“الأمّة اللّبنانيّة” القلِقة من انبعاث سوريا

مدة القراءة 8 د

لا يحتاج اللبنانيّون إلى تصريحات توم بارّاك كي يقلقوا على كينونتهم، وخصوصيّتهم، وأساطيرهم. هذا “اللبنان” منذ إنشائه قبل أكثر من قرن لم يهدأ أصلاً ولم يستقرّ. ما يفعله الموفد الأميركيّ هو أنّه يضع اللبنانيّين أمام المرآة في محاولة منه لإيقاظهم، ويقصد المسيحيّين خاصّة. لا يهدّدهم، بل ينبّههم إلى أنّ ظروف تأسيس لبنان قد تبدّلت، مع انبعاث سوريا بتوازنات جديدة. ما الذي يتغيّر، وما مصير لبنان؟

 

يقول المؤرّخ كمال صليبي (توفّي عام 2011) في كتابه منطلق تاريخ لبنان: “إنّ اللبنانيّين لم ينجحوا منذ البداية في أن يتوافقوا على أسطورة تأسيسيّة واحدة”. يبدو أنّ هذا ما أعاق قيام سرديّة واحدة، وبدّد جهود المؤسّسين لإنشاء هويّة وطنيّة واحدة.

لبنان عند الأب البلجيكيّ هنري لامنس Henri Lammens (توفّي عام 1937) “ملجأ” المسيحيّين الهاربين من الاضطهاد الإسلاميّ على مدى العصور، وذلك كما ورد في كتابه سوريا: تاريخ موجز La Syrie : précis historique. وهو ما يفنّده كمال صليبي.

أمّا عند ميشال شيحا (توفّي عام 1954)، المصرفيّ والمفكّر والسياسيّ وأحد آباء دستور 1926، فهو “بلد غاية في الصغر. وهو غاية في القِدَم. موقعه الجغرافيّ من أكثر المواقع أهميّة، وأكثرها تعرّضاً للمخاطر. يقع على طريقين برّية وبحريّة، وهاتان بين أكثر الطرق ضرورة لكرة الأرض. يشارك أكثر من كلّ بلد غيره في الوصل بين حضارات متباينة موزّعة على جهات العالم الأربع. فيه تتواجه الأعراق والمعتقدات والشعائر واللغات وأساليب التفكير والأعراف. هو معاً، بلد ملجأ، وبلد هجرة، بلد جبال وسهول، بلد مناخات متنوّعة، وثقافات مختلفة، وفيه نقع على صور الجنس البشريّ جميعاً، وعلى صور العمل البشريّ جميعاً”.

يستخلص قائلاً: “إنّنا هنا بين أكثر المتضادّات تضادّاً، وأكثر العقليّات تبايناً، وأكثر الأعراف تنافراً، وأقلّ الوجوه تماثلاً. ههنا عالم أصغر”.

أمام هذا الاستحقاق، يحار السياسيّون اللبنانيّون في كيفيّة التعامل مع هذه الحالة الجديدة، ويتعثّرون في خطاهم، وكأنهّم في غيبوبة من الدهشة

أرض ميعاد الأقلّيّات

قبل الاستقلال بعام، قال شيحا إنّ لبنان هو “أرض ميعاد” للأقلّيات. فسيفساء دينيّة عزّ على الأرض نظيرها. لكنّه استدرك وأوضح أنّ أهمّ علّة وجود لهذا التفرّد اللبنانيّ ما تولّده العادة من الحذر الغريزيّ عند الضعيف، وفزع البعض من أن يتسلّط عليهم البعض الآخر. ما كان أحد ليتكلّم عن الأقلّيّات لو لم يكن في ذاته فزَعٌ من أكثريّة. لكن يحدث في بعض الأحيان أن يجاوز الفزَع حدّه ويُمسي ضرباً من الوهم. وهو ما حدث ويحدث حتّى يومنا هذا.

معطيات وهواجس

وضع شيحا، الكاثوليكيّ، السوريّ الأصل، التصوّر النهائيّ والمتكامل لأسطورة لبنان، مع قدر كبير من المبالغات. صحيح أنّ السكّان متنوّعون جدّاً، حتّى لا يمكن اعتبار لبنان فينيقيّاً ولا عربيّاً من حيث العِرق، لكثرة ما مرّ بساحله من جيوش، ومكث فيه من شعوب، فهو بوتقة تنصهر فيها الأجناس. لكنّه في مجمل رؤيته الحالمة يُغفل سوريا في الشمال وفلسطين في الجنوب.

