أسعد الشّيباني… المُمسك بشعرة معاوية

مدة القراءة 7 د

إلى نادي وزراء الخارجيّة في العالم انضمّ عضو جديد قبل عامٍ إلّا أيّاماً، اسمه أسعد حسن الشيباني. ملأ مقعده حتّى ليخيّل للمتابع أنّه دائم فيه، وملأ الدنيا من أقصاها إلى أقصاها ولفت أنظار العالم إليه، حتّى يكاد المرء لا يصدّق أنّه وزير خارجيّة دولة خارجة لتوّها من حرب طاحنة استمرّت 13 سنةً.

 

 

يُعرّف رئيس الوزراء البريطانيّ الأشهر وينستون تشرشل الدبلوماسيّ بقوله إنّه “رجل يقول لك أن تذهب إلى الجحيم بطريقة تجعلك تتطلّع إلى الرحلة”. رأس الدبلوماسيّة السوريّة وزير الخارجيّة والمغتربين أسعد الشيباني لم يقُل يوماً إنّ السوريّين وأشقّاءهم ذاهبون إلى الجحيم. بل كرّر أكثر من مرّة العكس تماماً، على الرغم من سوء الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة حتّى الثقافيّة، وعلى الرغم من شبح الحرب الذي يخيّم على الشرق الأوسط من أقصاه إلى أدناه، ومن أوّله إلى آخره.

لكن الشيباني منذ تسلّمه منصبه في 21 كانون الأوّل 2024، عقب سقوط النظام الأسديّ المخلوع، لا ينفكّ بخطواته الدبلوماسيّة يجعلنا أسرى “التطلّع إلى الرحلة”، بكثير من الأمل أن تعود سوريا كما كانت على مرّ التاريخ، وأن يُلحق النظام الجديد الدنيا ببستان هشام (بن عبدالملك)، كما كانت ذات أمويّين، وكما ردّد الشاعر سعيد عقل: أمويّون فإن ضقتِ بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام.

إلى نادي وزراء الخارجيّة في العالم انضمّ عضو جديد قبل عامٍ إلّا أيّاماً، اسمه أسعد حسن الشيباني. ملأ مقعده حتّى ليخيّل للمتابع أنّه دائم فيه

لا يهدأ الشيباني. لا يكلّ ولا يملّ. ونحن نتابعه لا تكفّ رؤوسنا عن الالتفات ساعةً شرقاً وساعةً غرباً وساعات إلى القلب، إلى سوريا، سوريا التاريخ والحضارة والغد، سوريا الخارجة لتوّها من عقد ونصف عقد من الثورة والحرب لإسقاط الدكتاتور.

كان وجهاً مغموراً لا نعرف عنه إلّا أسماءه المتعدّدة، وأبرزها “أبو عائشة”، و”زيد العطّار”، و”حسام الشافعيّ”. صار اليوم أشهر من نار على علم. لا تغيب صورته وأخباره عن نشرة إخباريّة في أربع جهات الأرض. يحضر فيحضر الرئيس السوريّ أحمد الشرع، ويحضر الأخير فيتألّق الأوّل. من الولايات المتّحدة الأميركيّة بالأمس إلى الصين غداً، ومن المملكة العربيّة السعوديّة إلى روسيا، مروراً بعواصم لا تبدأ بباريس ولا تنتهي بأنقرة.

على الرغم من ذلك، المعلومات عن الشيباني شحيحة، تتكرّر هنا وهناك بلا أيّ جديد يُذكر.

أوّل السّيرة

هو أسعد حسن الشيباني، المولود عام 1987 في قرية أبو راسين في محافظة الحسكة في شمال شرق سوريا، والمتحدّر من قبيلة بني شيبان. يرد في سيرته المعمَّمة على مختلف وسائل التواصل والإعلام أنّه قضى فترة شبابه الأولى في العاصمة دمشق، حيث أكمل تعليمه حتّى المرحلة الجامعيّة وحصل على إجازة في اللغة الإنكليزيّة وآدابها من جامعة دمشق، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، عام 2009. ثمّ نال درجة الماجستير في العلوم السياسيّة والعلاقات الخارجيّة من جامعة صباح الدين زعيم في تركيا عام 2022، أي أنّه كان طوال الحرب السوريّة يقاتل ويتعلّم.

تتردّد معلومات كثيرة عن استمراره في التعليم حتّى اللحظة، ويتابع حاليّاً دراسات الدكتوراه في تخصّصه نفسه. يُذكر أيضاً أنّه حائز ماجستير في إدارة الأعمال.

علاقته وطيدة بالثورة السوريّة التي اندلعت عام 2011. انخرط في فعّاليّاتها منذ بدايتها، وشغل مواقع قياديّة في “هيئة تحرير الشام”. يُنظر إليه على أنّه أحد مؤسّسي “جبهة النصرة”. إلى ذلك، لم يأتِ إلى وزارة الخارجيّة السوريّة من العدم. كانت له تجربة لا بدّ أن يدرسها الباحثون والمؤرّخون والمعنيّون ذات يوم، وربّما في القريب العاجل، أقلّه لمحاولة فهم ما يجري في سوريا وبين الأخيرة ودول العالم المختلفة.

