المقاومة وإسرائيل: العنف لتبرير العنف

مدة القراءة 7 د

“ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ        وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ

وَالناسُ قَد نَبَذوا الحِفاظَ فَمُطلَقٌ          يَنسى الَّذي يولى وَعافٍ يَندَمُ

لا يَخدَعَنَّكَ مِن عَدُوٍّ دَمعُهُ                وَاِرحَم شَبابَكَ مِن عَدُوٍّ تَرحَمُ

وَمِنَ البَليَّةِ عَذلُ مَن لا يَرعَوي          عَن غَيِّهِ وَخِطابُ مَن لا يَفهَمُ

وَمِنَ العَداوَةِ ما يَنالُكَ نَفعُهُ              وَمِنَ الصَداقَةِ ما يَضُرُّ وَيُؤلِمُ”                                      

                                                       (أبو الطيب المتنبي)

 

من طبائعنا نحن البشر أنّنا نكتفي بقراءة العناوين ونعتمد بعدها على التقليد الكلامي وما هو متوارث من مفاهيم بديهيّة، لنقرّر أو ندعم أو لا نفعل أيّ شيء أحياناً. من تلك العناوين تأتي تعابير الصمود والتضحية والمقاومة والعزّة والموت ولا الذلّة… كلّها تعابير دخلت الوجدان الجماعي، خاصّة في شرقنا الجريح الذي ينزف من دون توقّف تحت وطأة تلك المفاهيم التي ربّما نفعت في الماضي السحيق، يوم كان الفرد والجماعة يتحكّمان في مقولة “ما النصر إلّا صبر ساعة”، يوم كانت الشجاعة والتضحية وعدم الخوف من الموت يتحكّمون بقبضة السيف حين “تتكسّر النصال على النصال”، فكانت فئة صغيرة تغلب فئة أكبر منها عدداً وعدّة. وكانت الحنكة والذكاء البشريَّان من أدوات الصراع والتحكّم أحياناً لتغيير معادلات القوّة، كما الصدف وحدوث ما هو غير متوقّع.

كلّ تلك المعطيات صحيحة ومؤكّدة تاريخيّاً، مع بعض المبالغات في الشرح مبنيّة على الطرف الشارح، وهذا ليس بغريب عن كتابة التاريخ، فلكلّ طرف حقيقته المطلقة حتّى لو كانت عكس الحقيقة المطلقة، أو الحقائق المطلقة لمجموعات أخرى.

من طبائعنا نحن البشر أنّنا نكتفي بقراءة العناوين ونعتمد بعدها على التقليد الكلامي وما هو متوارث من مفاهيم بديهيّة، لنقرّر أو ندعم أو لا نفعل أيّ شيء أحياناً

لكنّ الإشكال الكارثيّ يقع عندما يسقط البعض في الاعتقاد أنّ الحقيقة الشخصيّة ثابتة عبر الثقافات، والأهمّ عبر العصور. أقول كارثيّة لأنّ حامل تلك الحقائق يفقد القدرة على تحويل مساره عن الهاوية لأنّ خياراته تصبح محصورة بواحد لا بديل له، ويصبح غير قادر على الانفتاح على الاحتمالات الكثيرة والمتحوّلة في كلّ ساعة أو حتّى لحظة من الزمن. في حين أنّ الآخر المنفتح على الاحتمالات والعارف بضآلة انفتاح الخصم، سيستخدم كلّ الوسائل المتاحة له لمحاصرة وهزيمة ذاك الآخر المأسور بحقيقته الثابتة.

المعلومة في الاحتمالات

قد تكون مسألة المعلومة، أو الاستخبارات، أهمّ وسائل الانفتاح على الاحتمالات. هذه المعلومة هي أساس القدرة على مواجهة الآخر وهزيمته بالاعتماد على معالم قوّته، مثل البطولة والشجاعة وحفظ الكرامة، وتحويلها إلى عناصر ضعف تُستخدم لتسهيل الغلبة.

بالمحصّلة، يتبادل التعويلان الخدمات للبقاء، فخبث مَن يملك المعلومة يسوّغ الاستمرار في المواجهة والصمود لمن لا يعرف غيرهما، في حين أنّ الاستمرار في الصمود والمواجهة بالوسائل ذاتها البائدة التي أثبتت فشلها تصبح الأداة الأنجح لتحقيق أهداف الطرف الآخر المستند إلى الانفتاح على الاحتمالات وحسن استخدامها.

الاستخبارات في العهد القديم

في هذا الإطار، يُظهر العهد القديم أهميّة كبيرة للاستخبارات وجمع المعلومات عن العدو قبل شنّ أيّ هجوم أو القيام بأيّ عمل عسكري. تعتبر قصّة الجواسيس في أرض كنعان من أشهر الأمثلة على أهميّة التجسّس. قبل أن يدخل بنو إسرائيل أرض كنعان، أرسل موسى 12 جاسوساً لتقويم الوضع. كانت مهمّتهم استكشاف الأرض، معرفة مدى قوّة سكّانها، تحديد طبيعة المدن وطبيعة تحصينها وتقويم جودة الأرض الزراعية ومحاصيلها.

قبل أن يدخل بنو إسرائيل أرض كنعان، أرسل موسى 12 جاسوساً لتقويم الوضع

طلب الربّ من موسى في سِفر العدد، الإصحاح الثالث عشر، أن يرسل رجالاً ليتجسّسوا أرض كنعان. قال له: “أرسِلْ رِجَالاً لِيَتَجَسَّسُوا أَرْضَ كَنْعَانَ الَّتِي أَنَا مُعْطِيهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. رَجُلاً وَاحِداً لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ آبَائِهِ تُرْسِلُونَ. كُلُّ وَاحِدٍ رَئِيسٌ فِيهِمْ”.

