“خطّة” الجيش من دون ضمانات

مدة القراءة 6 د

تُشكّل كلمة الرئيس نبيه برّي غداً الأحد، في الذكرى الـ 47 لتغييب الإمام موسى الصدر، محطّة مفصليّة في “المقاربة الشيعية” لملفّ تسليم السلاح، تسبق انعقاد جلسة مجلس الوزراء بعد ظهر الثلاثاء لعرض خطّة الجيش.

 حتى الآن، تؤكد مصادر وزارية لـ “أساس”، بأن لا مؤشرات لمقاطعة وزراء “حركة أمل” والحزب الجلسة التي تمّ تأجيلها من الثلاثاء إلى يوم الجمعة المقبل، لكن الثنائي يتصرّف على أساس وجود ورقتين حاسمتين في جيبه: مقاطعة أي جلسة تُلزِم الحزب بمهل زمنية، من خلال خطة الجيش، لتسليم سلاحه، وورقة الشارع. المسألة تكمن في التوقيت فقط.

 

قدّم الموقف الأميركي-الإسرائيلي السلبي من الورقة الأميركية، التي ألزمت تل أبيب بـ”الخطوة مقابل خطوة”، فرصة للجانب اللبناني لفرملة مسار التزامه خطّة توم بارّاك لنزع سلاح “الحزب”، وتوسيع إطار المناورة وكسب الوقت، ما دام الردّ الإسرائيلي فجّاً ومباشراً: “ليُسلّم “الحزب” سلاحه أوّلاً، وبعدها سنرى ماذا سنفعل”.

قادت الاتصالات حتى ليل أمس إلى تأجيل الجلسة من يوم الثلاثاء إلى الجمعة، في محاولة للتوصّل إلى صيغة توافق بين قرار الحكومة الذي لا رجوع عنه بحصر السلاح بيد الدولة، عبر تكليف الجيش إعداد الخطة التطبيقية له، ورفض الحزب القاطع لهذا المسار. فالخطة ستعرض حكماً على مجلس الوزراء، لكن هناك محاولات للدفع باتّجاه تحميل الجانب الإسرائيلي مسؤولية فرملة هذا المسار، بسبب رفض الالتزام ببنود الورقة الاميركية، وفي ظل دعوة الحزب الحكومة للتراجع عن قراراتها.

لم يتردّد الرئيس برّي، في حديث إلى موقع “أساس”، في كشف حصيلة المداولات مع الوفد الأميركي الموسّع في عين التينة، وأهمّها اتّهام الوسيط الأميركي بنسف اتّفاق وقف إطلاق النار، ونقل المشكلة إلى الداخل اللبناني، عبر إلقاء كرة النار على الجيش لسحب السلاح، والتأكيد أنّ الأميركي ليس بصدد تقديم أيّ ضمانات.

تُشكّل كلمة الرئيس نبيه برّي غداً الأحد، في الذكرى الـ 47 لتغييب الإمام موسى الصدر، محطّة مفصليّة في “المقاربة الشيعية” لملفّ تسليم السلاح

أخذ حديث الضمانات أيضاً حيّزاً من النقاش بين الوفد الأميركي ورئيس الجمهورية جوزف عون الذي توجّه إلى توم بارّاك قائلاً: “تصرّفتم على أساس أنّكم “الضمانة” للاتّفاق، فأين هذه الضمانة؟ كنّا نتوقّع جواباً من الجانب الإسرائيلي يتماهى مع موجبات الورقة المتّفق عليها، ونحن لا نرى ضغطاً واضحاً على إسرائيل”.

فعليّاً، لم يصدر جواب واضح من الوفد الأميركي، باستثناء الإشارة “إلى انتظارنا لجلسة الحكومة، من أجل عرض خطّة الجيش، وبعدها سنرى ما سيفعل الجانب الإسرائيلي”.

شكّل الـ “لا جواب” الأميركي انقلاباً على  الورقة الأميركية التي أقرّ مجلس الوزراء “أهدافها”، في جلسة 7 آب، والتي حدّدت ترتيباً زمنيّاً وفق “خطوة مقابل خطوة”، فكان يُفترض بعد قرارات الحكومة في 5 و7 آب أن تعمد إسرائيل إلى وقف كلّ أعمالها العدائيّة، وبدء الانسحاب، بالتزامن مع استمرار تسليم “الحزب” سلاحه، في سياق المرحلة الأولى من تنفيذ الورقة الأميركيّة.

خطّة… لا خطّة

تقول مصادر مطّلعة  لـ “أساس”: تحتاج خطّة الجيش، بالمفهوم العسكريّ الميدانيّ، إلى شريكين غير متوافرين:

*إسرائيل التي لا تزال تحتلّ مواقع في جنوب لبنان، وتنفّذ مداهمات لمنازل وبلدات، وتُسيطر جوّاً، وتقصف أهدافاً تعتبرها عدوّة لها. بالمنطق السيادي، كما العسكري، كيف يمكن لخطّة انتشار الجيش ونزع السلاح أن تنفَّذ والإسرائيلي “مُسيطر عسكريّاً”؟ فخطّة الجيش، تعثّرت جنوب الليطاني، بسبب هذا الواقع، فكيف إذا كان المطلوب خطّة على مستوى كلّ لبنان؟!

شكّلت حادثة الناقورة يوم الخميس مع استشهاد ضابط وعسكريّ جرّاء انفجار مسيّرة تابعة للعدوّ الإسرائيلي الذي كان يستهدف آليّة هندسيّة تابعة لـ”الحزب”، كما قال، مثالاً عن واقع تنفيذ خطّة الجيش والبلد تحت الاحتلال!