شارك الشيباني في تأسيس “حكومة الإنقاذ السوريّة” عام 2017، التي كانت تدير منطقة إدلب الخاضعة وقتها لسيطرة فصائل المعارضة السوريّة وفي مقدَّمها “هيئة تحرير الشام”. أسّس وأدار “إدارة الشؤون السياسيّة” التابعة لها، وخاض جولات تفاوضيّة ناجحة مع الكثير من الفصائل والأطراف والجهات طوال عقد ونيّف ربّما كانت هي السبيل إلى سقوط النظام المخلوع.

تتردّد معلومات كثيرة عن استمراره في التعليم حتّى اللحظة، ويتابع حاليّاً دراسات الدكتوراه في تخصّصه نفسه

علم وعمل

ما سبق من معلومات هو النزر اليسير المتاح من سيرة الرجل، وينمّ عن إتقان في الجمع بين العلم والعمل، لكن لا مقالات أو دراسات أو كتب للشيباني نحاول من خلالها قراءة المستقبل، مستقبل الرجل ومستقبل الدبلوماسيّة السوريّة ومستقبل سوريا والمنطقة وربّما العالم. في لعبة الأمم سوريا ليست رقعةً هامشيّة ولا دولة بالإمكان تجاهلها، ولا حضارة بمقدور البشريّة تخطّيها وتجاوزها والقفز فوقها.

إلّا أنّ الرجل اليوم يوشك أن يُتمّ سنةً كاملةً من العمل الرسميّ السياسيّ والدبلوماسيّ. هو اليوم رأس الدبلوماسيّة السوريّة وصلة سوريا بالعالم، منذ سنة كاملة. بالإمكان الحكم مبدئيّاً من خلال هذه التجربة القصيرة حتّى اللحظة على القادم من الأيّام وربّما السنوات، أو على الأقلّ استكشاف ما تخبّئ لنا ولسوريا والعالم.

أعاد بسرعة الشيباني، ومن أمامه سوريا إلى خريطة العالم. أخرجها أو أخرجاها من ظلمات النظام السوريّ وأقبيته وسجونه ومعتقلاته وبراميله المتفجّرة والعشوائيّة إلى رحاب العالم. سوريا اليوم حاضرة في مختلف دول العالم، شعباً ودولةً وقضيّةً ومأساةً وممثّلين يتقدّمهم الشيباني.

على خطى معاوية

في وقت قياسيّ أعاد الشيباني وصل ما انقطع بين سوريا والعالم، وهو في ذلك أمويّ بامتياز وعلى خطى الخليفة الأمويّ الأوّل معاوية بن أبي سفيان القائل: “لو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. كانوا إذا شدّوها أرخيتها وإذا أرخوها شددتها”. إذا كانت الأقوال تتجسّد أو ترتدي ثوباً من لحم ودم لا من حروف وكلمات، فسيكون الشيباني خير من يمثّل ويجسّد مقولة معاوية الشهيرة هذه. في سنة واحدة أعاد وصل ما قطعه آل الأسد طوال عقود خمسة حتّى أمست سوريا في أواخر أيّامهم دولةً معزولةً لا تفعل سوى إحصاء عدد أعدائها.

نجح الشيباني في 11 شهراً في أن يعيد دمج سوريا في المجتمع العربيّ والإقليميّ والدوليّ، وهذا لم يتحقّق في فترة وجيزة كهذه لدولة خارجة لتوّها من 15 سنةً من الحرب. من المملكة العربيّة السعوديّة على رأس وفد سوريّ رفيع المستوى، إلى قطر والإمارات والأردن ولبنان، راح الشيباني يطمئن الدول الشقيقة قاطعاً مع ممارسات نظام الأسد المخلوع وموبقاته وسمومه، ومتعهّداً بناء أفضل العلاقات الثنائيّة وتعزيز التعاون الإقليميّ.

إقرأ أيضاً: ملفّ “قسد” عالق… والشّرع إلى تركيا

من فرنسا إلى روسيا وصولاً إلى أميركا وقريباً الصين كما أعلن من واشنطن، تنقّل الشيباني بحثاً عن الاستقرار ورفع العقوبات الدوليّة المفروضة على سوريا. نجح وتكرّست جهوده برفع العقوبات عن سوريا وعنه وعن رئيس البلاد. في ذلك كلّه، كان يهيّئ ولا يزال الأرضيّة لإعادة إعمار ما خلّفته الحرب، وإعادة اللحمة بين السوريّين الموزّعين على عواصم العالم كلّها وليس في أفئدتهم إلّا دمشق وحمص وحلب وحماة وغيرها. أوّل الغيث كان إعادة الاعتبار للدبلوماسيّين السوريّين المنشقّين عن النظام الساقط، وهي خطوة تشي بالكثير.

صحيح أنّ ورشة إعادة الإعمار لم تنطلق بالزخم المأمول بعد، وصحيح أنّ سوريا لا تزال تعاني من قلاقل أمنيّة وتوتّرات بين بعض مكوّناتها، ولم تتخلّص بعد من رواسب الأفكار التقسيميّة ولا من الاعتداءات الإسرائيليّة اليوميّة، لكنّها بلا شكّ على الطريق. يقودها رئيس بينه وبين وزير خارجيّته “وحدة حال” وتنسيق وتناغم حتّى لا يكاد المرء يفصل بينهما.

هل نجح الشيباني حتّى اللحظة؟ نعم وحقّق الكثير في القليل من الوقت، وأهمّ ما حقّقه حتّى اللحظة أنّه ملأ فراغاً كاد يحبس أنفاس العالم.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…