لن يتوقّف مشروع التطبيع وإن تبدّلت التسميات والـpackaging الملائم. تختلف مواسم التطبيع بين حقبة وأخرى وكذلك وظائفه، إلّا أنّ إسرائيل لن تتخلّى عنه أداة ضغط ونفوذ متاح. هذا مع العلم أنّه في معاهدات السلام بين إسرائيل ودول عربية، القديمة منها والجديدة، انحصر التطبيع بالدولة وانفصل عن المجتمع. وهذه بالذات وظيفة التطبيع مع أيّ نظام حكم في الحسابات الإسرائيلية، وليست بالضرورة نسخة طبق الأصل عن سياسة واشنطن ومواقف الدول العربية المعنيّة ومصالحها الذاتية والإقليمية.
لمشروع التطبيع مراحل ثلاث:
- مرحلة أولى بدأت مع مسار إنهاء النزاع العربي- الإسرائيلي بعد اتّفاق أوسلو في 1993. ولم يكن ثمّة حاجة آنذاك إلى استحضار التسميات النبويّة بغرض الجذب أو التمويه. هذا كان زمن ياسر عرفات وإسحاق رابين. وعلى الرغم من أنّ الكلام الإسرائيلي المعلن لم يشِر إلى الدولة الفلسطينية، كانت مضمرة ومتوقّعةً في نهاية المطاف الذي تناول مندرجاته شيمون بيريز في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” في 1994. لكن بعد اغتيال رابين على يد شابّ إسرائيلي من بيئة المستوطنين المتطرّفين ووصول نتنياهو إلى السلطة في 1996 انتقل الموقف الإسرائيلي من معادلة الأرض مقابل السلام، استناداً إلى قرار مجلس الأمن 242، إلى السلام مقابل السلام.
- مرحلة ثانية بدأت مع الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، وحصل التطبيع مع عدد من الدول العربية، وكانت لكلّ دولة حسابات وظروف عكستها تلك المرحلة. زمن آخر كان أنتج صفقات التطبيع، ولم يعد قائماً اليوم لاعتبارات جمّة.
- المرحلة الراهنة جاءت بعد حرب غزّة والتبدّل في مواقف الدول العربية، سواء تلك التي سارت بالتطبيع أو التي ظلّت خارجه، والتبدّل في مقاربة ترامب التي باتت أكثر واقعية، لا سيما بعد زيارته الأخيرة للسعوديّة ودول الخليج وما رافقها من اتّفاقات اقتصادية وازنة. في المقابل، رهانات بنيامين نتنياهو ظلّت على حالها، أي سلام مقابل سلام، تحت مسمّى الاتّفاقات الإبراهيمية. بكلام آخر، إنهاء النزاع مع الفلسطينيين بالقوّة العسكرية ومع العرب بالقوّة السياسية.
العرض الإسرائيلي المفخّخ مرفوض ليس فقط من الفلسطينيين بل من العرب، ومن بينهم مصر والأردن المرتبطتان بمعاهدتَي سلام مع إسرائيل
المصيبة تجمع والأهداف تفرّق
إلّا أنّ العرض الإسرائيلي المفخّخ مرفوض ليس فقط من الفلسطينيين بل من العرب، ومن بينهم مصر والأردن المرتبطتان بمعاهدتَي سلام مع إسرائيل. من جهة أخرى، شروط نتنياهو، وإن كانت مقبولة أميركياً بالنسبة إلى فلسطين، فإنّها غير متطابقة مع سياسة أميركا تجاه العرب. أمّا بخصوص إيران فالمصيبة تجمع بين أميركا وإسرائيل والأهداف تفرّق: واشنطن لا تعارض تطبيع علاقاتها مع إيران غير النووية، بينما إسرائيل تسعى إلى إسقاط إيران الدولة والنظام بأيّ وسيلة.
غاية سلام نتنياهو الإبراهيميّ الإجهاز على القضيّة الفلسطينية وحلّ الدولتين والحرب مع إيران وسواها، على الرغم من زعمه أنّ ما تفعله إسرائيل يخدم مصالح أميركا. والواقع أنّ مصالح واشنطن في المنطقة باتت أكثر تنوّعاً وخصوصيّة ممّا كانت عليه، نظراً لما استجدّ من تطوّرات، لا سيما منها في سوريا.
في المسألة السوريّة، الأولوية هي “للتطبيع” في الداخل بين الدولة والمجتمع ومع الخارج بين دمشق وأنقرة، وتحديداً في ما يخصّ المناطق الكردية المتاخمة لتركيا. ولأميركا أيضاً مصالح في سوريا المعادية لإيران. أمّا إسرائيل فمصالحها تكمن بتقويض الاستقرار وتأجيج الانقسامات الداخلية والسيطرة على الجولان ومحيطه. وهذا لا يتطابق مع أولويّات واشنطن التي تعتبر أنّ انتظام الأوضاع في سوريا يشكّل مدخلاً لاستقرار المنطقة.
المراد أميركيّاً في سوريا ليس التطبيع بالمعنى الإسرائيلي بل ترتيبات أمنيّة ثابتة. أمّا تركيا فطموحاتها تتجاوز سوريا الدولة لتصل إلى الأكراد في سياق خصومة تاريخية معهم داخل تركيا وفي محيطها. هكذا يواجه الحكم الجديد في سوريا سلسلة تحدّيات داخلية وخارجية، والعمل جارٍ على تذليلها بدعم دولي وعربي. إلّا أنّ الاستقرار ليس على الأبواب والمتضرّرون منه كثر، لا سيما إيران وإسرائيل لأسباب متباينة.
غاية سلام نتنياهو الإبراهيميّ الإجهاز على القضيّة الفلسطينية وحلّ الدولتين والحرب مع إيران وسواها، على الرغم من زعمه أنّ ما تفعله إسرائيل يخدم مصالح أميركا
تبدّل دور لبنان
تبقى الإشارة إلى لبنان حيث إنّ الموقف الرافض للتطبيع يتشارك فيه معظم اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم، وفي المقابل لكلّ طرف خارجي أجندته وأولويّاته. يتحرّك الجميع دعماً لمصالحه، بينما الدولة في لبنان تراوح في مرحلة ما قبل حرب العامين الماضيين.
تبدّل دور لبنان في النزاع العربي – الإسرائيلي، وبعد أكثر من نصف قرن لم تعد المواجهات مجدية داخلياً وخارجياً مثلما كانت في الماضي. وبين الدولة المسؤولة والساحة المستباحة، على لبنان أن يختار ليتجنّب الأسوأ، وتحديداً الحرب والاحتلال، وهذه المرّة بتفهّم دولي، خلافاً لما جرى سابقاً في حرب 2006 أو زمن تفاهم نيسان 1996. القطار سائر في دربه ولبنان محطّة تفقد وظائفها المعهودة ما دامت الفجوة قائمة بين لبنان الرسمي والأطراف الدولية.
إقرأ أيضاً: الدّولة الفلسطينيّة… والتباس الموقف الأميركيّ
أمّا الاستفاضة الأميركية التي عكسها كلام الموفد الرئاسي توم بارّاك فمتواصلة إلى حدّ الخلط، المقصود أو غير المقصود، بين التاريخ والجغرافيا والأيديولوجية. اتّفاق سايكس- بيكو الذي وُقّع أثناء الحرب العالمية الأولى في 1916، لم ينشئ دولاً بل مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا، وأعيد النظر بمضامينها بعد انتهاء الحرب وانتصار الحلفاء. أمّا بلاد الشام فمصطلح جغرافي منذ أزمنة الماضي، وهو غير مرتبط بكيانات الدول القائمة، ومنها لبنان وسوريا والأردن والعراق، التي نشأت في العشرينيات بدعم فرنسي أو بريطاني بعد انتهاء الحرب الكونية.
* كاتب وسفير سابق.
