في زمن حرب الإبادة على غزّة التي وصلت إلى منتصف عامها الثالث، وبموازاتها حرب التصفية السياسيّة في الضفّة، لم تخفَ على الفلسطينيّين والعرب أيّ تفصيلةٍ مهما صغرت. نظراً لحاجة وسائل الإعلام التقليديّة من صحافة وفضائيّات ومنابر أخرى إلى ملء ساعاتها، فاضت الجرعات الإعلاميّة على نحوٍ مبالغٍ فيه، وعرف الجمهور الذي يقضي جلّ وقته في متابعة وسائل التواصل الاجتماعيّ والجلوس أمام الشاشات، وجوهاً قديمةً وجديدة تحمل صفاتٍ أقلّها “خبيرٌ في الشؤون الاستراتيجيّة“، ووفّرت وسائل الإعلام التقليديّة والإلكترونيّة لكلّ فلسطينيٍّ وعربيّ فرصةً لأن يقول رأيه في الأحداث والتطوّرات المتعلّقة بقضاياه.
لم يكن الدفق الإعلاميّ المبالغ فيه ذا مردودٍ إيجابيّ، فلم يوحّد الرأي العامّ على فهمٍ شعبيٍّ مشتركٍ لما يجري، بل أدّى إلى حالةٍ من انقسامٍ سياسيٍّ وفكريّ انعكست على الفعّاليّات الشعبيّة التي كانت في أدنى مستوياتها على المستويين الفلسطينيّ والعربيّ. بدا جليّاً وغير مسبوق أنّ المدن الأوروبيّة وحتّى الأميركيّة أكثر تفاعلاً ونشاطاً وتظاهراً من المدن الفلسطينيّة والعربيّة.
تبدّل الأولويّات
وصلت الحالة الشعبيّة في غزّة إلى تغييرٍ جذريٍّ في الأولويّات، بحكم الحاجة إلى ما هو مفتقدٌ عند أهلها، من دون الإسهاب في التفاصيل والأمثلة. الأولويّة هي لدفن الجثامين التي يخلّفها القصف وإيجاد أضرحةٍ لها.
وصلت الحالة الشعبيّة في غزّة إلى تغييرٍ جذريٍّ في الأولويّات، بحكم الحاجة إلى ما هو مفتقدٌ عند أهلها، من دون الإسهاب في التفاصيل
في حالاتٍ كثيرةٍ تبقى الجثامين تحت الأنقاض، ويتقدّم على هذه الأولويّة ويأتي بعدها، لا فرق، البحث عن علاجٍ ولو إسعافيّاً بسيطاً للجرحى والمرضى الذين يتكدّسون في أفنية المستشفيات المدمّرة، وخلف جدرانها الآيلة للسقوط، ثمّ السعي وراء شربة ماءٍ نظيفٍ قليل الملح والطين، ولقمة طعامٍ لمن يجد دوراً في الازدحام الكثيف أمام قدور العدس والبرغل، وما أمكن الحصول عليه ممّا يقيم أود الجياع. وإذا ما توافر ذلك ويكون من حسن الحظّ فغالباً ما يتوافر بحدوده الدنيا. يتلقّى المواطنون الكرام، كما تصفهم الفضائيّات، وأحياناً ميكروفونات الاحتلال، أوامر بمغادرة بيوتهم أو ما بقي منها إلى ما يقدَّم لهم على أنّه أماكن آمنة، ويتعيّن على المهاجر من ركام داره إلى تلك الأماكن المحدّدة أن يمشي على قدميه عشرات الأميال، ويُقتل من يُقتل على الطريق وينجو من ينجو.
في كلّ مكانٍ على وجه الأرض ينتظر الناس المنخفضات الجويّة المحمّلة بالمطر والثلج لإنقاذ الموسم الزراعيّ إلّا في غزّة حيث مفردة منخفض تثير الرعب في النفوس، إذ تعني تمزّق الخيام القماشيّة المتهتّكة أصلاً ونوم الناس تحت المطر، ويكون حظوظاً من يجد قماشاً جافّاً يغطّي به أطفاله.
في كلّ مكانٍ آخر خارج غزّة، حين يتأخّر المنخفض المحمّل بالمطر يخرج المواطنون الكرام إلى صلاة الاستسقاء، ويعمّ الفرح حتّى لو استجاب الله ببعض رذاذٍ يبشّر بمطرٍ قادم. أمّا في غزّة فلم يبقَ إلّا أن يخرج الناس لصلواتٍ يرجون بها الله أن يبعد المنخفضات عنهم ويحجب المطر، ويحمدون الله على أنّ غزّة في كلّ الظروف لا ينزل فيها الثلج.
الكهرباء التي تحيل ليل المدن إلى نهار هي في غزّة ترفٌ لا يحقّ للمواطنين الكرام أن يستمتعوا به ولو لساعةٍ واحدة. كثيراً ما كانت تُشاهَد طوابير من الناس بطول مئة متر تتزاحم أمام سقيفةٍ امتلك صاحبها مولّداً للكهرباء كي يتمكّن الزبائن الكرام من شحن موبايلاتهم بما يكفي لإرسال أو استقبال مكالمةٍ واحدة.
الكهرباء التي تحيل ليل المدن إلى نهار هي في غزّة ترفٌ لا يحقّ للمواطنين الكرام أن يستمتعوا به ولو لساعةٍ واحدة
معاناة شاملة وعميقة
المعاناة الشاملة والعميقة، التي لم تجد حتّى الآن حلّاً لها ولو جزئيّاً، فليس من يطمع بحلٍّ جذريّ، لم تبقِ أيّ مساحةٍ للسياسة. اكتفى الغزّيّون بمعايشة الألم وتحمّله واضعين لأنفسهم معادلةً سياسيّةً في غاية البساطة ومن جملةٍ واحدةٍ لا تحتاج إلى تحليلات الفضائيّات وخبراء الاستراتيجيات: “أولويّتنا أن نعيش وأن نبقى في غزّة”.
قد يقول قائل إنّ بقاء الناس هناك ليس صموداً طوعيّاً بل لعدم انفتاح الأبواب أمام مغادرتهم. فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو البرّ والجوّ والبحر ورصدا مكافآتٍ ماليّةٍ لمن يغادر. استجاب عشراتٌ أو حتّى مئات، غير أنّ المشروع انتهى، ومن أنهاه أساساً أهل غزّة.
عشراتٌ وربّما مئات آلاف ممّن أتيحت لهم فرصة المغادرة إلى مصر أو كانوا في مصر قبل الحرب شاهدوا التغطيات الإعلاميّة الدقيقة لدمار بيوتهم والازدحام الكثيف على مراكز توزيع الطعام ورأوا تسوية مستشفياتهم بالأرض، وصلوات الجنازة فوق الركام، وأجساد الأطفال المغطّاة بأكفانهم البيض انتظاراً للدفن. من رأوا هذه التغطيات المتقنة فنّيّاً ينتظرون بفارغ الصبر أوان فتح معبر رفح كي يعودوا، ولهذا يمانع نتنياهو فتحه لأنّه يعرف أنّ سماحه بذلك يعني موافقته على حقيقة أنّه هُزم أخيراً من قبل أهل غزّة.
في غزّة هذه هي السياسة وأولويّاتها ومجالات اهتمام الناس بها. أمّا خارج غزّة فما يجري فيها هو مادّة حوارٍ دسمٍ على الشاشات حيث يخاطب المتحدّثون الخبراءُ المواطنين الكرام بلغة هذا مقبولٌ وذاك مرفوض، هذا صحيحٌ وذاك خطأ، هذا وطنيٌّ وذاك عميل.
إقرأ أيضاً: إيران لا تسقط من فوق
يغادر الخبراء شاشاتهم بعدما تباروا في إصدار أوامر الصمود للمواطنين الكرام.
سُئل غزّيٌّ ما رأيك في مجلس السلام، فأدار ظهره للسائل ومضى إلى بؤسه اليوميّ.
