فشل تجنيد “الحريديم”: عنق الحكومة بيدهم

مدة القراءة 6 د

لن يُفرّط المجتمع الحريديّ في إسرائيل بامتيازاته المتمثّلة بإعفاء أبنائه من التجنيد في الجيش، وبموازنات ماليّة ضخمة للمعاهد والمدارس الدينية لتدريس التوراة. وعلى الرغم من أزمة التجنيد في الجيش الإسرائيلي، وحاجته إلى قوى بشريّة تناهز 12 ألف جندي، بسبب الحرب على قطاع غزّة، واستنزاف قوّات الاحتياط بعد 18 شهراً من القتال، تبدو حكومة بنيامين نتنياهو عاجزة حتّى الآن عن تجنيد “الحريديم”، بسبب إمساك الأحزاب الدينية بـ”عنق” نتنياهو، كما يقال، نظراً لقدرتهم على تفكيك الحكومة، والذهاب إلى انتخابات مبكرة.

 

 

تعهّد نتنياهو خلال جلسة مغلقة في الكنيست في 11 أيّار بتجنيد 10,500 من المتديّنين اليهود بالجيش خلال عامين، وأعقب ذلك إعلان لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست الدخول في مراحل صياغة نهائية لقانون التجنيد، وهو ما أثار غضب الأحزاب الحريديّة. وشرعت الشرطة العسكرية الإسرائيلية في 13 أيّار في حملة اعتقالات استهدفت المتخلّفين عن المثول لأوامر التجنيد الصادرة بحقّهم، تنفيذاً لقرار رئيس هيئة الأركان أيال زامير بحسب صحيفة “معاريف”، وهي خطوة حظيت بدعم من أحزاب المعارضة الإسرائيلية.

قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إنّ التنفيذ يأتي بسبب نقص القوى البشرية واستمرار القتال، ولذا يعتزم الجيش تطبيق الأوامر والعقوبات بشكل صارم ضدّ الذين لا يمتثلون لها، سواء في المجتمع الحريديّ أو وسط جنود الاحتياط.

لن يُفرّط المجتمع الحريديّ في إسرائيل بامتيازاته المتمثّلة بإعفاء أبنائه من التجنيد في الجيش، وبموازنات ماليّة ضخمة للمعاهد والمدارس الدينية لتدريس التوراة

تهديد الأحزاب الحريديّة

قوبلت تلك الخطوة بتهديد مسؤول رفيع في الأحزاب الحريديّة عبر صحيفة “معاريف” بإسقاط الحكومة، قائلاً: “إذا كانت هناك حملة اعتقالات مكثّفة، خصوصاً إذا استهدفت المجتمع الحريديّ دون سواه، فستكون الحكومة في ورطة حقيقية”. وقال مسؤول آخر في الأحزاب الحريدية للصحيفة: “إذا تمّ اعتقال طلّاب المعاهد الدينية، فلن تبقى هناك حكومة ائتلافية”، مضيفاً “التوجيه الواضح من كبار الحاخامات هو: من اللحظة التي يتمّ فيها الإبلاغ عن اعتقال أوّل طالب، وحتّى إرسال رسائل الانسحاب من الحكومة، لن تمرّ سوى ساعات قليلة”.

يبدو أنّ تهديد الأحزاب الحريديّة للائتلاف الحاكم قد حقّق نتائجه، إذ لم تمرّ ساعات حتّى نقل الإعلام الإسرائيلي مساء 13 أيّار عن الأحزاب الحريدية قولها: “نفّذت الشرطة “بالون اختبار” من خلال حملة تطبيق القانون ضدّ المتخلّفين عن الخدمة العسكرية”، لكنّ “الأزمة أصبحت خلفنا”، في إشارة إلى احتواء الموقف. وقالوا: “أرادوا أن يروا كيف ستكون ردود فعلنا، وماذا سيحدث، ونرى الآن أنّ الأمر انتهى بلا نتائج فعليّة، ولم يُعتقل أحد”. وذكرت صحيفة “معاريف” أنّ المسؤولين الأمنيّين أوضحوا لمسؤولي الائتلاف الحاكم أنّه لن يتمّ اعتقال الشبّان الحريديم، وبالتالي هدأت العاصفة.

