شكّل اعتماد الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة لـ”إعلان نيويورك” محطّة سياسيّة بارزة في مسار الصراع العربيّ – الإسرائيلي، بعدما صوّتت الغالبيّة الساحقة لقرار يؤكّد الاعتراف بدولة فلسطين ويدعم حلّ الدولتين خياراً وحيداً لإنهاء النزاع.
بينما يترقّب العالم انعقاد المؤتمر الدوليّ في 22 من الشهر الجاري لتسوية القضيّة الفلسطينيّة برعاية فرنسا والسعوديّة، وفي ظلّ معارضة إسرائيليّة ودعم أميركيّ مطلق لتل أبيب، أصدر معهد دراسات الأمن القوميّ الإسرائيلي مذكّرة بحثيّة تحذّر من انزلاق إسرائيل نحو واقع الدولة الواحدة وتلاشي فرص الحلّ القائم على مبدأ الدولتين، الذي بات وفق تقديراته صعباً.
تنبّه المذكّرة إلى أنّ قيام دولة ثنائيّة القوميّة سيُفشل المشروع الصهيوني القائم على بناء “دولة يهوديّة ديمقراطيّة وآمنة ومزدهرة”.
وقائع الانزلاق نحو الدّولة الواحدة
يشير الباحثون في المعهد إلى مجموعة من المؤشّرات التي تؤكّد تآكل خيار الدولتين وتصاعد احتمالات الدولة الواحدة، أبرزها:
– تراجع ثقة المجتمعَين الفلسطينيّ والإسرائيليّ بجدوى حلّ الدولتين.
– القناعة السائدة في إسرائيل بأنّ أيّ دولة فلسطينية في “يهودا والسامرة” (الضفّة الغربيّة) ستتحوّل إلى كيان “إرهابيّ” شبيه بغزّة تحت حكم “حماس”.
– سياسة الضمّ الزاحف إلى المنطقة C (60% من الضفّة الغربية) وتوسيع الاستيطان فيها منذ “أوسلو- ب”.

– تحوُّل “حلّ الدولتين” إلى فكرة عقائدية منفصلة عن الواقع، بحسب الباحث إيان لوستيك، الذي يؤكّد أنّ المشروع لم يعد قابلاً للتطبيق.
– تغيّرات ديمغرافيّة عميقة في إسرائيل، وتكاثر الاستيطان، وتراجع الدور الأميركي في المنطقة، عوامل تقلّص فرص إقامة دولة فلسطينيّة.
– مرور 58 عاماً على السيطرة الإسرائيلية على الضفّة أدّى إلى تغييرات عميقة في المجتمع الفلسطينيّ، فبات وفق أوهاد جامو في كتابه “وجه السطح” متعباً ومرهقاً، غير مبالٍ، ويتّجه نحو المطالبة بالحقوق المدنيّة الكاملة والمساواة داخل إسرائيل، بعدما فشلت المفاوضات والمواجهات العنيفة في تحقيق الاستقلال والسيادة.
– تنامي زخم سياسي إسرائيليّ يدفع نحو تكريس واقع الدولة الواحدة في ظلّ غياب أيّ أفق للتسوية.
يرى باحثو المعهد أنّ تعمّق خيار الدولة الواحدة وازدياد التشابك بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين سيجعلان من المستحيل تقريباً التوصّل إلى تسوية
الدّولة الواحدة: تناقض الروايتين
يرى باحثو المعهد أنّ تعمّق خيار الدولة الواحدة وازدياد التشابك بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين سيجعلان من المستحيل تقريباً التوصّل إلى تسوية تقوم على الفصل السياسي والجغرافي والديمغرافي، وأنّ الاحتكاك بين الشعبين سيتصاعد بحكم التنافس على الأرض غرب نهر الأردن.
يعتبرون أنّ فكرة التعايش في دولة واحدة “تتناقض مع العقل السليم والروايتين التاريخيّتين للشعبين”، مشيرين إلى أنّ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأوّل عزّز هذا التناقض. إذ تعالت المطالب الإسرائيلية بضمّ الضفّة وغزّة، في حين أنّ المنطق لا العاطفة يفرض الانفصال لا الدمج.
تنتقد المذكّرة رواية الحكومة الإسرائيلية بأنّ السلطة الفلسطينية تدعم الإرهاب ولا تختلف عن “حماس”، وبأنّ التسوية السياسية باتت مستحيلة بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل. يرى الباحثون أنّ الحكومة الحاليّة كانت حتّى قبل ذلك تسعى إلى توسيع الاستيطان، مضاعفة أعداد المستوطنين في “يهودا والسامرة”، دفع الفلسطينيين خارج المنطقة C، وإضعاف السلطة الفلسطينية وصولاً إلى انهيارها، على الرغم من أنّها الجهة التي يُفترض أن تكون شريكاً في أيّ تسوية.
إقرأ أيضاً: نتنياهو وسياسة قصّ الرّؤوس: استباحة الشّرق برمّته
يخلص التقرير إلى أنّ الوضع في “يهودا والسامرة” بات معقّداً ومتشابكاً بين اليهود والفلسطينيّين، وأنّ إسرائيل تنفّذ عمليّاً ثورة في إدارة السيطرة على الضفّة الغربية، هدفها ترسيخ الاحتلال وإفشال أيّ فرصة لإقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة، وبالتالي تكريس واقع الدولة الواحدة.
* أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة.
لمتابعة الكاتب على X:
