لم تأتِ من فراغ نصيحة الإخوانيّ “السابق” أحمد موفّق زيدان لرفاقه السابقين في جماعة الإخوان المسلمين (فرع سوريا) بحلّ تنظيمهم إسوة بما فعلته الفصائل الثورية، غداة سقوط بشّار الأسد، وذلك في مقال له منشور في 22 آب، فالاختلاف قديم بين أبناء التيّار الإسلامي، السياسيّ منه والثوريّ في سوريا، ليس على الأهداف العامّة، بل على الوسائل والطرائق والمناهج. فلماذا يرفض “الشرع” تشريع الجماعة في سوريا الجديدة؟
في اللقاء الحواريّ بين الشرع ووفد إعلاميّ عربيّ، كان الرئيس السوريّ حاسماً في سعيه إلى تغيير الوجه السياسي لسوريا أو في رسم دورها الاستراتيجيّ المرتقب، فأعلن أنّه ليس امتداداً لتنظيمات جهادية ولا لأحزاب سياسية إسلامية، ولا هو من ثورات الربيع العربي. والهدف المركزيّ للشرع، إخراج سوريا، من بؤرة الصراعات الداخلية بين التيّارات المختلفة، علاوة على تجنيب البلاد النزاعات الطويلة المدى بين القوى الخارجية على امتلاك موطئ قدم لها في هذه البقعة البالغة الأهميّة، لتوسّطها مكانيّاً بين إسرائيل المتمدّدة والمحيط العربي والإسلامي، فهي ممرّ حيويّ لكلّ الموجات المتلاطمة. وبدلاً من الرهانات الجيوسياسية الإقليمية على سوريا بسبب موقعها الجغرافي المتميّز، الذي كان خلال السنوات الأخيرة، نقمة وليس نعمة، يحاول الشرع تحويل هذه الميزة الجغرافيّة إلى نعمة اقتصاديّة، بوصفها عقدة المشاريع الكبرى في المنطقة الرابطة بين الصحراء الشرقية (العراق) وسواحل البحر، وبين جزيرة العرب وعمقها الحيوي في بادية الشام وحواضرها الكبرى، كما بين آسيا وأوروبا.
لم تأتِ من فراغ نصيحة الإخوانيّ “السابق” أحمد موفّق زيدان لرفاقه السابقين في جماعة الإخوان المسلمين (فرع سوريا) بحلّ تنظيمهم إسوة بما فعلته الفصائل الثورية
الصّراع بين الحركات الإسلاميّة
كان الاختلاف بين الإسلاميين، بالعنوان العريض، من معوّقات الثورة، ومن عوامل تأخّر انتصارها، وذلك حين نشب مبكراً صراع بين رفاق البندقيّة. وكان قائد هيئة تحرير الشام، جزءاً أساسيّاً من هذا المخاض. وما خسرته المعارضة من مكتسبات بعدما كانت تسيطر على معظم سوريا قبيل تدخّل الجيش الروسيّ عام 2015، دفع إلى احتدام صراع الأيديولوجيات، في إدلب وما حولها، لا العكس، إلى أن تغلّبت “عصبيّة” الهيئة على “عصبيّات” الفصائل، فاستدرجها إليه، وقرّب بعض كوادرها. وتسارع هذا المنحى، إثر الانتصار الصاعق على نظام الأسد في 8 كانون الأوّل من العام الماضي، فحلّ تنظيمه وهم كذلك، واندمجوا في الدولة الجديدة.
سياسة حكيمة؟
لم تصمد أمامه إلّا حركتان عريقتان، هما الإخوان المسلمون، وحزب التحرير. لم يكن لدى الإخوان فصيل عسكري خلال الثورة، بل كان لهم نفوذ معيّن على فيلق الشام، أحد مكوّنات “الجيش الوطنيّ” المدعوم من تركيا. أمّا حزب التحرير، الذي يحمل شعار استعادة الخلافة، بالوسائل السلميّة، فاصطدم مع حكومة الإنقاذ في إدلب، التابعة لهيئة تحرير الشام آنذاك، بسبب الخلاف على رفع أنصار الحزب الرايات السود، وبسبب دعوته المِلْحاح إلى إقامة الخلافة، في وقت لم يتوقّف فيه الصراع مع خلايا “تنظيم الدولة”.
لكن إذا كان من المفهوم حلّ الفصائل الثورية بوصفها تشكيلات عسكرية، ودمجها في مؤسّسات الدولة الجديدة، فما هو مبرّر حلّ “الجماعة” نفسها، وهي لم يكن لديها فصيل عسكري خاصّ بها خلال الثورة التي أطاحت بالأسد الابن، العام الماضي، ومن المفترض أنّ فيلق الشام ذاب هو الآخر، كبقيّة الفصائل. صحيح أنّ الجماعة كانت الفصيل الإسلامي الأوّل الذي قاتل نظام حافظ الأسد، في السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي، عبر ذراعها العسكري “الطليعة المقاتلة”. لكن نشب خلاف شديد، بشكل خاصّ بعد مذبحة حماة عام 1982، بين “الجماعة” وهذه “الطليعة” التي كانت أكثر جذريّة في قتالها النظام من “الجماعة” التي تؤثر الاستثمار السياسي في التحالفات العابرة للطوائف والأحزاب.
