جواب متأخر على خطاب سادة الدمار

مدة القراءة 5 د

كلّما استمعنا إلى الشيخ نعيم تستحوذ علينا حيرة ما بعدها حيرة. نقول ربّما أراد الرجل أن يُخاطب ناسه. وناسه يحبّون ما اعتادوه من سلفه. ذاك الذي ظلّ يُذكّرهم بجدّه الحسين كلّما قال أو فعل. لكنّ أصل البلاء ليس في هذا على الرغم من فجاجته. الأصل أنّ نعيم بات أقرب إلى الوهم من أيّ وقت مضى، وهو الوهم الذي تورم في رأس “السيّاد”.

 

ماذا بعد يا شيخ نعيم؟ لقد قضى في هذه المسيرة مَن قضى. جميعهم راحوا وفي عميق يقينهم أنّهم قومٌ لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها. فجأة صار الحصن الحصين هوّة بلا قرار. وفجأة صار السيّد أثراً بعد عين. وبالمباغتة ذاتها صارت الأسطورة لصيقة الأرض. ثمّة حصّادة مجنونة تقطف الرؤوس. وقد قطفت حتّى شبعت. ولا أحد في الدنيا استطاع أن يكبح جماحها.

كان المايسترو ينظر إليكم بطرف عينه من إيران. يرفع الصوت كي لا يسمع صراخكم. وحين خرج الختيار بعمّته السوداء وهو يتّكئ على بندقيّته في أحد مساجد طهران، قال: لقد كان سيّدكم سيّداً عظيماً، لكن لا شيء في جعابنا سوى البكاء، وقد بكى، وحسبنا ما سمعناه من السيّد ذات يوم، حين بكى فؤاد السنيورة في حضرة العرب الأقحاح: أمّا الدموع فهي لا تحمي أحداً.

كلّما استمعنا إلى الشيخ نعيم تستحوذ علينا حيرة ما بعدها حيرة. نقول ربّما أراد الرجل أن يُخاطب ناسه. وناسه يحبّون ما اعتادوه من سلفه

وهمٌ فوق وهم

يعزّ علينا أن نقول ما نقول. لكنّ للصبر حدوداً. وقد نفد أو يكاد. يقول القائل فينا: دعهم. هي خسارة جسيمة تستدعي الصراخ والعويل. وقد استمعنا إليه وتركنا الجرح حتّى يبرد. لا نوغل فيه سكّيناً ولا ملحاً ولا ناراً. تركنا الجرح لكنّ الجرح يأبى إلّا أن يلاحقنا حتّى آخر قبر وآخر استفزاز وآخر حرب أهليّة.

ماذا يريد الشيخ نعيم؟ الأسطورة كلّها هوت. لا شيء في جعابكم سوى الانتحار. والانتحار ليس خياراً كربلائيّاً. بل جنوح عدميّ نحو لا شيء. نريد لكم حياة كريمة. بل ونأبى أن تكون بخلاف ذلك. حياة طبيعية نعيش فيها جنباً إلى جنب. كما كنّا منذ أوجدنا الله في هذه الأرض الخصيبة. لا كما أرادنا حزبه أن نكون أو نصير.

لا أحد يسعى إلى شطب الشيعة. ولا لترويعهم. ولا لسحقهم. ومهين ومعيب استخدام تعبير العودة إلى ذاكرة ماسحي الأحذية في جمهوريّتنا المشلوحة على صليب العذابات. لا أحد يسعى إلى انتقام أو ثأر أو ترويع أو اجتثاث. هذا وهم فوق وهم. وهو وهم مدروس وممنهج وجذّاب. يريدون جرّهم من مستنقع إلى آخر. ونحن نمدّ لكم اليد لتخرجوا من جنونهم إلى سقف دولة نستظلّها جميعاً.

يقول الشيخ نعيم إنّه قادر وحزبه على الفعل متى صار الفعل واقعاً لا فكاك منه. وإنّ السلاح يحمي السلاح كائناً من كان ذاك الذي سيمدّ إليه يده. ونحن في الحقيقة يُخالجنا شعور مختلط حين نستمع إليه. أهي الحاجة إلى الضحك وقد صارت الأمور إلى ما صارت إليه. أم الحاجة إلى البكاء عند أطلال حزب ما زاده الوهم إلّا وهماً. وما منحته التجارب إلّا مزيداً من المكابرة والتعنّت والعناد.

أما وقد وصل السيل الزبى، وبلغت قلوبنا الحناجر. فقد صار لزاماً علينا أن نقول ما يجب سماعه. متوجّهين للشيخ نعيم ولغيره من أصحاب الرؤوس الحامية في بلادنا المتوعّكة: لقد جرّبنا قبلكم. وجرّب غيرنا ما جرّبناه. وجميعنا ارتطمنا بحائط سميك. ظنّ كلٌّ منّا أنّه أدهى وأذكى وأقوى وأقدر وأمنع. لكنّنا انزلقنا كما انزلقتم. نحو جحيم بلا قرار. ثمّ حين خرجنا بشقّ الأنفس أدركنا أنّ هذه البلاد عصيّة على الكسر والخلع والترويض. وأنّ فيها من المعادلات والحساسيّات والتعقيدات ما قد يملأ الدنيا أو يزيد.

ماذا يريد الشيخ نعيم؟ الأسطورة كلّها هوت. لا شيء في جعابكم سوى الانتحار. والانتحار ليس خياراً كربلائيّاً. بل جنوح عدميّ نحو لا شيء

الخراب العميم

هذا الحزب منذ ولادته، سحب بيئته الحاضنة نحو خلطة هجينة من الموت المركّب. وقد ترك في جبينها ندوباً لا تندمل. بل وسبح بها عكس الموج وعكس التيّار وعكس التاريخ. ثمّ حين وصل بها إلى عرض البحر أصيب مركبه بثقوب غائرة. وبدل أن يعود بها إلى الشاطئ قرّر أن يواصل الإبحار نحو اللامكان. يسدّ الثغور بأصابع اليدين وبالوجوه المحشوّة بالوجع. غير آبه بكلّ الصراخ الذي يتعالى يوماً تلو آخر.

حوّل الطائفة برمّتها إلى ما يشبه الجماعة المنبوذة. لا حليف لهم في الداخل. الجميع دون استثناء يقفزون من مركبه الغارق قطعاً. والجميع في الخارج يئسوا من فكرة التطويق أو الاحتضان، وباتوا يبحثون بشغف خلف قطف ما بقي من رؤوسهم. لقد أخذ “الحزب” الشيعة نحو منتهى الأشياء. وقد قالت العرب: لا تصل بالأمور إلى آخرها.

لا شيء أضافه “الحزب” سوى الموت. الكثير من الموت. الكثير من الدمار. تكاد لا تجد إضافة مميّزة في كلّ مناطقه سوى صور أولئك الذين قضوا نحبهم في مشروعه العابر للعقل والمنطق والخرائط. لم يُسجّل أيّ احتراف في مربّع سكنيّ جميل أو مبتكر. ولا في حديقة أو ساحة أو معلم سياحي. ولا حتّى في مؤسّسة أو مدرسة أو جامعة أو مستشفى. لا شيء في جعبته سوى الموت. والدمار. وهيهات منّا الذلّة.

إقرأ أيضاً: حين مدّ رفيق الحريري يده إلى “الحزب”

الشيعة أكملوا عقدهم الوطنيّ. وصلوا في التعليم والتفوّق والنجاح ما لم يصله آخرون. نجحوا في التجارة والصناعة والخدمات والسفر والعلاقات. صار فيهم من النخب ما يساوي أو يتجاوز الطوائف المؤسّسة للكيان، لكنّهم مغلوبون على أمرهم، وثمّة من يريد أخذهم عنوة إلى حرب وجوديّة تحت عناوين واهية وغير موجودة على الإطلاق، إلّا في ذهنيّات أصحابها الذين يسعون عبرها للقبض على رقابهم إلى الأبد.

حان الوقت للقول، بكلّ صراحة، إنّ السادة ليسوا هم أولئك الذين يلبسون العمائم ويأخذون ناسهم نحو الانتحار، بل هم أولئك الذين يخترعون الحياة ولو من رحم الموت، وهنا يكمن الفارق الكبير بين سادة العمار وسادة الدمار. وحسبنا أنّ “الحزب” وسادته وقادته ومشروعه، هم العنوان الأكثف للخراب العميم.

لمتابعة الكاتب على X:

@kassimyousef

مواضيع ذات صلة

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة

يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب”…

مؤتمر دعم الجيش: إعادة سلاح “الحزب” إلى سوريا..

تستعدّ باريس لتنظيم مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المعوّل عليه لمساعدة المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ مهمّة حصر السلاح، حيث تدور في أجواء المؤتمر أربعة شروط يفترض…

واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

بالتزامن مع تحديد موعد ومكان الجولة الثانية من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، المقرّرة اليوم الثلاثاء  في مدينة جنيف السويسريّة، بدأت تتّضح صورة الملفّات المطروحة على…