الصّين خلف الباب: أميركا تدقّ طبول “وزارة” الحرب

مدة القراءة 6 د

أميركا ليست في حالة حرب. ومع ذلك قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب استبدال اسم وزارة الدفاع بوزارة الحرب، على الرغم من أنّ الخطاب الرسمي يركّز على إنهاء الحروب.

 

التسمية “الحربية” ليست جديدة ولا شكليّة. كانت تعبيراً عن مرحلة سابقة، خاضت في ظلّها “وزارة الحرب الأميركية” حروباً داخلية وإقليمية وعالمية، بُعيد حرب الاستقلال عن بريطانيا عام 1789، حتّى عام 1947، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتتناقض بالكامل مع ما يحاول ترامب أن يظهره عن نفسه كرجل سلام يرغب في الحصول على جائزة نوبل.

يقول البيت الأبيض إنّ هدف التغيير هو منح الوزارة اسماً “يعكس قوّتها التي لا تضاهى وقدرتها على حماية المصالح الوطنية”، وسيسمح الاسم الجديد لأميركا بفرض “السلام من خلال القوّة” و”ضمان احترام العالم للولايات المتّحدة مرّة أخرى”!

أمّا ترامب الذي يهوى تغيير الأسماء على غرار استبدال اسم خليج المكسيك بخليج أميركا وإعادة أسماء القواعد العسكرية الأميركية إلى أسمائها القديمة ذات الطابع العنصري، فيرى أنّ كلمة “دفاع” لا تعكس الطابع الهجوميّ والعدوانيّ المطلوب.

أميركا ليست في حالة حرب. ومع ذلك قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب استبدال اسم وزارة الدفاع بوزارة الحرب، على الرغم من أنّ الخطاب الرسمي يركّز على إنهاء الحروب

رسائل إلى الخارج والدّاخل

يطرح هذا التوجّه تساؤلات عمّا إذا كان يشير إلى تغيير في العقيدة القتالية لتكريس نهج سياسي أكثر تشدّداً يعكس استعداداً أميركيّاً للعودة إلى منطق المواجهة المباشرة وإظهار الجهوزيّة العسكرية. في المقابل، يرى مراقبون أنّ الخطوة قد تكون ذات طابع رمزيّ واستعراضيّ بالدرجة الأولى تهدف إلى إحياء صورة الانتصارات التاريخية للولايات المتّحدة خلال الحربين العالميّتين، أو التعويض عن تغييرات جوهرية كان ترامب قد وعد بها منذ بداية ولايته.

الخطوة التي ستكلّف الخزانة الأميركية مليارات الدولارات لتغيير الاسم والشعارات، ترضي الجمهوريّين، لا سيما القوميّين المتشدّدين في تيّار “ماغا” الداعي إلى “جعل أميركا عظيمة من جديد”. لكنّ رسائلها الخارجية أقوى بكثير، لا سيما تجاه خصوم واشنطن عبر تحذيرهم من أنّها لم تعُد معنيّة كثيراً بتجميل صورتها أمام الرأي العامّ الدولي، بل تريد أن تظهر قوّتها الصلبة بلا أقنعة دبلوماسيّة، وأنّها ستكون أكثر عدوانيّة وجاهزة للردّ على أيّ تهديد، وأنّها لم تعُد تخوض حروباً دفاعية بل هي حروب من أجل إبقاء سيطرتها والهيمنة.

أحداث ذات دلالات

جاءت الخطوة ردّاً على سلسلة أحداث وتطوّرات وتزامناً معها:

 –  العرض العسكريّ الهائل في 3 أيلول في بكين بحضور الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين والكوريّ الشمالي كيم جونغ أون ورهط من قادة العالم المناهضين “للهيمنة الأميركيّة” ونظام القطب العالميّ الواحد، ورفعهم شعار أنّ “هناك آخرين في العالم”، في حين لم يترك الاستعراض الأميركي الأخير في ألاسكا الانطباع نفسه بالقوّة،  بل أوحى أنّ أميركا دولة مرتبكة. واشنطن لم تعُد تعتبر بكين منافساً اقتصاديّاً وحسب، بل صارت خصماً استراتيجيّاً يحاول قلب الموازين.