لذلك لا يحتكر لبنان عمليّاً صفة “الجسر” بين شرق البحر المتوسّط والخليج. وإذا لم يكن لبنان، بحسب تعبيره، جبالاً وشطوطاً وحسب، بل هو بشر، فإنّ مميّزات لبنان الجغرافيّة والسكّانية والدينيّة والاقتصاديّة موجودة في سوريا أمس والآن، بصورة أوضح وأغنى. لكنّ هذه الميزات كلّها أو معظمها كانت مجمّدة أو معطّلة، وهو ما سمح للبنان بالانطلاق في سنواته الذهبيّة.

المعضلة التي لم تغادر اللبنانيّين لحظة واحدة منذ ولادة الكيان، هي معنى “الأمّة اللبنانيّة”، وهل هناك جامع حقيقيّ بين طوائف لبنان؟

فيما كانت سوريا غائبة عن بال شيحا، بسبب توازناتها الطائفيّة وطبائعها السياسيّة، إلّا أنّه استشعر مبكراً خطر قيام الدولة اليهوديّة على أرض فلسطين، بدعم من الحركة الصهيونيّة العالميّة، فقال في كانون الأوّل عام 1947 إنّ “قرار تقسيم فلسطين بإنشاء الدولة اليهوديّة لَمِن أضخم الأخطاء في السياسة المعاصرة. إنّ أمراً كهذا، وإن بدا يسيراً في الظاهر، فلسوف تستتبعه عواقب غير متوقّعة. وليس من باب امتحان العقل إذا قلنا إنّ هذا الحدث الصغير سيسهم في زعزعة أُسس العالم”. هذا كان استشرافاً دقيقاً منه للخطر الصهيونيّ، وقد زعزع كيان لبنان ضمناً. وهو ما يزال كذلك، بل تفاقم الخطر.

لبنان في نقطة البداية

لبنان بعد 105 سنوات على إعلان قيامه، و77 سنة على تأسيس دولة إسرائيل، يقبع في نقطة البداية. لم يُنجز اللبنانيّون سرديّة مقنعة. ما اتّفقوا على تاريخ تليد، ولا على حاضر مشترَك، ولا على استشراف مستقبل واعد. كلّ الحلول المطروحة، من تطبيق كامل لاتّفاق الطائف إلى العودة إلى لبنان صغير بتقسيم مقنّع (فدرالية) أو معلن، تصطدم بعوائق ووقائع. الأشدّ وقعاً اليوم هو ما يجري من تطوّرات متسارعة في الجنوب والشمال.

إسرائيل بعد عمليّة “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، تفلّتت من كلّ القيود، فأصبحت وحشاً كاسراً يقصف ويقتل ويدمّر ويتوسّع دون أيّ ضوابط. سوريا بعد عمليّة “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني 2024، انعتقت من تسلّط الأقلّيّة على الأكثريّة، لأوّل مرّة منذ أكثر من ستّين عاماً، وتتّجه لاعتماد أفضل ما في التجربة اللبنانيّة، وهو الاقتصاد الليبراليّ، والنظام الديمقراطيّ، مع الابتعاد قدر الإمكان عن مساوئ التجربة.

سوريا

هذا معطى جديد تماماً، وله أثره البالغ في لبنان “بلد الأقلّيّات”، بحسب تنظير ميشال شيحا. وهذا أخطر بكثير من احتمالات تدخُّل الطرف السوريّ في الشؤون اللبنانيّة، أو اللعب في الخارطة، أو استمالة السُّنّة إلى جانبه.

لا يحتاج اللبنانيّون إلى تصريحات توم بارّاك كي يقلقوا على كينونتهم، وخصوصيّتهم، وأساطيرهم

أمام هذا الاستحقاق، يحار السياسيّون اللبنانيّون في كيفيّة التعامل مع هذه الحالة الجديدة، ويتعثّرون في خطاهم، وكأنهّم في غيبوبة من الدهشة، أو الصدمة، أو الغيظ، فيما المطلوب صياغة رؤية واضحة للبنان الغد بإزاء سوريا الجديدة.

هل هناك أمّة لبنانيّة؟

المعضلة التي لم تغادر اللبنانيّين لحظة واحدة منذ ولادة الكيان، هي معنى “الأمّة اللبنانيّة”، وهل هناك جامع حقيقيّ بين طوائف لبنان؟

بحسب المستشرق الفرنسيّ إرنست رينان Ernest Renan (توفي عام (1892، ما يميِّز الدول المختلفة هو أنّها دمجت عدّة شعوب داخل حدودها. أمّا عن كيفية تكوُّن الأمم فيقول إنّ الأمّة الحديثة هي نتيجة تاريخيّة لمجموعة من الأفعال في الاتّجاه نفسه.

في بعض الأحيان، تحقّقت الوحدة القوميّة من خلال أسرة حاكمة ما، كما هو الحال بالنسبة لفرنسا، وأحياناً، بإرادة المقاطعات، كما هو الحال بالنسبة لهولندا وسويسرا وبلجيكا، وأحياناً بروح عامّ يتغلّب ولو متأخّراً على نزوات الإقطاع المحلّيّ، وهذا هو الحال بالنسبة لإيطاليا وألمانيا. أمّا العامل الأساسيّ في التكوين، فلا يمكن أن يكون العِرق لأنّه لا وجود لعِرق نقيّ.

