هل تتعطّل الانتخابات… بسبب تغيّب عناصر قوى الأمن؟

مدة القراءة 6 د

يُحكى أنّ مديرية السجون في قوى الأمن الداخلي طلبت ستّين عنصراً للمؤازرة بهدف إتمام مهمّة نقل موقوفين من سجن رومية إلى جلسة محدّدة لهم للمحاكمة، لأنّ عددهم ليس بقليل، وهم من الموقوفين المطلوبين في جرائم مختلفة.

ما حصل أنّه من أصل 60، وبعد أخذ وردّ داخليَّيْن بين مديريّتَيْ السجون وقوى الأمن الداخلي، رسا العدد على 23 عنصراً يتولّون هذه المهمّة، وأُبلغ هؤلاء العناصر بوجوب الحضور في الموعد المحدّد لنقل السجناء. لكن في اليوم التالي حضر إلى السجن من بين هؤلاء المبلَّغين الـ23، فقط 7 عناصر، وتعذّر تنفيذ المهمّة.

إنّ عناصر الجيش يبقون أفضل حالاً من زملائهم في الأمن الداخلي، الذين لم يحظوا بأيّ تقديمات، فضلاً عن أنّ الجيش يقدّم وجبات طعام في ثكناته ومراكزه، وهو ما يفتقر إليه عناصر الأمن الداخلي

يعود سبب إحجام عناصر قوى الأمن الداخلي عن الحضور إلى مراكز عملهم إلى سوء أوضاعهم المالية والمعيشية، وعدم قدرتهم على التزام المهمّات وعلى التنقّل، خصوصاً مع ارتفاع ثمن صفيحة البنزين إلى 500 ألف ليرة، في حين لا تزال رواتبهم على حالها.

إذا كانت هذه صورة عن العجز الحاصل في قوى الأمن الداخلي فكيف اطمأنّت الحكومة والمشرفون على الاستحقاق الانتخابي المقرّر في 15 أيار الحالي إلى قدرة جميع العناصر على تنفيذ المهمّات المطلوبة منهم يومَيْ الاستعداد وإجراءِ الانتخابات؟ وعلى أساس أيّ اعتبارات ومعطيات حُسم أنّ 17 ألف عنصر من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي سيلتزمون الحضور إلى أقلام الاقتراع؟ وماذا لو تغيّبت نسبة مئوية، ولو بسيطة، من هؤلاء الذين لا حول لهم ولا قوة وسط هذا الانهيار المعيشيّ المتفاقم؟

يحدث هذا في ظلّ غياب أيّ عناصر احتياط. إذ إنّ العدد الإجماليّ لعناصر المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي لا يتعدّى 23 ألفاً، فُرز 17 ألفاً منهم للانتخابات، وتُرك الآخرون لتسيير شؤون المخافر في مختلف المناطق؟

10% = 800 قلم إقتراع

في جلسة المجلس الأعلى للدفاع الأخيرة، التي انعقدت لمتابعة جاهزيّة الأجهزة الأمنيّة لإجراء الانتخابات النيابية، وقبل أن يخرج وزير الداخلية بسام المولوي معلناً استعداد الأجهزة كلّها لإجراء الانتخابات، تداول المجتمعون، وعلى رأسهم رئيسا الجمهورية والحكومة، إضافةً إلى عدد من الوزراء وقادة الأجهزة الأمنيّة، إشكاليّة تغيُّب العناصر المكلّفة مراقبة مراكز الاقتراع ولو بنسبة عشرة في المئة، وهي نسبة ستؤدّي إلى تعطّل نحو 800 قلم على اعتبار أنّ القانون يخصّص عنصرين لمراقبة كلّ قلم.

يستدعي إعلان الاستعداد لإجراء الانتخابات في موعدها حرصاً من الحكومة والمعنيّين بهذا الاستحقاق على توفير الحدّ الأدنى من حاجات ومستلزمات عناصر قوى الأمن الداخلي، أسوةً بغيرهم من الموظّفين المحسوبين على الدولة من جيش وأمن دولة وأمن عامّ وأساتذة وقضاة.

كلّ هؤلاء وسواهم ممّن يعملون في لبنان يعانون أزمة انخفاض قيمة مدّخراتهم من جرّاء تدهور سعر صرف الليرة في مقابل الدولار، هذا إذا كان لديهم مدّخرات. لكنّ الأسوأ هو معاناتهم من العوَز والفاقة. من دون أن يكون للدولة، ممثَّلةً بالسلطة التنفيذية، أيّ حلول عمليّة لكيفية تسيير شؤون حياتهم اليومية.

أحوال العسكريين أفضل

الحديث هنا هو عن عناصر قوى الأمن الداخلي بصورة خاصة، لأنّ أوضاعهم المعيشية هي هي الأسوأ بين عناصر الأجهزة الأخرى. فقد بات معروفاً أنّ الجندي في الجيش اللبناني يتقاضى مئة دولار “فريش”، إضافة إلى راتبه. في حين لا تزال المحروقات متوافرة عبر البونات للضبّاط، بما تزيد قيمته عن 10 إلى 15 مليون ليرة لكلّ ضابط. إضافة إلى “تعاونية الجيش” التي تقدّم للعسكريين المواد الغذائية الأساسية بسعر الكلفة، متخلّصةً من تداعيات جشع التجّار.