تزداد حاجة الجيش الإسرائيلي إلى القوّة البشرية حسب ما يؤكّده الضبّاط والجنرالات، خاصّة في ظلّ استعداده لتوسيع الحرب في غزّة، والبدء بعملية “عربات جدعون” البرّية الهادفة لاحتلال قطاع غزّة والبقاء فيه. لكنّ تلك الرغبة والحاجة تصطدمان بعزوف مئات الضبّاط والجنود الاحتياط عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، وقال موقع “زمان يسرائيل” الإسرائيلي في 14 أيّار إنّ موجة الرفض هذه بدأت بمبادرة فردية ثمّ اتّسعت فشملت أكثر من 300 جندي من قوّات الاحتياط، فيما يُقدَّر أنّ الأعداد الفعليّة أكبر من ذلك بكثير.

تزداد حاجة الجيش الإسرائيلي إلى القوّة البشرية حسب ما يؤكّده الضبّاط والجنرالات، خاصّة في ظلّ استعداده لتوسيع الحرب في غزّة

أزمة في الصّفوف النّظاميّة

لا يقتصر الأمر على الاحتياط، إذ تسود أزمة في صفوف القوّات النظامية منذ نهاية نيسان، على خلفيّة تطبيق “الأمر 77″، الذي يقضي بتمديد خدمتهم لمدّة 4 أشهر إضافية بعد انتهاء فترة تجنيدهم، حيث وصفت صحيفة “يديعوت” القرار بـ”القنبلة الموقوتة”، بسبب شعور الجنود بالإنهاك والاستغلال وفقدان الثقة بقيادة الدولة والجيش. ونقلت الصحيفة عن ضابط بارز قوله: “المعنويّات في الحضيض… المقاتلون يسعون للهرب من المواقع القتالية إلى وظائف أخرى”، معربين عن استيائهم من استمرار الإعفاء الكامل للحريديم من الخدمة العسكرية، معتبرين أنّ ذلك “يمّثل ظلماً فادحاً”، وهو ما زاد من شعورهم بالتمييز وفقدان الثقة بالدولة.

تزداد الضغوط على حكومة نتنياهو لدفع الحريديم للتجنُّد في الجيش. فقد أعلنت المستشارة القضائية للحكومة غالي بيهارافا ميارا أنّ هناك التزاماً قانونيّاً بإرسال أوامر تجنيد إلى جميع الحريديم الذين بلغوا سنّ الخدمة العسكرية، استناداً إلى قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن هذا الملفّ. وأضافت أنّ “الظروف الحالية، من حيث الأعداد المنخفضة للمجنّدين والحاجة المتزايدة إلى الجيش والتمييز المتواصل في مبدأ المساواة”، تستوجب اتّخاذ خطوات فوريّة.

ضغط على أكثر من جبهة

تلعب الأحزاب الحريدية على مسارات عدّة للتهرّب من الخدمة في الجيش، فهي تضغط على نتنياهو من جهة لتمرير قانون الإعفاء من التجنيد، وتبتزّه من جهة أخرى بحلّ الحكومة في حال مخالفته ذلك، وتضغط عليه برفض التصويت على القوانين التي يقدّمها الائتلاف الحكومي للكنيست.

على مسار آخر تحرِّك الأحزاب الحريدية جمهورها في الشارع عبر تنظيم احتجاجات بدأت حدّتها تتصاعد في المدن لما يتخلّلها من صدامات مع الشرطة، أو من خلال مرجعيّاتهم الدينية، التي هدّدت بهجرة جماعية من إسرائيل في حال فرض التجنيد وأمرت أتباعها بقبول السجن مقابل عدم الخدمة.

إقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيليّ مأزوم: نقص 10 آلاف جنديّ

قال الحاخام يتسحاق يوسف، عضو مجلس حكماء التوراة في حزب “شاس”: “إذا كان هناك مثل هذا المرسوم، لا قدّر الله، فلن يتّم اعتقال طلّاب المدارس الدينية، ولن نبقى جميعاً في البلاد”، مضيفاً: “لا يحقّ البقاء في البلاد دون دراسة التوراة. التوراة فوق كلّ اعتبار، فهي تحمي الجنود”.

يشكّل الحريديم نحو 13 في المئة من مجمل الإسرائيليين، ويرفضون الخدمة العسكرية بدعوى تكريس حياتهم لدراسة التوراة، ورفض الاندماج في المجتمع العلماني لأنّ ذلك يشكّل تهديداً لهويّتهم الدينية واستمرارية مجتمعهم. وقد تمكّنوا خلال العقود الماضية من تجنّب التجنيد عبر الحصول على تأجيلات متكرّرة بحجّة الدراسة في المعاهد الدينية.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…