لماذا سرّعت واشنطن انسحابها من العراق؟

مدة القراءة 6 د

جاءت الأنباء عاجلة تتحدّث عن قرار الولايات المتّحدة سحب قوّاتها من قاعدتَي عين الأسد وفيكتوريا في العراق. يجري الأمر على وقع تحوّلات سريعة تشهدها منطقة الشرق الأوسط تجعل لتطوّر من هذا النوع أبعاداً لا يمكن إلّا أن يكون منخرطاً ضمن روافدها. ولا شكّ أنّ واشنطن المنخرطة مباشرة بورشة عمل مكثّفة في منطقة “الهلال” الشهير، من إيران إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا، تدرج قرارها وتوقيته داخل ذلك السياق وربّما في خدمته.

 

ليس صحيحاً أنّ قرار الولايات المتّحدة جاء مفاجئاً أو متعجّلاً أو مرتجلاً أو اتُّخذ بناءً على معطيات داهمة. فقد كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب أبلغت، في منتصف الشهر الجاري، حكومة محمد شيّاع السوداني عزمها البدء بسحب قوّاتها من مراكز انتشارها في العراق. حتّى إنّ استحقاق الانسحاب بذاته هو نتاج اتّفاق جرى بين بغداد وواشنطن في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن. نصّ ذلك الاتّفاق (أيلول 2024) على إنهاء مهمّة التحالف الدولي ضدّ داعش بحلول أيلول 2025، مع سحب معظم القوّات الأميركية، التي تبلغ حاليّاً حوالي 2,500 جنديّ، وبقاء عدد محدود في إقليم كردستان حتّى 2026 لدعم العمليّات في سوريا.

ليس صحيحاً أنّ قرار الولايات المتّحدة جاء مفاجئاً أو متعجّلاً أو مرتجلاً أو اتُّخذ بناءً على معطيات داهمة

ليس قراراً مزاجيّاً

لا شيء مفاجئ. تنتقل القوّات المنسحبة إلى قاعدة الحرير في إربيل، القريبة من الحدود الإيرانية، في إشارة إلى أنّ واشنطن لا تغادر العراق. ومع ذلك قُدّم الحدث بجرعات دراماتيكية توحي بأنّ وراءه أسباباً داهمة. سبق ذلك القرار تواصل بين واشنطن وبغداد، ولا سيما ذلك الذي تولّاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 22 تمّوز الماضي، والذي قيل إنّه “لم يكن ودّيّاً”، لحثّ الحكومة على سحب قانون “الحشد الشعبي” وتجريد الفصائل التابعة لإيران من سلاحها وجعل السلاح حصريّاً بيد الدولة العراقية. وبدت من ضغوط واشنطن منافسةٌ على النفوذ مع طهران في العراق، وهو النفوذ الذي جاء أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني لصيانته وحمايته في زيارته الأخيرة لبغداد.

في واشنطن، اشتبه مراقبون لشؤون البيت الأبيض بأنّ مزاج الرئيس ترامب يقف وراء بدء سحب فوريّ للقوّات الأميركية وإعادة نشرها في إقليم كردستان ومناطق أخرى في المنطقة. ذهبت بعض الهمهمات إلى الترجيح أن يكون الأمر ردّة فعل غاضبة من حكومة بغداد، بسبب عجزها عن أخذ مسافة حقيقية من إيران وجعل قرارها مرتهناً لامتداداتها الفصائليّة داخل العراق. وفي بعض ما يتسرّب، يعني انسحاب القوّات الأميركية غياب رعاية واشنطن التي لطالما وفّرت للحاكم في بغداد تحسين موازين القوى لمصلحة قرار عراقيّ مستقلّ.

غير أنّ انسحاب القوّات الأميركية من العراق ينهي “القضيّة” التي حملت الأحزاب والفصائل الشيعية الموالية لإيران لواءها منذ اغتيال قاسم سليماني عام 2020، وهدّدت من أجلها باستخدام وسائل “مقاوٍمة” ونفّذتها معرّضةً القوّات الأميركية لهجمات. وفيما اندلع سجال عراقي-عراقي بين تيّار يدعو إلى برمجة انسحاب متعقّل يقوم على قواعد العلاقات الاستراتيجيّة مع الولايات المتّحدة من جهة، وتيّار إيرانيّ الهوى يطالب بالانسحاب العاجل من جهة أخرى، سيطرح سقوط “القضيّة”، كما في لبنان، أسئلة بشأن لزوم وجود تلك الفصائل وسلاحها، ويغيّر قواعد اللعبة، ويعيد الجدل الداخلي تحت سقف سلاح الميليشيات التي توفّر لإيران قوّة حكم للبلاد.

