بقوّة على الطاولة، في حال تراجعت طهران عن تعهّداتها، أو أقدمت على خطوات تُعَدّ استفزازيّة من منظور واشنطن وحلفائها”.

التّنبّؤ بمستقبل النّظام الإيرانيّ صعب
ثمّة تشابه كبير في هذه الأيّام بين عالم السياسة وعالم “البيزنس”. في بيئة الأعمال التي تعيش تحوّلات جيوسياسيّة وتكنولوجيّة وثقافيّة معقّدة، يصعب التنبّؤ، وكذلك الأمر في البيئة السياسيّة العالميّة. تبدو صعوبة التنبّؤ ورسم السيناريوهات في هذه البيئة مرتبطة بشخصيّة ترامب الجدليّة ومزاجيّته وتصوّراته المتناقضة والمتبدّلة بين يوم وآخر.
ثمّة تشابه كبير في هذه الأيّام بين عالم السياسة وعالم “البيزنس”. في بيئة الأعمال التي تعيش تحوّلات جيوسياسيّة وتكنولوجيّة وثقافيّة معقّدة
في هذا السياق، كتب إيال زيسر في “يسرائيل هيوم”: “من الصعب للغاية التنبّؤ بما سيحمله الغد لإيران لأنّ الأمر ينطوي على محاولة استشراف قرارات وتصرّفات شخص واحد في البيت الأبيض، الرئيس دونالد ترامب، وفي الوقت ذاته قرارات وتصرّفات الفرد العاديّ في الشارع الإيرانيّ. إنّ مثل هذه المحاولات فشلت في الماضي مراراً، على غرار ما حدث خلال ثورات الربيع العربيّ، حين خرجت الجموع إلى الشوارع، أحياناً بقرار لحظيّ، وأُسقطت أنظمة كانت تُعتبر راسخة ومستقرّة، بل محصّنة ضدّ أيّ خطر”.
إقرأ أيضاً: قمّة فلوريدا: ترتيب المصالح في المساحات الرّماديّة
أضاف: “عندما تمّ تبليغ رئيس الوزراء البريطانيّ ونستون تشرشل أنّ القوّات البريطانيّة انتصرت في معركة العلمين في تشرين الثاني 1942، وهي المعركة التي شكّلت نقطة تحوّل في الحرب العالميّة الثانية وقلبت موازينها لمصلحة الحلفاء ضدّ النازيّين، قال: “هذه ليست النهاية، حتّى إنّها ليست بداية النهاية، لكنّها ربّما تكون نهاية البداية”.
السؤال ختاماً: هل صار تفكّك النظام الإيرانيّ مسألة وقت؟
* أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة.
لمتابعة الكاتب على X:
