الخطر الدّيمغرافيّ على يهوديّة إسرائيل (1/5)

مدة القراءة 7 د

يمثّل الوجود المتزايد للسكّان غير اليهود في إسرائيل، الذين يشكّلون حاليّاً ما يقارب نصف عدد السكّان أو أقلّ بقليل، تحدّياً ديمغرافيّاً كبيراً للهويّة اليهوديّة للدولة. إذ تشير الدراسات إلى أنّ معدّلات الزيادة الطبيعية لدى السكّان الفلسطينيّين في إسرائيل والمناطق الفلسطينية أعلى من معدّلات الزيادة لدى اليهود. وهذا يعني أنّ نسبة السكّان غير اليهود ستستمرّ في الارتفاع بمرور الوقت إذا استمرّت الاتّجاهات الحاليّة.

 

في حين تعتمد إسرائيل على هجرة اليهود لزيادة عدد سكّانها اليهود، قد لا تكون هذه الهجرة كافية لمواكبة النموّ السكاني لدى السكّان غير اليهود، خاصّة مع وجود ظاهرة الهجرة العكسيّة لبعض الإسرائيليّين إلى الخارج. إلى ذلك ليس بالضرورة جزءٌ من المهاجرين الجدد إلى إسرائيل بموجب “قانون العودة” يهوداً دينيّاً.

لأجل ذلك، مع تزايد عدد السكّان غير اليهود، قد تواجه إسرائيل تحدّياً في الحفاظ على طابعها اليهودي من حيث اللغة والثقافة والعادات والتقاليد والقوانين المستندة إلى الشريعة اليهودية التي يفضّلها بعض المتديّنين. ولمّا كانت إسرائيل تعتبر نفسها دولة يهودية وديمقراطية، فقد يزداد الضغط على النظام الديمقراطي في إسرائيل مع تزايد نسبة السكّان غير اليهود، وخاصّة الفلسطينيّين الذين يطالبون بالمساواة الكاملة وبحقوقهم الوطنية، وقد تظهر تساؤلات عن كيفيّة التوفيق بين هذه الأغلبيّة اليهودية المتناقصة تدريجاً وبين مبدأ “دولة جميع مواطنيها”.

مع زيادة نسبة السكّان غير اليهود، وخاصّة الفلسطينيّين داخل إسرائيل، قد تزداد قوّتهم السياسية والتمثيليّة في الكنيست والمؤسّسات المحليّة، وهو ما قد يؤثّر على القرارات المتعلّقة بهويّة الدولة وسياساتها. يمكن أن يؤدّي التغيير في التركيبة الديمغرافيّة إلى زيادة التوتّرات الاجتماعية والثقافية بين المجموعات السكّانية المختلفة، خاصّة إذا لم يتمّ التعامل مع التحدّيات المتعلّقة بالهويّة والمساواة بشكل فعّال.

يتمثّل “الخطر الديمغرافي” بالنسبة لإسرائيل في احتمالية فقدان الأغلبية اليهودية الذي قد يهدّد الركيزة الأساسية لتعريف الدولة بأنّها يهوديّة

على هذا الأساس، ترى بعض الدوائر الإسرائيلية أنّ النموّ السكّاني الفلسطينيّ في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، بالإضافة إلى الفلسطينيين داخل إسرائيل، يشكّل خطراً وجوديّاً على “يهوديّة الدولة” في السياق الأوسع لما يعتبرونه “أرض إسرائيل التاريخية”. وهذا يدفع معظم قادة إسرائيل إلى ضمّ أجزاء من الأراضي الفلسطينية مع محاولة استبعاد السكّان الفلسطينيّين منها، أو دعم خطط تهجير قسريّ مدفوع بظروف أمنيّة ومعيشية متزايدة تواجه الفلسطينيّين.

الخطر في فقدان الأغلبيّة اليهوديّة

باختصار، يتمثّل “الخطر الديمغرافي” بالنسبة لإسرائيل في احتمالية فقدان الأغلبية اليهودية الذي قد يهدّد الركيزة الأساسية لتعريف الدولة بأنّها يهوديّة ويطرح تحدّيات عميقة أمام هويّتها وطبيعة نظامها السياسي. من هنا، فإنّ مشروع بنيامين نتنياهو والمتطرّفين في إسرائيل هو وضع خطط لتهجير الفلسطينيّين من غزّة والضفّة الغربية وحتّى عرب 1948. ليس هذا الحديث نظريّات هامشيّة وحسب، بل هو جزء من فكر ومخطّطات تتبنّاها أطراف اليمين في إسرائيل، ولا يبدو أنّ باقي المجتمع اليهودي في إسرائيل يعارضها. ظهرت تصريحات من مسؤولين حكوميّين في هذا الصدد، وإن كانت إسرائيل تنفي رسميّاً تبنّيها لخطط تهجير قسريّ.

تستند هذه الخطط إلى عدّة وسائل: التهجير “الطوعي” المقنّع. فبعد فشل محاولات التهجير القسري الصريح برفض مصر استقبال اللاجئين من غزّة، تحوّل الخطاب إلى “التهجير الطوعي”. يستند هذا المفهوم إلى خلق ظروف معيشية لا تُطاق في غزّة مثل دمار البنية التحتية، حصار، صعوبة إعادة الإعمار وغياب فرص الحياة الكريمة، فيندفع السكّان نحو الهجرة إلى دول أخرى.

، ترى بعض الدوائر الإسرائيلية أنّ النموّ السكّاني الفلسطينيّ في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، بالإضافة إلى الفلسطينيين داخل إسرائيل، يشكّل خطراً وجوديّاً على “يهوديّة الدولة”

يزيد من ذلك الحصارُ الشديد وتدمير المنازل والبنية التحتية وقطع المساعدات أو تقليصها التي ستدفع الناس إلى اليأس والهجرة، عاجلاً أم آجلاً. وهنا، بدأت تطفو إلى السطح أحاديث عن البحث عن دول في العالم مستعدّة لاستقبال الفلسطينيّين من غزّة، وتقديم حوافز لهم للهجرة. وقد طُرحت أفكار عن دول في إفريقيا أو أميركا اللاتينية. وأشار بعض المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم نتنياهو، إلى “خطّة ترامب” التي تتضمّن الاستيلاء على غزّة بعد تهجير الفلسطينيّين منها، وإن كان ترامب نفسه قد تحدّث عن “تهجير طوعيّ” أيضاً.

السّيطرة الأمنيّة على غزّة والضّفّة

تتضمّن رؤية نتنياهو لما بعد الحرب في غزّة السيطرة الأمنيّة الإسرائيلية الكاملة على القطاع ونزع السلاح والقضاء على التطرّف، من دون وجود حكم فلسطيني ذي سيادة. وهذا يعني أنّ إسرائيل ستحتفظ بالقدرة على فرض ظروف معيشية معيّنة. هذا وتدعو بعض الأطراف اليمينية المتطرّفة، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير، إلى إعادة الاستيطان في غزّة بعد تهجير سكّانها، مدّعين أنّ “الاستيطان يجلب الأمن”.

لكنّ هذا الأمر لا يقتصر على غزّة بل يتمدّد إلى الضفّة الغربية، وإن بأسلوب مختلف أمنيّاً. فهناك يصبح التوسّع الاستيطاني الأداة الرئيسية للسيطرة على الأرض وتقطيع الأوصال الجغرافية بين التجمّعات الفلسطينية، وهو ما يجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلّة أمراً شبه مستحيل. كما أنّ هدم المنازل والمرافق، بحجّة عدم الترخيص أو بحكم الوجود في مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة بموجب اتّفاق أوسلو، يجبر الكثيرين من الفلسطينيين على النزوح. فوق ذلك تُصادر الأراضي الفلسطينية لأغراض أمنيّة أو استيطانيّة، فتقلّ المساحة المتاحة للفلسطينيّين.

تعتمد إسرائيل على هجرة اليهود لزيادة عدد سكّانها اليهود، قد لا تكون هذه الهجرة كافية لمواكبة النموّ السكاني لدى السكّان غير اليهود

قيود على الحركة والتّنقّل

تتمثّل السياسات الأخرى بفرض قيود مشدّدة على الحركة والتنقّل بين المدن والقرى الفلسطينية، لإعاقة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. يضاف إلى ذلك قمع أيّ شكل من أشكال المقاومة أو الوجود الفلسطيني على الأرض. وتتضمّن رؤية وزير المالية بتسلئيل سموتريتش لـ”إدارة الصراع” في الضفّة الغربية تقسيمها إلى مناطق تحكمها إدارات مدنية منفصلة، مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنيّة الكاملة، وتفكيك السلطة الفلسطينية، لتهيئة الظروف للسيطرة الكاملة وتضييق الخناق على الفلسطينيين.

أمّا بالنسبة إلى عرب 1948، “فلسطينيّي الداخل”، فلا يوجد حديث صريح عن تهجير قسري لأنّهم يحملون الجنسية الإسرائيلية. ومع ذلك، هناك سياسات تهدف إلى إضعاف وجودهم وتأثيرهم الديمغرافي والسياسي. يظهر ذلك في التمييز المنهجي عبر قوانين وسياسات تمييزية في مجالات الأرض، الإسكان، التوظيف، الميزانيّات والتخطيط الحضريّ، تؤثّر على جودة حياتهم وفرصهم. فقانون القومية، الذي يعرّف إسرائيل بأنّها “الدولة القومية للشعب اليهودي”، يعتبره الكثيرون قانوناً تمييزيّاً يقلّل من مكانة المواطنين غير اليهود. ويزيد على ذلك تضييق الخناق على التوسّع العمراني للبلدات والقرى العربية، فتكتظّ بالسكّان ولا تعود البنية التحتية كافية. وتشير بعض الوثائق التاريخية إلى أفكار إسرائيلية سابقة عن “الهجرة الصامتة” للعرب، من خلال خلق ظروف تدفعهم للمغادرة دون تدخّل إسرائيلي مباشر وعلنيّ.

إقرأ أيضاً: إسرائيل: أزمة هوية ومصير..

مع أنّ هذه الخطط تثير إدانات دوليّة واسعة وتُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي، الذي يحظر التهجير القسري للسكّان،  إلّا أنّ الأطراف اليمينية المتطرّفة في إسرائيل لا تعير اهتماماً كبيراً لهذه الإدانات، وتعمل على تحقيق أهدافها من خلال سياسات تدريجية و”مقنّعة” في كثير من الأحيان.

 

غداً في الحلقة الثانية: هجوم “حماس” ودورها في إتاحة الفرص أمام نتنياهو.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@allouchmustafa1

مواضيع ذات صلة

إيران… قبل خامنئي وبعده

كان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حدثاً يفوق الهزّة التي أحدثها مقتل حسن نصرالله. من هو خامنئي؟ لماذا أقدموا على قتله وتتبّع كلّ القيادة الإيرانيّة…

عقيدة نتنياهو– ترامب لحسم الصّراع: الرّأس أوّلاً

في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، يتقدّم إلى الواجهة سؤال لم يعد نظريّاً: ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح…

دولة الملالي: التّخصيب في الحقد على العرب

من المؤكّد أنّ نظام الملالي في طهران بذل جهده الأكبر في تخصيب الحقد والكراهية تجاه العرب بكلّ كياناتهم السياسيّة والجغرافيّة، وحواضرهم الضاربة في عمق التاريخ…

لبنان ضحيّة الصّراع على وراثة خامنئي؟

في لبنان كما في إيران مَن يستبق المحاولة الأميركيّة – الإسرائيليّة لتغيير النظام في طهران، سواء جاء من داخله أو من خارجه. تأتي في هذا…