إيران الواثقة من الاتّفاق النووّي تُشيع الودّ العربي..

مدة القراءة 6 د

تستعدّ إيران مسبقاً للتموضع وفق اتّفاق تراه حتميّاً مع الولايات المتّحدة. تكفي مراقبة جولات وزير الخارجية الإيراني عبّاس عراقجي (زيارتا القاهرة وبيروت مثالان) لاستنتاج سعي طهران إلى التعبير عن تحسّن كبير هبط فجأة على سلوكها (ما دام السلوك هو المطلوب في أدبيّات واشنطن) يقطع مع زمن الغطرسة والزعم بالهيمنة والوعد الدائم بالثورة. واللافت أنّ مواقف الوزير الودودة مع دول المنطقة لا تنقضها أيّ تصريحات وازنة تصدر عن كبار قادة البلد، لا سيما المرشد علي خامنئي.

 

تستند إيران في تموضعها الجديد إلى قرار اتّخذه رأس الدولة في مؤسّستَي رئاسة الجمهورية وولاية الفقيه بكسر حرمة التفاوض التي كاد خامنئي أن يعود إليها مع واشنطن، وخصوصاً إذا ما كان دونالد ترامب رئيساً لإدارتها. تستند أيضاً إلى أعراضٍ ما فتئت تدفع واشنطن بها على الرغم من مواقف “صفر تخصيب” التي يطلقها وزير الخارجية ماركو روبيو وكرّرها أخيراً بحزم الرئيس ترامب ويستعيدها بركاكة المفاوض الأميركي “اللطيف” ستيف ويتكوف.

يدور الجدل بسخط ظاهر حول ما تجده طهران حقّاً لها في تخصيب اليورانيوم وما تتذبذب به واشنطن من مواقف بين اعتباره محرّماً وضغط نِسبه ليكون في حدود هامشية تبعد البرنامج النووي الإيراني من إنتاج القنبلة النووية. تتحدّث طهران عن السيادة في هذا الصدد، لكنّها للمفارقة تشكو للأميركيّين ما أنفقته من مليارات لبناء برنامجها وتكديس أجهزة الطرد. ظهر من تلك الشكوى ما يمكن أن يكون مادّة للتفاوض بحيث يختفي الجانب “الأسود” من البرنامج مقابل تعويضات مالية عن استثمارات قد تخسرها.

أصغت واشنطن. “اكتشفت” فكرة الكونسورتيوم الذي يخصّب اليورانيوم ويزوّد إيران به وقوداً لبرنامجها

تخصيب أم لا تخصيب؟

ما زالت واشنطن، حتّى في الاقتراح الجديد الذي قُدّم لطهران عبر مسقَط، تناقش وقف التخصيب. كان ويتكوف قبل أشهر أظهر ليونة بالتلميح إلى إمكان القبول بتخصيب بنسبة تشبه تلك التي اعتمدت في نصّ اتّفاق عام 2015 في عهد الرئيس الأسبق، غير العزيز على قلب ترامب، باراك أوباما. ثمّ أظهر “اللطيف” وجهاً شرساً غير مقنّع بالإعلان أنّ من غير المسموح التخصيب ولو بنسبة واحد في المئة.

إيران

كان “اتّفاق فيينا” فرض على الإيرانيين نسبة لا تتجاوز 3.67 في المئة. انسحب ترامب الغاضب من ذلك الاتّفاق عام 2018، فوصلت نسبة التخصيب التي حقّقتها إيران علناً إلى 60 في المئة، علاوة على شكوى أعلنتها الوكالة الدولية للطاقة الذرّية بسبب العثور على آثار لتخصيب بنسبة 83 في المئة رفضت إيران إعطاء تفسير منطقي مقنع لأسبابها.

الأرجح أنّ طهران تركت للمفتّشين الأمميّين أن يكتشفوا تلك الآثار وزعمت التلعثم لتبريرها. تودّ طهران إبلاغ من يهمّه الأمر أنّها باتت تملك القدرة العلميّة والعملانيّة للتخصيب “الحرام”، أي بنسبة 90 في المئة، التي يحتاج إليها إنتاج سلاح الدمار الشامل. ولئن يعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ البرنامج النووي بات خطيراً ويجب تفكيكه على منوال نموذج ليبيا عام 2003، فذلك أنّه لم يعد يؤمن بضبط مستوى التخصيب والضمانات الأميركية، ويرى أنّه ما دام لإيران برنامج فستمتلك القنبلة ولو بعد حين.

ما زالت واشنطن، حتّى في الاقتراح الجديد الذي قُدّم لطهران عبر مسقَط، تناقش وقف التخصيب

تقييد البرنامج لا قتله

لا تنسى طهران أنّه بعد 8 سنوات من ارتكاب معمّر القذّافي “حماقة” تفكيك البرنامج النووي، سقط نظامه عام 2011 وقُتل بقرار دولي. والواضح أنّ إيران لن ترتكب هذه “الحماقة”، ولا فطنة في الذهاب إلى حرب كبرى، وستقبل على طاولة المفاوضات حصار البرنامج بقيود لا تدفنه. في المقابل تمنح حيرة إدارة ترامب في التعامل مع هذا الملفّ طهران هامش مناورة يراوح بين أقصى العناد والمرونة المفاجئة. حتّى لو لم تبدِ قيادات الجمهورية الإسلامية تراجعاً، وخرج المرشد مطلقاً بين الفينة والأخرى “صليات” من مواقف ثورية باتت متقادمة ولا تشبه هذا الزمن، فإنّ في إيران نفسها من يلوّح بأفكار خلّاقة تنادي بطريق ثالث قد يكون التحالف الإقليمي لتخصيب اليورانيوم أحد نماذجه.

 

أصغت واشنطن. “اكتشفت” فكرة الكونسورتيوم الذي يخصّب اليورانيوم ويزوّد إيران به وقوداً لبرنامجها. ادّعت طهران أيضاً “اكتشاف” الفكرة واستحسانها، لكنّها طالبت، وهنا بيت البازار، أن يكون مركز ذلك الكونسورتيوم ورشة داخل الأراضي الإيرانية. وفي تمارين العدم تلك، اقترح الأميركيون أن تتوقّف إيران نهائياً عن التخصيب مقابل أن يردَ في نصّ ما، في فقرة ما، أنّ لإيران الحقّ في التخصيب بحيث يكون حقّاً مكتسباً معترفاً به مع وقف التنفيذ.

تستعدّ إيران مسبقاً للتموضع وفق اتّفاق تراه حتميّاً مع الولايات المتّحدة

حرب الكلمات

قد تستنتج طهران أنّها دخلت مع واشنطن في “حرب كلمات”. وما دامت الأبجديّة مطّاطة حمّالة أوجه قابلة للتفسير والتأويل، فإنّ إيران ذاهبة إلى اتّفاق مع إدارة ترامب. ومن يراقب مليّاً النقاط والتفاصيل يمكنه ملاحظة أنّ إيران تركّز على بند وقف العقوبات والإفراج عن ودائعها في الخارج، وترى في ذلك مكسباً استراتيجيّاً كبيراً، فيما تنشط الولايات المتحدة على تسجيل نصر ضدّ التخصيب يكون مكسباً لترامب يبرّر “خطيئة” خروجه من اتّفاق عام 2015. يعوّل نتنياهو على فشل المفاوضات ويلوّح سلفاً بالإعداد لحربه ضدّ “القنبلة”. ويعوّل ترامب العائد من جولة خليجية على “صفقة” تجنّبه وتجنّب المنطقة حرباً لا نتائج مأمونة لها.

إقرأ أيضاً: مفاوضات النّوويّ على مفترق… الاتّفاق المؤقّت..

يتنقّل عراقجي بين عواصم المنطقة. قبل بيروت زار القاهرة ويشيد دائماً بالعلاقة الممتازة مع الرياض. يرافع متظلّماً عن حقّ بلاده في التخصيب (ولو بالقليل القليل). ويكاد يُقسم إنّ بلاده تغيّرت وإنّها، منذ وعدت “الشيطان الأكبر” باستثمارات “تريليونية” داخل الجمهورية الإسلامية، باتت تمدّ جسور الوصل مع الجوار وتؤمن بالعلاقة من دولة إلى دولة على حساب بدعة الميليشيات. حتّى إنّه حين همس في بيروت في أذن قادة “الحزب” بكلمة السّرّ، أرسل “الحزب” في اليوم التالي وفداً “فاقعاً من الضحك” إلى “السراي” لترميم تصدّع علاقته مع رئيس الحكومة نوّاف سلام وإقناعنا أنّ إيران تغيّرت.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

إيران… قبل خامنئي وبعده

كان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حدثاً يفوق الهزّة التي أحدثها مقتل حسن نصرالله. من هو خامنئي؟ لماذا أقدموا على قتله وتتبّع كلّ القيادة الإيرانيّة…

عقيدة نتنياهو– ترامب لحسم الصّراع: الرّأس أوّلاً

في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، يتقدّم إلى الواجهة سؤال لم يعد نظريّاً: ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح…

دولة الملالي: التّخصيب في الحقد على العرب

من المؤكّد أنّ نظام الملالي في طهران بذل جهده الأكبر في تخصيب الحقد والكراهية تجاه العرب بكلّ كياناتهم السياسيّة والجغرافيّة، وحواضرهم الضاربة في عمق التاريخ…

لبنان ضحيّة الصّراع على وراثة خامنئي؟

في لبنان كما في إيران مَن يستبق المحاولة الأميركيّة – الإسرائيليّة لتغيير النظام في طهران، سواء جاء من داخله أو من خارجه. تأتي في هذا…