العهد أمام الامتحان: حصر السّلاح أو الحرب

مدة القراءة 8 د

هل تكرّس جلسة مجلس الوزراء اليوم الثلاثاء ما قاله المبعوث الرئاسي الأميركي توم بارّاك عشية مغادرته لبنان في زيارته الأخيرة “لقد أضاع لبنان فرصته الذهبية”، أم أن معجزة حكومية تتحقق في زمن انقطعت فيه المعجزات؟

 

فرصة سحب البساط من تحت العدوّ الإسرائيلي قد حانت، عبر ضرورة سحب الذرائع من أمامه، وعلى رأسها سلاح “الحزب” الذي أثبت عدم جدواه في المواجهة، وقد يكون الأوان قد حان لإعطاء الجيش والدولة والقانون الدولي فرصتهم، والأكيد أنّها ستكون أقلّ تكلفة على لبنان واللبنانيّين من كلّ الطوائف وعلى رأسهم أهل الجنوب.

زمن الكلام تخطّاه الزّمن

في السابق، كان المطلوب “موقفاً” من الدولة اللبنانية متمايزاً عن موقف “الحزب” الذي عمل على تحويل لبنان إلى جزيرة متقطّعة الأوصال عن محيطه العربي والمجتمع الدولي، من خلال نشاط عسكري وأمنيّ عبر خلايا تنشط عربيّاً ودوليّاً وصواريخ ودعم عسكري ومشاركة في حروب لا دخل للبنان بها. وترافقت مع هجمات كلاميّة تصدح في الشاشات حتّى على لسان الأمين العامّ لـ”الحزب” الراحل السيّد حسن نصرالله، إضافة إلى أبواق إعلامية تهاجم الخليج والأشقّاء العرب. عندها كان المطلوب موقفاً من الدولة يستنكر أو يشجب، ولم يحصل ذلك. لم تتمايز مواقف الدولة عن سياسة “الحزب” وأجندة إيران بل سكتت وتمايزت عن المحيط العربي.

ليس المطلوب من مجلس الوزراء اتّخاذ قرار بجمع السلاح، لأنّ البيان الوزاري الذي نال ثقة مجلس النواب ينصّ على “جمع السلاح”

انتهى هذا الزمن، وخطابات الرئيس اللبناني الحالي جوزف عون ورئيس الحكومة اللبناني نوّاف سلام كانت مطلوبة في الزمن السابق، حين كان العالم ينتظر “تمايز” الدولة عن “الحزب” وأجندته الإيرانية. أمّا الآن، وقد قالها أكثر من مصدر عربي وأميركي في حديث لـ”أساس”، فإنّ المطلوب أبعد من خطابات “قويّة”، بل تنفيذ سريع لجمع سلاح “الحزب” من قبل الدولة اللبنانية. وتذهب مصادر أميركية إلى الحديث عن “فرصة ذهبيّة” قد يكون خسرها لبنان باستبداله الـ Momentum بخطابات ووعود لم يتحقّق منها أيّ شيء عندما كانت إيران في أضعف موقع غداة حرب الـ12 يوماً، وها هي اليوم قد عادت لتربط سلاح “الحزب” بطاولة المفاوضات مع واشنطن.

اعتادت طهران ربط أذرعها بمفاوضاتها، وقد أتاحت سياسة الرئيس الأسبق باراك أوباما لها أن تتمادى مقابل “إنجاح الاتّفاق النووي” الذي ولَّدَ عدّة كوارث لاحقة، حين سكتت الإدارة الديمقراطية آنذاك عن إيصال الحرس الثوري الإيراني الصواريخ والمسيّرات وكلّ أنواع الأسلحة إلى “الحزب” في لبنان والتوسّع في المنطقة واحتلال ما سُمّي بـ”العواصم الأربع”.

شعار “إقليميّة السّلاح” لحماية السّلاح

إكمالاً وإمعاناً في إطلاق يد إيران في الجوار الإقليمي، لا سيما في سوريا ولبنان، انتُخب عام 2016 ميشال عون رئيساً للجمهورية تحت غطاء أميركي – إيراني، وتحت شعار “التوافق الدولي”.

الحرب

طوال عهد ميشال عون الذي شهد إطباق “الحزب” على لبنان، لم يُثِر الرئيس اللبناني آنذاك موضوع سيادة الدولة على كامل أراضيها، ولم ينفّذ اتّفاق الطائف ولا ما نصّ عليه الدستور. لا بل حمى السلاح الخفيف والثقيل والصواريخ البالستية الذكية والمسيّرات، “خارج إطار الدولة”. ولتبرير التصاقه بالاستراتيجية الإيرانية ولحماية “الحزب” بسيطرته على مفاصل الحياة السياسية الداخلية في لبنان، رفع شعار أنّ “الحلّ لسلاح المقاومة هو حلّ إقليمي، لا تقوى السلطة في الداخل عليه”. انقضى عهد ميشال عون وسنواته الستّ العجاف من دون “رغبة” باتّخاذ أيّ موقف أو مسعى جدّي لحصر السلاح بيد الدولة.

ليس المطلوب أيضاً أن يغرق مجلس الوزراء في نقاش “تقنيّ عسكريّ” عقيم في أمور تقنيّة

حصر السّلاح مهمّة لبنانيّة داخليّة

مع زلزال “طوفان الأقصى” وحرب الإسناد التي باشرها “الحزب” التي أدّت إلى هزيمته عسكريّاً، وإلحاق الخراب والدمار بجنوب لبنان على يد الهمجيّة الإسرائيلية، وعدم قدرة أو رغبة طهران بمشاركة أهل غزّة أو “الحزب” في حربهما ضدّ إسرائيل، عوامل أدّت إلى تغيير موازين القوى في المنطقة. اضطرّ “الحزب” مرغماً إلى تأييد انتخاب جوزف عون رئيساً للجمهورية الذي باشر عهده بخطاب قسم تعهّد فيه بشكل صريح وواضح بجمع السلاح وحصره بيد الدولة، واستطرد لاحقاً بأنّ العام الحالي هو عام “حصريّة السلاح”.

قال الرئيس اللبناني في خطاب “يوم الجيش في اليرزة” إنّ “موضوع حصر السلاح ليس أبداً ورقة إقليمية يتمّ تقاذفها على طاولة المفاوضات بين القوى بعيداً عن دور الداخل اللبناني، إنّما هو موضوع داخلي لبناني تعمل السلطة اللبنانية من خلال مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للدفاع وقيادة الجيش على تنفيذ مقرّرات الطائف والنصّ الدستوري وقرارات مجلس الأمن الملزمة للبنان”.

لم يتنصّل رئيس الجمهورية من إلزاميّة دور السلطة في مهمّة حصر السلاح كما كان يجري سابقاً.

ضوابط الرّئيس

يعلم الرئيس جوزف عون تمام العلم الحدود الدستورية لصلاحيّته كما لصلاحيّات مجلس الوزراء مجتمعاً. لذا وضع الخطوط العريضة لاجتماع مجلس الوزراء المقبل يوم الثلاثاء بتوازن دقيق، فلم يستفزّ “الحزب” ولا بيئته، بل تبنّى أغلب هواجس هذه البيئة، لا سيما لناحية وقف الاعتداءات والاغتيالات والتهجير، غير أنّه بالمقابل ولأوّل مرّة يسمّي “الحزب” بالاسم عندما أورد مبدأ جمع السلاح من الجميع ومن “ضمنهم سلاح الحزب”.

قال الرئيس اللبناني في خطاب “يوم الجيش في اليرزة” إنّ “موضوع حصر السلاح ليس أبداً ورقة إقليمية

إيران وورقة سلاح “الحزب”

على الرغم من نتائج حرب الأيّام الـ12 ونتائج ما بعد 13 حزيران، والمكان الذي ابتعدت إليه سوريا الجديدة وانتقالها إلى موقع معادٍ لطهران (لا بل محاربة نفوذها على الأراضي السورية ومنعها من إمداد “الحزب” بالسلاح)، وعلى الرغم من فقدان طهران لأهميّة سلاح “الحزب” إقليميّاً وانتهاء الدور الإقليمي لهذا السلاح، لا تزال تحاول إيران اليوم منع “الحزب” من التجاوب مع مساعي الدولة اللبنانية لحصر السلاح، إذ تعتقد طهران أنّ هذه الورقة “لن تُقدَّم بدون ثمن” على طاولة التفاوض مع الأميركيين. وما دام “الحزب” يؤثر مصلحة طهران فالتسليم لن يتمّ بسلاسة أو بحوار. فلا الدولة اللبنانية ومصالحها من أولويّات طهران ولا لبنان وأهله وأهالي الجنوب أيضاً. إيران مستعدّة للمقامرة، ولحرب إسرائيلية جديدة على لبنان وأهله وعلى “الحزب”، مقابل ورقة تفاوضية لا تزال تمتلكها.

كيف يُجمَع السّلاح إذاً؟

ليس المطلوب من مجلس الوزراء اتّخاذ قرار بجمع السلاح، لأنّ البيان الوزاري الذي نال ثقة مجلس النواب ينصّ على “جمع السلاح”، والقرارات الدولية المتضمّنة لحصر السلاح تنصّ بوضوح على حصر السلاح في كامل لبنان جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً بيد السلطة اللبنانية.

ليس المطلوب أيضاً أن يغرق مجلس الوزراء في نقاش “تقنيّ عسكريّ” عقيم في أمور تقنيّة، بل عليه بكلّ اختصار تبنّي توصيات قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع، فيقرّها ويبلغها إلى الجهات الدولية المعنيّة ولقوّات “اليونيفيل”.

سواء حضر وزراء “الحزب” أو قاطعوا أو انسحبوا من الجلسة، يتعيّن على مجلس الوزراء إقرار الجدول الزمني لجمع السلاح بدءاً من جنوب الليطاني ووصولاً إلى العاصمة بيروت، وأن لا يتعدّى هذا الجدول نهاية العام الحالي.

طوال عهد ميشال عون الذي شهد إطباق “الحزب” على لبنان، لم يُثِر الرئيس اللبناني آنذاك موضوع سيادة الدولة على كامل أراضيها

بالخلاصة، حكومة لبنان التي مدحها رئيس الجمهورية أخيراً تواجه تحدّي تنفيذ قرار جمع السلاح وحصره، وتحدّي التقليل من المخاطر الاجتماعية الناتجة عن هذا التحوّل. انتهى زمن الخطابات والعبرة في التنفيذ. وللتذكير كان خطاب القسم تحت قبّة البرلمان بحضور نوّاب “الحزب”، وكذلك البيان الوزاري الذي تمّ التصويت عليه، ووزراء “الحزب” موجودون بالحكومة التي نصّ بيانها الوزاري على “حصر السلاح بيد الدولة”، وأيّ انقلاب عليه يحوّل “الحزب” إلى “متمرّد”، وأيّ دولة قادرة من واجبها “إنهاء التمرّد”.

إقرأ أيضاً: جولة السّلاح 2: نقاش ولا قرار بـ “جدول زمنيّ”

“العهد الجديد” أمام امتحان الانتقال من الكلام إلى الأفعال، وتبقى العبرة في التنفيذ. هذه المرّة لا العالم سينتظرنا ولا فوهات الدبّابات الإسرائيلية وصواريخ مقاتلات العدوّ ستنتظرنا. وعلى “الحزب” وبيئته اتّخاذ قرار “وطني” للتاريخ، إمّا لبنان وإمّا إيران (التي باعته في حرب الإسناد ومستعدّة لبيعه مجدّداً على طاولة المفاوضات مع الأميركيين)، وإلّا فالحرب مقبلة مجدّداً وقد تكون أفتك من سابقاتها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@BadihYounes

مواضيع ذات صلة

لبنان الغائب منذ غاب رفيق الحريري

سؤال يقتحم مخيّلة اللبنانيّين كلّ سنة، عندما تقترب ذكرى الرابع عشر من شباط: كيف كان سيكون لبنان لو كان الرئيس رفيق الحريري لا يزال على…

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…