عندما وصل بنو إسرائيل إلى أريحا، أرسل يوشع (بن نون) جاسوسين لدخول المدينة، حيث ساعدتهما امرأة اسمها راحاب في الحصول على معلومات عن المدينة وسكّانها. وقد أظهرت هذه القصّة أنّ معرفة مدى قوّة العدوّ ومعنويّاته هي عامل حاسم في اتّخاذ القرارات العسكرية.

على الرغم من أنّ الربّ قد وعد موسى بأنّ هذه الأرض ستكون لبني إسرائيل، كان إرسال الجواسيس بهدف زيادة إيمان الشعب وتهيئتهم نفسيّاً وعسكريّاً للدخول. كان الهدف هو تزويدهم بمعلومات ملموسة عن الأرض وسكّانها تساعدهم في وضع خطّة محكمة للسيطرة عليها. لكن، كما يوضح السفر، أدّى تقرير الجواسيس غير المؤمنين إلى إخافة الشعب وتذمّره، وعقابهم بالتيه في الصحراء لمدّة أربعين عاماً.

الانفتاح على الاحتمالات

مفاد هذه الرواية هو أنّ الاعتماد على الشجاعة والإقدام، وحتّى على الدعم الإلهي، لم يكن كافياً حتّى في التوراة لاقتحام أريحا ثمّ قتل كلّ من وُجد فيها من بشر، ما عدا راحاب الجاسوسة، وحيوان وتدمير كلّ بيت. وهذا ما ورثه الصهاينة من أساطيرهم كحقيقة ثابتة، لكنّ قوّتها كانت ولا تزال في الانفتاح على الاحتمالات، لأنّه لا شيء يبقى كما هو في عالم “لا تطأ القدم فيه النهر ذاته مرّتين”، حسب ما نُسب إلى هرقليطس.

في أوائل القرن العشرين، وبُعيد مؤتمر بازل الصهيوني، وقبيل إعلان بلفور، ذهب صحافي يهودي غربي صار يدعو نفسه آحاد هاعام، أو أحد الناس، ليستطلع إمكان الاستيطان اليهودي في فلسطين على أساس مقولة أنّها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.

ما تزال إسرائيل تعتمد على حميّة من يعتقد أنّه يقاومها لاستعمال القوّة المفرطة والعنف الذي يصل إلى التصفية العنصرية بحجّة أنّ العدوّ يشكّل خطراً وجوديّاً

كانت الصهيونية اليهودية في تلك الحقبة متعدّدة التوجّهات العقائدية بين يساري حالم بمجتمع تعاونيّ غير ديني، ومتديّن يريد بناء الهيكل الثالث والانعزال عن وباء الليبرالية الزاحفة نحو اليهود في أوروبا. وكانت المجموعة الأخيرة هي الصهيونية العنصرية التي رأت في اليهودية قوميّة بغضّ النظر عن الإيمان، معتبرةً المراجع الدينية إرثاً قوميّاً أكثر ممّا هو توجيه دينيّ. المهمّ هو أنّ آحاد هاعام أرسل قائلاً عن فلسطين إنّ “العروس جميلة لكنّها مخطوبة”، وهو ما يعني أنّ الأرض لها مالكوها ولهم تاريخهم وجذورهم وثقافتهم الراسخة في الأرض وفي شجر الزيتون وبيّارات الليمون وفي الموروثات الدينية والاجتماعية في الكنائس والمساجد، وحتّى في المعابد اليهودية. هنا نصح الصحافي بوجوب أن تكون سبل العودة والاستيطان ثقافيّة.

الحاجة إلى التّكنولوجيا و”شجاعة” العدوّ

لم يردع هذا العمل الاستخباريّ الحركة الصهيونية، بل دفعها للانفتاح على الاحتمالات وتغيير النهج وبناء التحالفات، والتحوّل إلى أداة ضروريّة للقوى الاستعمارية الغربيّة، ثمّ تحويل المستوطنين ذوي الطبيعة التعدّديّة الفلسفية إلى جيش عنصري حديث لا يحتاج إلى الشجاعة ولا التضحية لينتصر، بل إلى التكنولوجيا والمعلومات وحميّة وشجاعة العدوّ لتسويغ العنف المفرط، يشارك فيه اليمين واليسار، وبقي المتديّنون يتفرّجون ويدعون بالنصر.

إقرأ أيضاً: ضمّ الضّفّة: طار أوسلو… هل طارت الدّولة؟

هذا بالضبط ما قاله مؤسّس إسرائيل ديفيد بن غوريون من أنّ اعتماد جيشه ليس فقط على الشجاعة، بل على نقاط الضعف البنيويّة في العرب المستندة إلى حقائق لم تتغيّر عندهم منذ أيّام الفتوحات. واليوم، في غزّة ولبنان واليمن، ما تزال إسرائيل تعتمد على حميّة من يعتقد أنّه يقاومها لاستعمال القوّة المفرطة والعنف الذي يصل إلى التصفية العنصرية بحجّة أنّ العدوّ يشكّل خطراً وجوديّاً. فيما من يقاوم يستشهد بقول العدوّ بأنّه يشكّل خطراً وجوديّاً.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@allouchmustafa1

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…