سقطت مدينة الفاشر السودانيّة بيد قوّات الدعم السريع، وسقطت معها كلّ الضوابط الأخلاقيّة والإنسانيّة في الحرب المنسيّة. شكّل سقوطها نكسة استراتيجيّة كبرى للجيش السودانيّ، بعدما أخرج إقليم دارفور ومعظم الشرق والجنوب من سيطرة المجلس السياديّ الانتقاليّ برئاسة عبدالفتّاح البرهان. هكذا تتّجه الأنظار إلى مدينة الأبيض التي سيتقرّر في ضوء المعركة عليها مصير السودان كلّه، وما إذا كان يتّجه نحو كارثة كبرى أو نحو تقسيم جديد بات في حكم الواقع.
الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان والمعروفة باسم “عاصمة الرمال”، ليست مدينة كبيرة وحسب، بل عقدة استراتيجيّة تتحكّم بخطوط الإمداد التي تربط غرب السودان بشرقه ووسطه، وتفتح الطريق نحو الخرطوم وولايتَيْ الجزيرة والنيل الأبيض شرقاً، وإلى دارفور غرباً.
تُعدّ الأبيض السوقَ الرئيس للسلع والمحاصيل الزراعيّة المهمّة كالصمغ العربيّ والسمسم وحبّ البطّيخ والكركديه والفول السودانيّ، وتقع في منطقة غنيّة بالثروة الحيوانيّة وملتقى طرق تجاريّة حيويّة.
تزداد أهمّيّتها مع مرور خطّ أنابيب النفط الممتدّ من الجنوب نحو الشرق إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وهو الشريان الحيويّ الأخير للدولة ولجنوب السودان معاً.
من الأزهريّ إلى سوار الذّهب
لطالما كانت الأبيض حاضرة في تشكيل المشهد السياسيّ والعسكريّ في البلاد. إذ أنجبت أبرز الرموز والقيادات السودانيّة، من الرئيس الأوّل إسماعيل الأزهريّ “زعيم الاستقلال”، إلى المشير عبدالرحمن سوار الذهب، الضابط العربيّ الوحيد الذي سلّم السلطة كاملة للمدنيّين تنفيذاً لوعدٍ قطعه على نفسه لحظة انقلابه على حكم الرئيس الراحل جعفر النميري.
هي اليوم المقرّ الرئيس لغرفة القيادة والسيطرة للجيش السودانيّ، وتتّخذها قوّات البرهان قاعدة متقدّمة لشنّ هجماتها على قوّات الدعم السريع في شمال وغرب كردفان، التي كانت تمثّل المعبر البرّيّ الوحيد نحو استعادة الفاشر بعد سقوطها المدوّي.
انهيار الجيش السودانيّ بعد خسائره المتتالية من الفاشر إلى الأبيض (في حال سقوطها)، فسيجعله ضعيفاً منهكاً مكسور الهيبة
في حال سقوط الأبيض، التي تبعد نحو 600 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، في قبضة “الدعم السريع”، فسيُفتح الطريق أمام قوّاته للتقدّم نحو أمّ درمان، ثانية أكبر مدن السودان، والسيطرة عليها من جديد. وهو هدف صرّح به قادة “الدعم” مراراً، مؤكّدين نيّتهم تنفيذ اجتياح كامل البلاد.

بينما يتبادل الطرفان الاتّهامات بشأن الفظائع المرتكَبة بحقّ المدنيّين في الفاشر، ولا سيما الجرائم الوحشيّة التي شهدها المستشفى السعوديّ، حيث وثّقت منظّمات محلّيّة ودوليّة إعدامات لمرضى ومصابين على يد مقاتلي “الدعم السريع”، يستعدّ كلٌّ منهما لمعركة فاصلة في الأبيض.
تقدّم “الدعم السريع” في شمال كردفان وحشد قوّاته في بارا استعداداً لإسقاط مدينتَي الرهد وأمّ روابة لتطويق الأبيض من الجهات الأربع قبل اقتحامها. في المقابل، أرسل الجيش السودانيّ رهطاً من كبار قادته إلى غرفة العمليّات المركزيّة في المدينة، وحشد فيها وحولها نخبة كتائبه القتاليّة، ولا سيّما فرقة الهجّانة، وهي من أقدم فرق الجيش السودانيّ وأشهرها، لمنع تكرار سيناريو الفاشر.
أمّا المدنيون فقد نزحوا بالآلاف إلى الخرطوم وولاية النيل الأبيض تحسّباً للأسوأ.