في المنحى نفسه، أتى الموقف الفرنسي أمس، على لسان الرئيس إيمانويل ماكرون، حاسماً بهذا الاتّجاه، عبر التأكيد أنّ “الانسحاب الكامل للقوّات الإسرائيلية، الذي أكّده قرار التمديد لـ”اليونيفيل”، وإنهاء كلّ الانتهاكات للسيادة اللبنانية، شرطان أساسيّان لتنفيذ خطّة الجيش”.

تؤكّد مصادر وزارية لـ “أساس” أن لا مؤشّرات لمقاطعة وزراء حركة أمل و”الحزب” الجلسة التي لا تزال قائمة في موعدها

*”الحزب”، إذ لا يمكن لأيّ خطّة على هذا المستوى الوطني والمصيريّ أن تتمّ، فيما “الحزب”، المعنيّ الأوّل بها، “شَيطَن” قرارات الحكومة، وأعلن جهاراً رفضه تسليم السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وتحرير الأسرى، وبدء إعادة الإعمار، التي هي شروط ملزمة، قبل “النقاش في الاستراتيجية الدفاعية”، وليس الانسحاب بالمعنى العسكري. هو موقفٌ قد يجد تكملة له في حال “تنفيس” الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، استناداً إلى سلبيّة الموقف الإسرائيلي، أو يؤدّي إلى تداعيات داخلية في حال المضيّ بخطّة نزع السلاح.

القرار السّياسيّ أوّلاً

من جهته، أعلن قائد الجيش العماد رودولف هيكل الجهوزيّة لعرض الخطّة على الحكومة، لكنّ عرض الخطّة شيء، وهو أمر تقنيّ، والتنفيذ شيء آخر.

تتكتّم قيادة الجيش والمراجع المعنيّة بشكل كبير على عناوين الخطّة، لكن، وفق المعلومات، لا تفاصيل عسكريّة تقنيّة ستُعرض على الحكومة، بل سيكون العرض عامّاً وسيكون هناك سرد لعوائق التنفيذ، من ضمنها تجربة جنوب الليطاني، وحاجات الجيش المطلوبة، عديداً وعتاداً، لتنفيذ مهمّته، من دون تحديد جداول زمنيّة لتسليم السلاح، ومع خطّ أحمر عريض: “لا للاصطدام مع أيّ طرف داخليّ”.

في بيان الجيش أمس تمّت الإشارة مجدّداً إلى قيام المؤسّسة العسكريّة بمهامّها “وفق قرار السلطة السياسية، مهما بلغت الصعوبات”. هنا تكمن المسألة، فقرار السلطة، بعد الزيارة الأخيرة للموفد الأميركي، يسوده الارتباك بعد التيقّن من عدم التزام إسرائيل بنود الورقة الأميركية. وهذا ما قد ينعكس، في مداولات الجلسة المقبلة للحكومة. في هذا السياق، عَلِم “أساس” أنّ لقاء الرئيس برّي مع نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، والوزير فادي مكّي، تناول مسار الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء.

إقرأ أيضاً: مجلس الوزراء الثّلاثاء: الاختبار الأقصى

بين توم وليندسي

حتّى اللحظة نحن أمام نسختين من المقاربة الأميركية لملفّ السلاح:

– نسخة توم بارّاك الذي أكّد من قصر بعبدا أنّ تسليم السلاح يجب أن لا يتمّ بالمواجهة العسكرية، بل عبر محاولة إقناع “الحزب” بذلك.

– نسخة ليندسي غراهام الذي دعا إلى الانتقال إلى الخطّة “ب” في حال لم يستجِب “الحزب”، عبر نزع سلاحه بالقوّة العسكرية.

أمّا في الشكل، فهناك معطى بالغ الأهمّية عَكَسَه بارّاك في تصريحاته الأخيرة، كاشفاً بشكل علنيّ أنّ “الحكومة اللبنانية ستعرض الخطّة على الجانب الأميركي “لأخذ موافقتنا”، وستُحدّد الخطوة الإسرائيلية المُقابلة بعد اطّلاع الجانب الإسرائيلي على الخطّة التي سيقترحها الجيش اللبناني”.

أتى الكلام الأميركي عن خطّة الجيش، بعد تجاوز بارّاك “الوعد” العلني، الذي أطلقه في زيارته الماضية في 18 آب، “بالتوجّه لإسرائيل التي يُفترض أن تُقدم على خطوة موازية، بعد قرارات الحكومة التي وصفها بالتاريخيّة”.

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

“القوّات” تُغامِر: كتلة الـ19 ستَكبر

على الرغم من الضباب الكثيف الذي يلّف مصير الانتخابات النيابيّة في أيّار المقبل، وبروز عقد جديدة بما فيها تعثّر فتح العديد من المرشّحين لحسابات مصرفيّة…

هل يقدّم “شورى الدّولة” إخراج التّمديد؟

منذ أن رفعت الحكومة يديها استسلاماً من مهمّة وضع مراسيم تطبيقيّة لقانون الانتخابات، وتحديداً للدائرة الـ16 الواجب استحداث مقاعدها، بدا أنّ خيطاً رفيعاً لتواطؤ ما…

مصادر أميركيّة لـ”أساس”: نثق بالجيش و”لا” لانتخابات بقوّة السّلاح

بينما تتّجه الأنظار إلى خطّة الجيش اللبنانيّ في مرحلتها الثانية، يسود جوّ من الترقّب الأميركيّ لهذه المرحلة وسرعة تنفيذها من عدمه. ثمّة تباين بين توقيت…

جنوب اللّيطاني وشماله: مهل مفتوحة و”تسوية”؟

تترافق المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح شمال الليطاني مع لحظة انشداد دوليّة نحو المفاوضات الأميركيّة – الايرانيّة المترنّحة بين خيارَي الحرب واللاحرب. تلفح هذه…