– رفع الحشد العسكري الأميركي إلى ذروته في الكاريبي وعلى السواحل الفنزويليّة، في خطوة وصفها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنّها “أكبر تهديد شهدته قارّتنا منذ قرن”. وتزامن ذلك مع استهداف زورق مبحر من فنزويلا أدّى، بحسب تصريح ترامب، إلى “مقتل 11 إرهابيّاً”. وعلى الرغم من إدراج الهجوم تحت عنوان “مكافحة عصابات المخدّرات”، لم تخفِ الإدارة الأميركية أهدافها السياسيّة الكبرى، وهو ما أكّده وزير الدفاع (الحرب) الأميركي بيت هيغسيث بالقول إنّ قرار تغيير النظام في فنزويلا “يعود للرئيس ترامب”، مشدّداً على أنّ بلاده “مستعدّة بكلّ قوّتها”.

– انسداد الأفق السياسي في الملفّ النووي الإيرانيّ، مع مخاطر تجدّد المواجهة العسكرية، خصوصاً بعد حرب الـ12 يوماً الأخيرة، التي شاركت فيها الولايات المتّحدة عبر ضرب منشآت نوويّة إيرانيّة بأمر مباشر من ترامب.

– استمرار الحرب الروسية الأوكرانية على الرغم من محاولات ترامب اليائسة لوقفها، وهو ما يُحيي أجواء الحرب الباردة. وهذا يضع واشنطن أمام احتمالات التورّط في حرب بالوكالة أو حتّى مواجهة مباشرة مع موسكو تتجاوز حدود الدفاع عن أوروبا أو حلف شمال الأطلسي.

تُطرح تسمية وزارة الحرب باعتبارها أداةً داخليّة لتهيئة الرأي العامّ الأميركي لمرحلة قد تُقدَّم فيها الحروب على أنّها “ضرورة وجوديّة” وليست خياراً سياسيّاً فقط

– التنسيق السياسي والعسكري مع إسرائيل في الهجوم الحالي على غزّة، والتواطؤ مع خطط حكومة بنيامين نتنياهو لضمّ 82 في المئة من أراضي الضفّة الغربية المحتلّة، والعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية ومعاقبتها، ومنع مسؤوليها من دخول أميركا لحضور اجتماع الجمعيّة العمومية للأمم المتّحدة، في موازاة التصدّي للحراك العالميّ للاعتراف بدولة فلسطين.

أمّا في الداخل فقد شهدت الولايات المتّحدة سوابق أمنيّة تاريخية عندما نشر ترامب الحرس الوطني في العاصمة واشنطن ولوس أنجلوس في الأشهر الأخيرة، بذريعة الحملة على الجريمة والهجرة غير النظاميّة.

استعادة روح المحارب

تُطرح تسمية وزارة الحرب باعتبارها أداةً داخليّة لتهيئة الرأي العامّ الأميركي لمرحلة قد تُقدَّم فيها الحروب على أنّها “ضرورة وجوديّة” وليست خياراً سياسيّاً فقط،  لا سيما أنّ لدى المواطن الأميركي حساسيّة خاصّة تجاه الحروب الطويلة والمكلفة، كما أظهرت تجارب فيتنام وأفغانستان والعراق.

في هذا السياق، عبّر وزير الدفاع (الحرب) الأميركي بيت هيغسيث، المذيع السابق في قناة “فوكس نيوز”، عن ارتياحه للتسمية الجديدة، مثبتاً على باب مكتبه لوحة كُتب عليها “وزير الحرب”. وأوضح أنّ “التغيير لا يقتصر على التسمية، بل يتعلّق باستعادة روح المحارب”.

يعزّز الاسم الجديد منطق “الحرب الدائمة”، ويخدم مصالح لوبيات السلاح والمجتمع الصناعي العسكري، من خلال فتح المجال أمام زيادة الموازنة الدفاعية، وتوسيع برامج تطوير الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، تحت شعار “الولايات المتّحدة في حالة حرب”.

إقرأ أيضاً: إيران – إسرائيل.. الجولة الثّانية بمشاركة “الحزب”؟

يُنظر إلى تغيير الاسم باعتباره جزءاً من محاولة أوسع من جانب الرئيس دونالد ترامب لإظهار القوّة والتأثير داخليّاً وخارجيّاً خلال ولايته الثانية، في إطار سياسته المعروفة بشعار “لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً”. ويكرّس هذا التوجّه خطاب “الهيمنة” بدلاً من خطاب “الحماية”، واضعاً القوّة العسكرية في قلب الهويّة السياسية الأميركيّة.

يعيد ذلك طرح تساؤلات أخلاقية كبرى: هل تسعى الولايات المتّحدة فعلاً إلى السلام والاستقرار أم تميل بطبيعتها إلى خوض الحروب وصناعة الصراعات؟

مواضيع ذات صلة

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…