سقوط الأبيض بداية فوضى
لكنّ سقوط الأبيض أو صمودها لا يعني نهاية الحرب، بل بداية مرحلة جديدة من المعارك تنتقل من منطقة إلى أخرى، وتُدمي ما بقي من الجسد السودانيّ المتهالك، في ظلّ غياب إرادة محليّة ودوليّة قادرة على وقف المأساة وإخماد نيرانها.
لا يزال الجيش يسيطر على كامل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث (الخرطوم، الخرطوم بحري، وأمّ درمان)، وعلى الولايات الشماليّة ونهر النيل في الشمال، وولايات الإقليم الشرقي الثلاث، وفي الوسط على ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق جنوب شرقيّ البلاد.
في المقابل، اكتسح “الدعم السريع” ولايات إقليم دارفور الأربع في الغرب وأجزاء واسعة من إقليم كردفان في الوسط وجنوب غرب البلاد.
تتّجه الأنظار إلى مدينة الأبيض التي سيتقرّر في ضوء المعركة عليها مصير السودان كلّه
سيمنح سقوط الأبيض في يد قوّات الدعم السريع هذه الأخيرة موقعاً استراتيجيّاً يصعب التراجع عنه، وهو ما يزيد المخاوف الإقليميّة والدوليّة من تقسيم السودان إلى إقليمَين متنازعَين على الشرعيّة، على غرار ما حدث في ليبيا. قد يقود ذلك إلى طلاق سودانيّ جديد يشبه ما حدث بين جوبا والخرطوم، وانضمام جنوب السودان إلى الأمم المتّحدة بصفة دولة مستقلّة.
من الجنجويد إلى مشروع الدّولة المجهولة
الأخطر من التقسيم هو التفتيت والفوضى الشاملة. “الدعم السريع” تنظيم مسلّح نشأ على النهب والسرقة وارتكاب الفظائع منذ أن ورث مجموعة “الجنجويد” السيّئة الذكر، التي ارتكبت المجازر الموثّقة في دارفور قبل عقود. ولا يمتلك أيّ خبرة في الحكم أو السياسة، سوى مهارته في الانتقال من مركب غارق إلى آخر.
لم يعرف قائده محمد حمدان دقلو (حميدتّي) سوى الانقلاب على حلفائه، بدءاً بعمّه وقائد الجنجويد موسى هلال، مروراً بشريكه في المجلس السياديّ الفريق البرهان، وصولاً إلى صانع صعوده الرئيس المخلوع عمر البشير.
تبقى قدرته على إدارة إقليم تزيد مساحته على مساحة فرنسا موضع شكّ، ولا سيما في ظلّ الانقسامات الإثنيّة العميقة في دارفور والإرث الدمويّ والتدخّلات الخارجيّة المتشابكة فيه.
هكذا يستحضر الحديث عن دولة في دارفور تجربة جنوب السودان التي غرقت في اقتتال قبليّ دامٍ فور نيلها الاستقلال، ولا تزال عاجزة حتّى اليوم عن تحقيق الاستقرار أو توفير الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة لمواطنيها.
يعجّ المشهد السودانيّ بهذه الحركات المسلّحة والانفصاليّة، التي يتجاوز عددها تسعين، وتنتظر اللحظة المناسبة للتفلّت من سلطة الخرطوم
سودان بلا مركز تفكّك وانهيار
أمّا انهيار الجيش السودانيّ بعد خسائره المتتالية من الفاشر إلى الأبيض (في حال سقوطها)، فسيجعله ضعيفاً منهكاً مكسور الهيبة، غير قادر على الإمساك بما بقي من السودان ومؤسّساته، الأمر الذي يشجّع الحركات الانفصاليّة الكثيرة على حذو سلوك “الدعم السريع” في دارفور، كما فعلت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان في الجنوب سابقاً.
إقرأ أيضاً: من “الجنجويد” إلى “الدّعم السّريع”.. ميليشيا ابتلعت دولة
يعجّ المشهد السودانيّ بهذه الحركات المسلّحة والانفصاليّة، التي يتجاوز عددها تسعين، وتنتظر اللحظة المناسبة للتفلّت من سلطة الخرطوم والابتعاد عنها نحو الحكم الذاتيّ أو الانفصال. بدءاً من قوّات شعب البجا والراشايدة و”درع البطانة” في الشرق، إلى الحركة الشعبيّة لتحرير السودان – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو في جنوب كردفان، وحركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور في جبل مرة، إلى مجموعة أبي عاقلة كيكل المعروفة باسم “درع السودان” في النيل الأزرق، علاوة على فلول النظام السابق و”الكتائب الإسلاميّة”.