فهل دعوة الإخوان إلى الانحلال التلقائيّ والذاتيّ، من قبيل السياسة العمليّة الحكيمة التي يسير عليها الرئيس أحمد الشرع بالنظر إلى المشكلات المزمنة للجماعة مع الدول العربية، وحرصاً منه على العلاقات الجديدة والوثيقة التي نسجها الشرع بعناية منذ اللحظة الأولى للتحرير مع الدول العربية، لا سيما منها ذات الدور الكبير في دعم النظام الجديد؟ أم هو القلق من رسوخ كتلة سياسية إسلامية ذات تاريخ يعرفه كلّ السوريّين، واستباق لأيّ إمكانيّة لاختراق المجال العامّ الذي يهيمن عليه الشرع حاليّاً، بصورة منفردة وبحضور شعبيّ طاغٍ، لا سيما أنّه والإخوان المسلمين يشربون من البئر نفسه، وتكاد تتطابق الرؤى بينهما، مع اتّصاف كليهما بالبراغماتيّة، بفارق أنّه سلفيّ جهاديّ سابق، وهم يتبنّون النهج الديمقراطي أداةَ وصولٍ إلى الحكم؟
كان الاختلاف بين الإسلاميين، بالعنوان العريض، من معوّقات الثورة، ومن عوامل تأخّر انتصارها، وذلك حين نشب مبكراً صراع بين رفاق البندقيّة
رؤية إخوان سوريا
أمّا جماعة الإخوان في سوريا، فلها حسابات أخرى. صحيح أنّ رؤيتها السياسية التي نشرتها ابتداء من عام 2004، أي قبل الثورة بسبع سنوات، تعتمد على الدولة الوطنيّة الحديثة، لكنّها لا تنفي تطلّعاتها الأمميّة، ولا تقف تأثيراتها عند الحدود الوطنية المعترف بها دوليّاً. وحين تقرأ تعريف الجماعة لنفسها، وهو ما جاء في الرؤية المذكورة، تعتقد لوهلة أنّك تقرأ الموقف الآن بعد تصريح زيدان: “إنّ الإخوان المسلمين في سورية ليسوا حزباً سياسياً عابراً يضمّ أُطُراً تنظيمية ضيّقة، بل هم يمثّلون تيّاراً واسعاً في الشعب السوري، يضرب جذوره في الأعماق، ويمثّلون الصحوة الإسلامية المستنيرة التي شعَّ نورها في أرجاء الأرض. وتاريخهم يشهد لهم أنّهم كانوا دائماً دعاة خيرٍ وتسامحٍ وحوارٍ وإصلاح.. وقد شاركوا في إثراء الحياة السياسية في كلّ العهود الديمقراطية، وشاركوا في مقارعة الاستعمار، وفي حرب فلسطين، وفي الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وكان لهم نوّاب ووزراء في العهود الديمقراطية، وصحف، ونوادٍ، ومستشفيات، وجمعيّات خيريّة.. لذلك لا يمكن تجاهل دورهم في بنية المجتمع السوريّ الحرّ، أو إلغاؤهم بقانون، أو إلغاء دورهم بجَرّة قلم”.
إقرأ أيضاً: إيران وإسرائيل: الانفجار القادم
هذا الكلام كان يقصد بشكل خاصّ ما تعرّضوا له من حظر قانونيّ أيّام حافظ الأسد، لكنّه قد يمثّل الموقفُ الحالَ الآن، بإزاء الدولة السوريّة الجديدة، التي تتلمّس طريقها بعيداً عن أيّ عوائق، سواء كانت فكرية أو تنظيمية أو سياسية. ولذا، تطالب الجماعة بحلّ نفسها. وهنا تحضر مفارقة في الموقف الإخوانيّ، ففي بيان أخير لمجلس الشورى في دورته العاديّة الرابعة، في آب الحاليّ، يهنّئ الشعب السوري كما الرئيس الشرع بالنصر الذي تحقّق نهاية العام الماضي، فيما يهاجم أنصار الإخوان، الدولة السورية بسبب تهاونها أمام إسرائيل، أو عدم مناصرتها غزّة، وينتقدون تفرّد الرئيس السوريّ بالقرار، والرؤية، والإمساك بأوراق اللعبة السياسية، وحرمان الجماعة من ملعبها القديم في سوريا، الذي كانت تصول فيه وتجول، وهي التي ترى نفسها الجهة التاريخية والعريقة وذات الخبرة. مشكلة الجماعة كما قال زيدان، هي الفجوة العمريّة بين قادة التنظيم وشبابه، فأصغر واحد منهم في الستّينيّات. بل إنّ قادة سوريا اليوم من الشباب اليافع، والناضج، فيما قادة الجماعة لا يهضمون فكرة أنّ الزمن وأحداثه الجسام قد تجاوزت التنظيم.
لمتابعة الكاتب على X:
