مقتلة أيلول: ثغرات جسيمة أطاحت أسطورة “الحزب”

مدة القراءة 5 د

ما هي أبرز الثغرات التي أدّت إلى تلقّي “الحزب” كلّ هذه الضربات؟ وهل نجح اليوم في تجاوز تلك الخسائر الكبرى؟

 

في شهر أيلول من عام 2024 خاض “الحزب” معركة غير متوازنة مع إسرائيل، ولم يكن مستعدّاً لها بشكل كافٍ، على الرغم من كلّ القدرات التي كان يمتلكها، فأدّت تلك الحرب إلى خسارة أمينين عامّين وعدد من القادة العسكريّين والأمنيّين ومن قيادات الصفّ الثاني (الحاج فؤاد شكر والحاج أبو الفضل كركي والحاج إبراهيم عقيل والشيخ نبيل قاووق وغيرهم)، وتلقّي ضربات أمنيّة وعسكريّة قاسية أدّت إلى إخراجه من جنوب الليطاني وصولاً إلى سقوط النظام السوري الذي كان خطّ الإمداد الرئيس لـ”الحزب”.

في دراسة خاصّة، ومن خلال مناقشات مع عدد من المختصّين وجمع بعض المعطيات، تمّ تحديد بعض الثغرات التي واجهها “الحزب” في حربه مع العدوّ الإسرائيلي، وهذه أبرز نتائج الدراسة:

أبرز الثّغرات الأمنيّة والاستراتيجيّة:

  • أوّلاً: الركون إلى أسطورة “الردع الصامت والأبديّ” دون اختبار حقيقيّ، وافترض “الحزب” أنّ تجربته في سوريا تثبت أنّه قادر على ردع إسرائيل بالمستوى نفسه، وأنّ ما لديه من إمكانات تردع العدوّ عن خوض حرب واسعة، ولم يستعدّ بشكل كافٍ لمناورة برّية إسرائيليّة ضخمة، أو لقصف شامل، وهذا كان خطأ في التقدير، واكتفى بتمتّعه بالقدرة على مواجهة برّية محدودة.

تؤكّد مصادر قياديّة في “الحزب” أنّه بعد عام على حرب أيلول نجح في تجاوز العديد من الثغرات الأمنيّة والعسكرية وأعاد ترميم بنيته التنظيمية والعسكرية بما يتناسب مع المتغيّرات الحاصلة

  • ثانياً: انكشاف أمنيّ مبكر، وخصوصاً بعد تفجيرات البيجر واللاسلكي، أدّى إلى فقدان قيادات ميدانيّة في الأيّام الأولى من التصعيد وارتباك في اتّخاذ القرار بسبب التضارب بين المركز والقيادات المحلّية.
  • ثالثاً: تقدير خاطئ لقدرات إسرائيل وصراع الإرادة، فقادة “الحزب” بالغوا في التقليل من قوّة إسرائيل، معتقدين أنّها شبكة عنكبوتيّة هشّة، مع تجاهل دقيق لقدراتها العسكرية والاستخباريّة المعزّزة بدعم خارجي، خاصّة أميركيّاً، وفشل استخباريّ وتجاوز إشارات التحوُّل داخل إسرائيل، لا سيما بعد معركة طوفان الأقصى، فـ”الحزب” لم يتنبّه لتغيّر نهج إسرائيل وتجاهَل الإشارات الواضحة بخصوص استعدادها للردّ بقوّة، فكانت النتيجة فشلاً استخباريّاً ذا طابع دراميّ.
  • رابعاً: تمّ استهداف شبكة الاتّصالات داخل “الحزب” باستخدام أجهزة مفخّخة مثل البيجر واللاسلكي، فوقعت خسائر بشريّة كبيرة وتفكّك هيكل القيادة الميدانيّة. وعلى الرغم من التفجير الأّول، لم تُتّخذ إجراءات فوريّة للتوقّف عن استخدام هذه الأجهزة أو تعديل البروتوكولات الأمنيّة وتحسينها، وهو ما دلّ على غياب تفعيل آليّات الأمان.
  • خامساً: فشل في استخدام عُنف منسّق وتراجع في المقاومة المنظّمة، فالعمليّات العسكرية اقتصرت على إطلاق صواريخ وقذائف دون مرافقة فعّالة بقوّات برّية أو مناورات منسّقة، وهذا ساعد الجيش الإسرائيلي على تجاوز المقاومة بسهولة، ولم يتمّ تنفيذ عمليّات انسحاب منسّقة أو تأخير مدروس للمعركة لإنقاذ الموارد، بل سقط منها الكثير في أيدي العدوّ أو بقيت في ساحة المعركة بعد توقّف القتال في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني في العام الماضي.
  • سادساً: الاعتماد على أنظمة الإمداد المغلقة وفقدان التوازن اللوجستيّ. وقد أدّى انهيار النظام السوري إلى توقّف طرق التوريد الحيويّة من إيران عبر سوريا، فأثّر على التخزين والتجهيز والتعويض.

في شهر أيلول من عام 2024 خاض “الحزب” معركة غير متوازنة مع إسرائيل، ولم يكن مستعدّاً لها بشكل كافٍ، على الرغم من كلّ القدرات التي كان يمتلكها

التّجاوز وإعادة التّرميم

أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى تفكّك فعليّ في قدرة “الحزب” على التنظيم والردّ، وفتحت الثغرات التي استغلّتها إسرائيل من أجل شنّ حملة فعّالة، على الرغم من الفرضيّات السابقة القائلة بأنّ “الحزب” يمتلك تفوّقاً استخباريّاً وعسكريّاً. وعلى الرغم من أنّ “الحزب” عمد إلى سدّ العديد من الثغرات واللجوء إلى خيارات بديلة في الاتّصالات وعلى صعيد ملء الفراغات العسكرية والأمنيّة والتنظيمية، يمكن القول إنّه تعرّض لضربة قاسية لا يزال يعمل حتّى الآن لمعالجتها، وقد نجح في تجاوز الكثير من الإشكالات دون تعويض كلّ الخسائر.

إقرأ أيضاً: هل تنجح تجربة ممر “ترامب” بين لبنان واسرائيل؟

تؤكّد مصادر قياديّة في “الحزب” أنّه بعد عام على حرب أيلول نجح في تجاوز العديد من الثغرات الأمنيّة والعسكرية وأعاد ترميم بنيته التنظيمية والعسكرية بما يتناسب مع المتغيّرات الحاصلة، وجاهز لخوض مواجهة جديدة مع إسرائيل إذا فُرضت عليه، وإن كان لا يزال يعتمد حاليّاً قاعدة الصبر وإعادة التمكين.

يستعدّ “الحزب” اليوم لإحياء الذكرى السنوية لشهداء البيجر واللاسلكي واستشهاد قادة الرضوان وأمينَيه العامّين السيّد حسن نصرالله والسيّد هاشم صفيّ الدين وقادته العسكريّين والأمنيّين ومسؤوله الإعلاميّ الحاج محمد عفيف وغيرهم من القادة. فأيّ حزب سنشهد اليوم بعد عام على حرب أيلول القاسية؟

مواضيع ذات صلة

مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف…

لا حماسة دوليّة لتعويم مؤتمر دعم الجيش

على وقع السباق بين الحرب والمفاوضات النوويّة، يتحرّك الملفّ اللبنانيّ، الذي سيكون واحداً من ساحات تجلّيات النتيجة التي ستخلص إليها مفاوضات عُمان، سواء سلكت طريق…

“الحركة” تخسر كلّ أوراقها: هل وقعت في فخ ترامب؟

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023….

أسرار إدراج الكويت 8 مستشفيات لبنانيّة على القائمة السّوداء

لا يأتي قرار الكويت إدراج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمتها الخاصّة بمكافحة الإرهاب من خارج السياق. سبق لوزير داخليّتها الشيخ فهد اليوسف أن كان واضحاً…