“السلام ليس غياب الحرب، بل إدارة الصراع“ (ريموند آرون)
كانت واحدة من اللحظات القليلة التي تجهّم فيها وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال المؤتمر الصحافي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض، في 17 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت. سُئل الأمير عن إمكانية انضمام المملكة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، فأجاب بأن الأمر مرهون «بالتأكد من وجود مسار واضح نحو حلّ الدولتين».
رسم ذلك التصريح في حضور ترامب خطاً أحمر ليس بوسع أحدٍ أن يرسمه سوى الرياض، بما لها من ثقل في دوائر القرار الأميركية. وسرّبت «يديعوت أحرونوت» وصحف أخرى لاحقًا وقائع ما وُصف بـ«الضغوط» التي مارسها ولي العهد السعودي على الرئيس الأميركي، للحصول على التزام رسمي من واشنطن ببدء مفاوضات جدية بشأن إقامة دولة فلسطينية، على أن تُنجَز خلال خمس سنوات كحد أقصى.
في الشهر الأول من السنة، وحتى قبل أن يؤدي ترامب اليمين الدستورية، جرت محاولته الأولى للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، قبل أن تُجهضها إسرائيل بعد إتمام المرحلة الأولى من تبادل الرهائن والأسرى
أكبر مواجهة دبلوماسية
قبل ذلك بأسابيع قليلة، كانت السعودية قد خاضت أكبر مواجهة دبلوماسية لحشد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، من خلال المؤتمر الدولي الذي عُقد في نيويورك بالتزامن مع أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. تلا ذلك تصويت الجمعية العامة لصالح قرار دعم قيام الدولة الفلسطينية بأغلبية فاقت 140 صوتًا، مقابل عشرة أصوات معارضة فقط، من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل، وحفنة من الدول الصغيرة التي يصعب تذكّر أسمائها، مثل ميكرونيسيا وناورو وبالاو.
على أن الرجل الذي واجه الإدارة الأميركية في الشأن الفلسطيني، قاطعًا الطريق على خطط إسرائيل لتصفية القضية وتهجير الفلسطينيين، هو نفسه الذي رفع الشراكة مع واشنطن إلى مستوى غير مسبوق على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية. وكان من ثمار ذلك دعم تثبيت ركائز الحكم والاستقرار في سوريا الجديدة، ورفع العقوبات عنها، واجتذاب اهتمام الأميركيين إلى جهود إحلال السلام في السودان. كان ذلك بعضًا من «صناعة التوازن» التي باتت اختصاصًا خالصًا للحكمة السعودية، في مواجهة أطماع القوة الإسرائيلية الجامحة، وأوهام السيطرة الإيرانية على العواصم العربية.
كان مطلع عام 2025 حافلًا بالمفارقات ونذيرًا بالقنابل الموقوتة. دمشق تطلق الألعاب النارية احتفالًا بسقوط نظام بشار الأسد قبل أسابيع قليلة، فيما كانت غزة لا تكاد تحصي النيران الإسرائيلية المتساقطة على خيامها المشرّعة للريح، وإسرائيل تمارس فائض القوة في كل اتجاه. كانت لحظة تحوّل جذري في موازين القوى واتجاه الريح. خلال أسابيع معدودة، تغيّر وجه الإدارة الأميركية، وسقطت عقدة الاتصال بين إيران ورأس حربتها على المتوسط، وذاب وجود الحرس الثوري في سوريا ذوبان الملح، وفقد «حزب الله» قائده التاريخي السيد حسن نصر الله. كان المشهد يوحي بانكفاء إيران، لكنه كان ينذر في المقابل باندفاع إسرائيل لكسر الموازين عبر تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، وقتل «حل الدولتين». وبدا أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تمثل فرصة تاريخية للدولة العبرية، وهو الذي كسر المحرّمات في ولايته الأولى بنقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بضم الجولان.
كان على السعودية أن توظّف ثقلها الإقليمي لاستعادة التوازن. واختار ولي العهد السعودي لذلك مقاربة متعددة الأوجه: اكتساب ثقة الإدارة الأميركية من جهة، وتطويق خياراتها من جهة أخرى، بالحكمة حينًا، وبالأوراق السياسية والاقتصادية والعسكرية أحيانًا، لدفعها نحو خيارات تتقاطع عندها المصالح العربية والأميركية، وتحدّ من جموح إسرائيل.
السعودية والتوازن الاقليمي
في الشهر الأول من السنة، وحتى قبل أن يؤدي ترامب اليمين الدستورية، جرت محاولته الأولى للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، قبل أن تُجهضها إسرائيل بعد إتمام المرحلة الأولى من تبادل الرهائن والأسرى. وفي أيار/مايو، اختار ترامب الرياض وجهة لأول زياراته الخارجية الرسمية في ولايته الثانية، في محطة لإعادة ترسيم المصالح الاستراتيجية المشتركة. لدى ترامب أجندة صريحة، تكرّست لاحقًا في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» التي نشرها البيت الأبيض، ومفادها أن الشرق الأوسط فقد كثيرًا من أسباب الاهتمام الأميركي المفرط. غير أن الواقع العملي كان يشير إلى العكس تمامًا، إذ بدا أن الحضور الأميركي في الإقليم يتزايد لا يتراجع. وكانت ذروة ذلك إعلان «خطة ترامب للسلام» في غزة، ومشاركة الرئيس الأميركي شخصيًا في مؤتمر شرم الشيخ للسلام في تشرين الأول/أكتوبر الفائت، وإعلان ترؤسه «مجلس السلام» في غزة، ثم ممارسته ضغوطًا مباشرة على إسرائيل لإبقاء وقف إطلاق النار على قيد الحياة.
أدارت السعودية استعادة التوازن الإقليمي بتقليد «الحكمة السياسية» المتوارث من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، الذي أرسى أسس التحالف مع الولايات المتحدة في لقائه التاريخي مع الرئيس فرانكلين روزفلت عام 1945. ذلك التحالف كان صيغة واقعية لموازنة النفوذ بين القوى الكبرى في زمنه. ويدور الزمان، ليعيد الأمير محمد بن سلمان هندسة التوازن في الإقليم، على قاعدة تثبيت التحالف مع الولايات المتحدة، من دون شيكات سياسية على بياض، ومن دون الركون إلى مسلّمات الأمن الإقليمي القديمة.
اختتم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان السنة بقرار استراتيجي عسكري حين قامت طائرات التحالف بقيادة السعودية بقصف ميناء المكلا في اليمن
أدارت السعودية هندسة التوازن عبر مسارات عديدة متوازية:
- اليمن بين الدولة والدور..
اختتم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان السنة بقرار استراتيجي عسكري حين قامت طائرات التحالف بقيادة السعودية بقصف ميناء المكلا في اليمن، حيث كانت حاويات الأسلحة والسيارات القتالية المرسلة من الإمارات إلى ميليشيات جنوبية إدّعت السيطرة على جنوب اليمن وأعلنت نيّتها بانفصالها عن الشمال في خطوة “تقسيمية” اعتبرتها الرياض والحكومة الشرعية اليمنية مخالفة “تأسيسية” لجهودها طوال السنوات العشر الماضية بالحفاظ على وحدة الدولة.
الدولة والدور؟
لا يمكن توصيف العلاقة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في اليمن كخلاف تقليدي أو انقسام تحالفي. ما نشهد هو تباين استراتيجي في الأدوار والأولويات داخل إطار تحلف قائم حتى إشعار آخر، حيث تقود السعودية مسار القرار السياسي-الاستراتيجي، بينما تدير الإمارات أدواراً ميدانية ووظيفية. هذا التباين أفرز تداعيات مباشرة على بنية الدولة اليمنية وعلى معادلات الأمن الإقليمي.
- الخلفية الاستراتيجية
دخلت الرياض وأبو ظبي ساحة اليمن عام 2015 بهدف كبح تمدّد الحوثيين ومنع ترسخ نفوذ إيراني على الخاصرة الجنوبية للخليج. غير أنّ تطور العمليات كشف اختلافاً بنيوياً في تعريف التهديد وأفق الخروج:
- السعودية: أمن الحدود، الشرعية الدولية، تسوية سياسية قابلة للاستدامة، ووحدة يمينة مرنة.
- الإمارات: أمن الممرات البحرية، السيطرة على السواحل والموانئ، بناء قوى محلية منضبطة، وتقليص الإسلام السياسي.
النتيجة كانت تباعداً في المقاربات بدأ يتحوّل إلى صدام وينعكس مباشرة على المشهد اليمني.
- طبيعة التباين: تحالف المصالح لا وحدة الرؤية
- التباين ليس خلافاً صفرياً، ولو أنه بين “دولة القرار” و “دولة الدور”.
- الرياض تمسك بقرار الحرب والسلم وبقنوات التفاوض الدولية.
- أبو ظبي تعتمد على إدارة الوقائع الميدانية تحت عنوان الاستقرار العملي في مناطق النفوذ.
هذا النموذج أنتج معادلة غير معلنة في الخليج: “دولة القرار” مقابل “دولة الدور”؟
جـ-توزيع الأدوار داخل المنظومة الخليجية
- السعودية – دولة القرار؟.
- الشرعية السياسية العربية والدولية.
- تحمل الكلفة الاستراتيجية والدبلوماسية.
- قيادة مسار التسوية والتفاوض متعدد المسارات.
- الإمارات – دولة الدور.
- قدرة تنفيذية وسرعة تموضع.
- نفوذ بحري وأمني قائم على شبكات محلية.
- مرونة تسمح بالانسحاب أو اعادة الاستثمار دون كلفة سياسية مرتفعة.
هذا التوزيع لا يضعف التحالف بحد ذاته فقط، لكنّه يعقد إدارة الساحة حسن يغيب إطار سياسي جامع.
- التداعيات على اليمن
- تفكك وظيفي للدولة: شمال حوثي، جنوب نفوذ انتقالي، ووسط بلا سيطرة متماسكة.
- إطالة أمد النزاع: تباين الأولويات يقلص فاعلية الضغط التفاوضي الموحد.
- تعزيز منطق النفوذ: تراجع فكرة الدولة المركزية لصالح ترتيبات أمنية محلية.
هـ الانعكاسات الإقليمية
- سابقة تحالفية جديدة: الانتقال من “وحدة الموقف إلى “تنسيق مصالح”.
- اختبار للأمن البحري: باب المندب والسواحل اليمنية باتت محور توازنات تتجاوز اليمن.
- إعادة تعريف الدور الخليجي: من تحالفات صلبة إلى شراكات متغيرة.
- السعودية تتحرك بمنطق الدولة القائدة الباحثة من تسوية نهائية تنهي الاستنزاف.
- الإمارات تتحرك بمنطق القوة السريعة التي تراكم نفوذاً عملياً منخفض الكلفة.
الخطر الإستراتيجي لا يكمن في التباين نفسه، بل في تحوّل “الدور” إلى قرار مستقل إذا طال الفراغ السياسي أو تعثرت التسوية الشاملة.
اليمن لم يعد مجرد ساحة نزاع، بل مختبر لإعادة تشكيل التحالفات الخليجية.
نجاح هذا النموذج مرهون باستعداد “دولة الدور” لربط نفوذها بوحدة المسار لا بتكريس الوقائع التقسيمية. من دون ذلك، سيبقى اليمن مرآة لانزلاق المنطقة من إدارة الأزمات إلى إدامتها.
- في سوريا، اتخذت الرياض قرارًا استراتيجيًا حاسمًا باحتضان التغيير في سوريا، ورعاية إعادة دمشق إلى مركز الثقل العربي، انطلاقًا من قناعة بأن ترك سوريا في فراغ سياسي واقتصادي سيكون وصفة أكيدة لعدم الاستقرار الإقليمي. وكانت اللحظة الفارقة استضافة الرئيس السوري أحمد الشرع في لقاء ثلاثي جمعه بولي العهد السعودي والرئيس الأميركي، ليُعلن ترامب من الرياض اعتزامه رفع العقوبات الأميركية عن سوريا. كان ذلك تتويجًا لمسار ضغط دبلوماسي سعودي هدفه إعادة سوريا إلى المنظومة العربية والدولية، ومنع تحوّلها مجددًا إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية. ولا شك أن الدعم السعودي كان مفصلياً لمواجهة الضغط الإسرائيلي لإسقاط الحكم الجديد منذ اليوم الأول.
- في لبنان، كانت الرياض وحدها من كسر الاستعصاء، حين تولت قيادة الضغط الدولي لإعادة تكوين السلطة، ضمن معادلة متوازنة لا تبتغي كسر أي فريق على آخر أو استخدام الساحة اللبنانية كأداة صراع إقليمي. وكان من ثمار دبلوماسية الأمير يزيد بن فرحان إنهاء الفراغ الرئاسي بانتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في كانون الثاني/يناير 2025، وتشكيل الحكومة الجديدة، وإعادة الانتظام إلى المؤسسات، بعد سنوات من الفراغ والشلل والانهيار المؤسسي. واستمرت بعد ذلك المتابعة السعودية الدقيقة للتطورات اللبنانية، بما في ذلك رعاية التفاوض مع الحكم الجديد مع سوريا، والذي كان له أثر حاسم في تفكيك الكثير من العقد الحساسة بين البلدين، ووضعهما على مسار التواصل والتفاوض المباشر.
- مع طهران، واصلت الرياض في 2025 مسار الانفتاح الحذر، استكمالًا للاتفاق الذي رعته الصين في بكين عام 2023. وتجلّت الحكمة السعودية في رفض الاستثمار في ضعف إيران بعد سقوط حليفها السوري، وتلقي أذرعها ضربات قاصمة، ثم تعرضها هي نفسها لضربات إسرائيلية وأميركية في صيف 2025. على العكس من منطق «الضربة القاضية»، اختارت الرياض مقاربة الاحتواء: توسطت لوقف إطلاق النار، وعرضت التوسّط في الملف النووي خلال زيارة بن سلمان إلى واشنطن، إدراكًا منها أن انهيار إيران الكامل لا يقل خطرًا عن تمددها السابق.
- مع باكستان، أعلنت السعودية في أيلول/سبتمبر 2025، عن إطار تحالف وتعاون دفاعي موسّع يشمل تنسيقًا استراتيجيًا في مجالات التدريب العسكري، وتبادل المعلومات، والدفاع المشترك. تكمن أهمية هذا التحالف في ربط قوة نووية إسلامية بثقل العالمين العربي والإسلامي، وتوسيع هامش الردع في بيئة إقليمية مضطربة.
- مع الصين، حافظت السعودية على شراكتها الاقتصادية الاستراتيجية، أكبر شريك تجاري للمملكة وأكبر مستورد لنفطها، بحجم تبادل يقارب مئة مليار دولار سنوياً. وقد شكّلت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الرياض في كانون الأول/ديسمبر 2023 محطة مفصلية، جرى خلالها توقيع عشرات الاتفاقيات في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد. لكن، ومن دون التقليل من هذا العمق الاقتصادي، تبقى العلاقة مع بكين في إطارها الاقتصادي والاستثماري إلى حد بعيد، من دون تحويلها إلى بديل أمني.
- أما الولايات المتحدة، فمع كل ما سبق، تبقى الركيزة الأساس في منظومة التحالفات الخارجية السعودية. فهي المزود الأكبر بالأسلحة، والشريك الأهم في إعادة بناء عقيدة الردع الإقليمي. وفي 2025، أضافت العلاقة بُعدًا نوعيًا جديدًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صلب الشراكة الاستراتيجية، بعد موافقة واشنطن على تصدير الرقائق الأكثر تقدمًا إلى السعودية. وذاك مكسب استراتيجي يضع المملكة في قلب سباق اقتصاد المستقبل، ويكرّس الثقة الأميركية بدورها كشريك طويل الأمد. ولعل أحد معايير نجاح «هندسة التوازن» السعودية على هذا الصعيد، أن الأجندة الأميركية في المنطقة، كما تنص عليها «استراتيجية الأمن القومي» التي نشرها البيت الأبيض قبل أسابيع، باتت بشكلٍ أو بآخر هي الأجندة التي وضعتها السعودية لنفسها، وهي أن تصبح وجهةً للاستثمارات الدولية ومصدّراً لها، وأن تتطور المصالح الاقتصادية مع الأميركيين إلى ما يتجاوز النفط والغاز، لتشمل الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي- الذي خطت فيه السعودية والإمارات خطوات عملية كبيرة- والصناعات العسكرية، وتأمين سلاسل الإمداد والشراكة في الاستثمار في الأسواق الأفريقية.
إقرأ أيضاً: “حماس” والمهمّة المستحيلة عام 2026
المختلف في هندسة التوازن السعودية أنها لا تبحث عن كسر الخصوم، ولا تسعى إلى تصفية حسابات تاريخية لا نهاية لها، بل تدير لحظة اختلال في إقليم لا يحتمل فائض قوة إسرائيلي، ولا انهيارًا إيرانيًا شاملًا. ولعلها أثبتت في عام 2025 بالذات أنها أكثر فاعلية في توفير مظلة حماية للحقوق العربية من عقودٍ طويلة من الصخب والخطابات واصطناع الأذرعة المسلحة التي زعزت استقرار الدول باسم الزحف إلى القدس. فلا زحفت إلى القدس ولا حفظت استقرار مجتمعاتها.
تقدّم السعودية لفلسطين ما لم يقدمه غيرها، بكثير من الحكمة وقليل من الصخب.