في بغداد رأى المتحدّث باسم القائد العامّ للقوّات المسلّحة العراقية صباح النعمان في انسحاب القوّات الأميركية إنجازاً للحكومة ومؤشّراً إلى قدرة العراق على التصدّي للإرهاب. كانت حكومة نوري المالكي رأت الإنجاز نفسه عام 2011 قبل أن تعود البلاد للسقوط في هاوية “داعش”. ولأنّ البلد على عتبة انتخابات تشريعية، سيكون من شأن ذلك “الإنجاز” أن يرفع من أسهم رئيس الحكومة نفسه في قيادة تحالف برلماني تنتجه صناديق الاقتراع. لكنّ ذلك “الإنجاز” سيكون بالمقابل مادّة “نصر” أيضاً للفصائل الولائيّة المسلّحة ومرجعيّاتها السياسية لاستثمارها أيضاً في الحملات التي ستصبّ ثمارها في اقتراع الخريف المقبل.

في واشنطن، اشتبه مراقبون لشؤون البيت الأبيض بأنّ مزاج الرئيس ترامب يقف وراء بدء سحب فوريّ للقوّات الأميركية وإعادة نشرها في إقليم كردستان ومناطق أخرى في المنطقة

من يضرب أولاً واشنطن أم طهران

صحيح أنّ إعادة انتشار القوّات الأميركية، وحتّى التخفيف من وجودها في العراق وكلّ المنطقة، هو وعد انتخابيّ أطلقه ترامب خلال حملته الانتخابية، وصحيح أنّ الأمر يصبّ داخل استراتيجية لتخفيف الأعباء الماليّة والعسكرية عن الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط من أجل تحويلها إلى أولويّات استراتيجيّة أخرى، أهمّها في المجال الآسيوي للصين، غير أنّ القرار ودراماتيكيّة إعلان تنفيذه قد لا يكونان بعيدَين عن احتمال التدبير المسبق لأمر يُدبَّر لاحقاً. ولا يستبعد المراقبون أن يكون تكتيك الانسحاب هدفه تجنّب أن يكون الانتشار الأميركي في العراق هدفاً لعمليّات انتقاميّة محتملة من إيران أو فصائلها الموالية في ظلّ تكرار ترامب التلميح إلى الخيار العسكري من جديد ضدّ إيران.

لكن في ظلّ غياب إعلان شفّاف لمرامي القرار الأميركي، قد يبعث الأمر برسالة يفهم منها “المحور” تراجعاً أميركيّاً أمام نفوذ إيران. ولا شكّ أنّ سوء قراءة من هذا النوع سيعقّد الجدل بشأن حصريّة السلاح بيد الدولة في لبنان، لأنّ “الحزب” سيعوّل على تراجع أميركي مماثل في لبنان ما دام “المحور” يزعم أنّ المنطقة هي “ساحات” متشابهة أيضاً بالنسبة للولايات المتّحدة.

إقرأ أيضاً: “اليونيفيل” في أشهرها الأخيرة؟

قد لا يكون لقرار الانسحاب تأثير على الانتشار الأميركي في المنطقة. فالقوّات لم تعُد مقاتلة منذ سنوات، ومهمّاتها تقتصر على المشورة والتدريب، ووجودها لوجيستيّ من ضمن مسرح عمليّات يمتدّ إلى سوريا وخريطة الانتشار هناك. علاوة على أنّ سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا وفقدان إيران بشكل كامل لنفوذها هناك باتا نهائيَّين على نحو أضعف بشكل بنيويّ جدارة نفوذها الاستراتيجيّ في العراق.

الأرجح أنّ لقرار الانسحاب حسابات أميركية ترمي إلى تنفيذه بشكل سليم ومدروس وفي توقيت يجنّب القوّات الأميركية فضيحة الانسحاب من أفغانستان عام 2021. لكنّ لذلك القرار أهدافاً ليست بعيدة عن الجدل الدائر مع إيران، الذي تتولّاه الترويكا الأوروبية هذه الأيّام للضغط على طهران للعودة إلى طاولة التفاوض مع واشنطن.

لكنّ أسئلة تدور بشأن معاني ذلك القرار على وجود القوّات الأميركية في سوريا. ولئن تساءل ترامب في الأيّام الأولى لولايته الثانية في البيت الأبيض عن جدوى وجود هذه القوّات في ذلك البلد، غير أنّ ذلك كان قبل أن يسقط نظام الأسد، وقبل أن يزيل ترامب العقوبات عن سوريا، وقبل أن ترفع واشنطن سوريا إلى مصافٍّ متقدّم في سلّم أولويّاتها الاستراتيجيّة في المنطقة والعالم.

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…

بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

لن يترك أيّ تحوّل جذريّ في موقع إيران، سواء أكان ضعفاً أو احتواءً، فراغاً محايداً في الشرق الأوسط، بل سيقود إلى إعادة توزيع الثقل الاستراتيجيّ…

إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “لاءاته الثلاث” الحاسمة بشأن أيّ اتّفاق محتمل مع إيران، بدا المشهد وكأنّه يعود إلى نقطة…

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…