أمّا اللغة فتدعو إلى التوحّد، لكنّها لا تفرضها. يرى أنّ اللغات تشكيلات تاريخيّة لا تدلّ كثيراً على الجذور العِرقيّة للمتكلّمين بها. وهناك شيء في الإنسان أسمى من اللغة: إنّه الإرادة، مثل رغبة سويسرا في الوحدة، على الرغم من تنوّع لغاتها. وفرنسا مثلاً، لم تسعَ قطّ إلى تحقيق وحدة اللغة من خلال التدابير القسريّة.

يتساءل رينان: ألا يمكن أن تكون لدينا المشاعر نفسها والأفكار نفسها، ونحبّ الأشياء نفسها بلغات مختلفة؟ إنّ المصالح هي بلا شكّ رابطة قويّة بين الناس، لكن هل المصالح كافية لبناء أُمّة؟ وللجغرافيا، أو ما نسمّيه الحدود الطبيعيّة، دور كبير في تقسيم الأمم، لكن هل يمكن أن نقول إنّ حدود أُمّة ما مكتوبة على الخارطة، ومن حقّ هذه الأمّة أن تمنح نفسها ما يلزم للالتفاف حول حدود معيّنة، للوصول إلى جبل كذا أو نهر كذا؟

سوريا بعد عمليّة “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني 2024، انعتقت من تسلّط الأقلّيّة على الأكثريّة، لأوّل مرّة منذ أكثر من ستّين عاماً

الأمّة هي الرّوح

يخلص رينان إلى أنّ الأمّة هي روح. وهناك أمران يشكّلان روح الأمّة. أحدهما في الماضي، والآخر في الحاضر. الأوّل هو الامتلاك المشترَك لإرث غنيّ من الذكريات، والآخر هو الرغبة في العيش معاً والرغبة في الاستمرار في تأكيد التراث: الماضي البطوليّ والرجال العظماء والمجد.

يقول إنّ مجموع ذلك هو رأس المال الاجتماعيّ الذي تُبنى عليه الفكرة الوطنيّة: أن تكون لدينا أمجاد مشترَكة في الماضي، وإرادة مشترَكة في الحاضر، علاوة على أنّ المعاناة المشتركة، أي الألم، توحّد أكثر من الفرح. لذلك تتشكّل الأمّة من الشعور المشترَك بالتضحيات التي قدّمناها معاً، ومن تلك التي نحن على استعداد لتقديمها مرّة أخرى.

إقرأ أيضاً: سُنّة لبنان بعد الأسد: لماذا لا ينبت العشب؟

السؤال الآن وغداً: إن لم تكن تجمعنا اللغة، أو هي غير كافية، ولا الدين، والطوائف مختلفة، ولا حتّى الرموز أو الأساطير المؤسِّسة، وهي متضادّة، ولا التضحيات أو الشهداء، فلكلّ طائفة شهداؤها المقدّسون، فلا يبقى حينئذ إلّا البحث عن المصلحة المشترَكة، أو عن الضرر الجماعيّ فيما لو افترقنا. ما تزال الفرصة قائمة لاجتراح الرؤية المناسبة لاستمرار لبنان، أفضل ممّا كان، مع التخلّي قليلاً عن الأساطير.

مواضيع ذات صلة

القوّة الأميركيّة المطلقة ومصائر النّظام الدّوليّ!

ليست حالة فنزويلّا التي اختطف دونالد ترامب رئيسها وزوجته، نادرةً أو فريدةً من نوعها. يرجع ذلك إلى هشاشة النظام الدوليّ، وأنّ الدول الكبرى وعلى رأسها…

فنزويلّا مفتاح تحكّم أميركا بحاجات الصّين النّفطيّة

سيكون على العالم أن يتريّث قبل أن تتّضح مآل الأمور في فنزويلّا بعد توقيف نيكولاس مادورو وزوجته في الولايات المتّحدة الأميركيّة. لا ينفي نجاح العمليّة…

أزمة جنوب اليمن: لماذا سكت ترامب؟

لم تظهر أيّ شبهات توحي بدور أميركيّ ما خلف التصدّع الذي داهم علاقات السعوديّة والإمارات بشأن اليمن. برز سؤال موقف واشنطن منذ اللحظات الأولى لقيام…

العالم إلى تحوُّل… من فنزويلّا إلى الشّرق الأوسط

شهد الشرق الأوسط الملتهب، في العام المنطوي، مزيداً من تفاقم الصراعات واستمرار محاولة تغيير الخرائط في نزاعات النفوذ والطاقة. مع إطلالة الربع الثاني من القرن…