يعود سبب إحجام عناصر قوى الأمن الداخلي عن الحضور إلى مراكز عملهم إلى سوء أوضاعهم المالية والمعيشية، وعدم قدرتهم على التزام المهمّات وعلى التنقّل

لهذا فإنّ عناصر الجيش يبقون أفضل حالاً من زملائهم في الأمن الداخلي، الذين لم يحظوا بأيّ تقديمات، فضلاً عن أنّ الجيش يقدّم وجبات طعام في ثكناته ومراكزه، وهو ما يفتقر إليه عناصر الأمن الداخلي، الذين يتحمّلون أعباء شراءِ الطعام في أثناءِ خدمتهم.

الأهمّ من كلّ ذلك أنّ تغيُّب عناصر من الجيش، إن حصل، لا يعرقل سير العملية الانتخابية، بل يقلّل من الأعداد المولجة الحماية والتدخّل عند حصول الإشكالات، في حين أنّ تغيُّب عناصر من المكلّفين مراقبة أقلام الاقتراع من شأنه أن يعرقل سير العملية الانتخابية ويعطّلها أيضاً، وهو ما كان يجب أن يكون محطّ انتباه المعنيّين.

مليونا ليرة… لا تكفي

عقب جلسة مجلس الوزراء الأخيرة صرّح وزير الداخلية بسام المولوي بهذا الخصوص، وبعد وعده ضبّاط قوى الأمن الداخلي وعناصرها ومتقاعديها بمتابعة شؤونهم، وافق مجلس الوزراء، بناءً على طلب وزارة الداخلية والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، على نقل اعتماد من احتياط الموازنة على القاعدة الاثني عشرية، بقيمة 20 مليار ليرة لبنانية شهرياً، لاستشفاء قوى الأمن الداخلي.

هذا فيما خصّ التغطية الاستشفائية، لكن ماذا عن بدَل النقل؟ وعن الرواتب المنخفضة؟ وماذا عن المحروقات؟ كلّها متطلّبات وحاجات لم تُوفَّر لهؤلاء كغيرهم من موظّفي القطاع العام، في حين خصّصت الدولة مليونَيْ ليرة لبنانية بدل أتعاب لكلّ عنصر يشارك في الاستحقاق الانتخابي. يتضمّن هذا المبلغ الزهيد تكاليف وصول العنصر إلى قلم الاقتراع ورجوعه إلى منزله، إضافةً إلى طعامه خلال أدائه هذه المهمّة، هذا فضلاً عن الحالات التي يضطرّ فيها بعض العناصر إلى المبيت ليلة ما قبل الخامس عشر من أيار أو ما بعدها في مراكز الاقتراع، ومن من دون أن ننسى بدل قيامه بهذه المهمّة.

إقرأ أيضاً: انتخابات “بتجنّن”: عسكر من دون بنزين و”كاش”!!

هذه المليونا ليرة يعتقد المجتمعون في المجلس الأعلى للدفاع أنّها كافية لضمانِ حضور العناصر والضبّاط في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى المراكز الانتخابية. لكنّ الأرجح أنّها لن تكون كافية… وربما تخرج المفاجأة من هناك.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “اليونيفيل”: منطقة عازلة من دون حضور أمميّ

تقترب مهلة انتهاء مهامّ قوّات “اليونيفيل” جنوب لبنان من دون التوصّل حتّى الآن إلى الصيغة التي ترعى أيّ وجود دوليّ محتمل “يرث” قوّات الطوارئ الدوليّة…

بنيامين نتنياهو: “السّاحر الشرير” الذي يلتهم خرائطه

​جلسَ الرّجلُ في مكتبِه المُحصّن في القدس. نظرَ إلى السّاعة، ثمّ إلى الخرائط المُمزّقة المُمدّدة أمامه كجُثثٍ جغرافيّة؛ خارطة لغزة أصدر أوامره للتو بسحقها والسيطرة…

الضاحية مقابل شمال اسرائيل.. وواشنطن على خط نتانياهو-الحزب

منذ انتهاء حرب 2024، تعاملت الولايات المتّحدة مع الساحة اللبنانيّة وفق معادلة واضحة: منح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرّك جنوباً، مقابل وضع “ضوء أحمر”على استهداف بيروت…

المساران الأمنيّ والسّياسيّ مكبّلان بالشّروط الإسرائيليّة

أيّام قليلة تَفصل بين اجتماع البنتاغون الأمنيّ وجولة المفاوضات “السياسيّة” الرابعة بين لبنان وإسرائيل المقرّرة غداً وبعد غد في وزارة الخارجيّة الأميركيّة. وما بين المحطتيّن، أعلن…